لماذا لم يتم الاحتجاج على الخوارج بحديث الغدير؟

السؤال: حين خرجت الخوارج على عليّ بن ابي طالبٍ ورأوا أنَّه قد ضلَّ عن الحق، فلم نرَ أحداً احتجَّ عليهم بحديث الغدير أو حديث المنزلة، خروج الخوارج على عليّ بن ابي طالب يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ الجيش الذي مع عليٍّ لم يكن يؤمن أنَّ عليَّاً إمامٌ معصومٌ، أو أنَّه الإمامة منصبٌ إلهيّ.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الإجابة:

الردَّ على هذا الادّعاء يحتاج إلى تحليلٍ تاريخيٍّ وعقائديّ مفصل، وسنكتفي هنا بمجموعةٍ من النقاط التي تكشف عن سوء الفهم الذي وقع فيه صاحب هذا الادّعاء.

أولاً: الظرف السياسيّ لخروج الخوارج:

ظهر الخوارج في مرحلةٍ تاريخيَّةٍ حساسةٍ جداً، حيث كانت الأمة الإسلاميَّة تمرُّ بمرحلة انقسامٍ وصراعٍ داخليينِ على السلطة والشرعيَّة، وهي الأحداث التي بدأت بالثورة على عثمان ومقتله، ثم توالت ارتداداتها فأوجدت شرخاً عميقاً في جسد المجتمع الإسلاميّ، بما أحدثته من انقساماتٍ حادَّةٍ بين المسلمين، فوقع بينهم الاحتراب والاقتتال الذي راح ضحيته آلاف الصحابة، فكانت حرب الجمل وصفين والنهروان، والمتتبّع لتلك الاحداث يرى بوضوحٍ أنَّ الخوارج لم ينفصلوا عن أمير المؤمنين بسبب شبهة في الإمامة أو العصمة، وإنّما انفصلوا عنه بسبب حدثٍ سياسيّ، وهو التحكيم في معركة صفين، فالفتنة التي نشأت بسبب التحكيم كانت شرارة خروجهم، وليس نقاشاً في عقيدة الإمامة، أي أنَّ اعتراض الخوارج كان منصبَّاً على فكرة قبول الإمام علي بالتحكيم بينه وبين معاوية، وكان شعارهم في ذلك "لا حكم إلا لله"، وهو شعار أريد به التبرير العقائديّ لخروجهم.

إذن، الخوارج لم ينكروا فقط إمامة علي، بل رفضوا كلَّ أشكال التحكيم البشريّ، فالخلاف معهم لم يكن في مقام الإمام علي أو مكانته التي أكَّدتها النصوص النبويَّة، بل على القرار السياسيّ الذي اتخذ بشأن التحكيم.

وثانياً: لماذا لم يتم الاحتجاج بحديث الغدير وحديث المنزلة؟

في هذا السياق يجب أنْ نفهم أنَّ الخوارج كانوا جماعةً متطرّفةً لا تقبل أي فهمٍ للدين مخالف لفهمها، وكانوا يرفضون أيَّ نصوصٍ أو حجة تأتي ضد تفسيرهم الخاص للدين، وبالتالي، لم يكن النقاش العقليّ أو الاحتجاج بالنصوص النبويّة معهم ليجدي نفعاً، حتى لو احتجَّ عليهم الإمام أو جيشه بحديث الغدير أو حديث المنزلة، فإنّه سيكون احتجاجاً في غير محلّه وخارج السياق؛ وذلك لأنَّ الخوارج يرفضون أصل الإمامة والإمارة.

وقد حدَّد أمير المؤمنين هذه المشكلة عندما سمع قولهم: "لا حكم إلَّا لله" قال: «كلمةٌ حقٍّ يراد بها باطل! نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة، وإنّه لابد للناس من أميرٍ برٍّ أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر» [نهج البلاغة ج1 ص91]. فأصل مشكلة الخوارج كانت في الفهم المنحرف للدين ورفض السلطة البشريَّة، حتى لو كانت معصومة.

وثالثاً: أحاديث مثل حديث الغدير الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»، وحديث المنزلة الذي قال فيه: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلَّا أَّنه لا نبي بعدي»، تُعدُّ من الادلة القاطعة على إمامة عليٍّ وأحقيّته بالخلافة بعد رسول الله، لكن يجب التفريق بين السياقات التي يُستخدم فيها هذه الأحاديث.

فعندما كان النقاش في الخلافة والقيادة بعد وفاة الرسول الاعظم (ص)، تم الاحتجاج بهذه الأحاديث لتأكيد أحقية الإمام علي بالإمامة بعد رسول الله، خصوصاً في مواجهة بعض الصحابة الذين تمسكوا بالسقيفة.

في حين إنَّ الخوارج لم يكونوا في مورد إنكار مقام الإمام علي ومكانته من رسول الله (ص)، وإنّما في مورد إنكار أصل الإمامة والخلافة؛ ولذا ليس من المناسب الاحتجاج بحديث الغدير وحديث المنزلة في مثل هذا المورد.

ورابعاً: القول بأنَّ الجيش الذي كان مع الإمام علي لم يكن يؤمن بإمامته أو عصمته قولٌ فيه تعميمٌ لا يستند إلى الوقائع التاريخيَّة، فجيش أمير المؤمنين كان يتكون من المؤمنين المخلصين لإمامته، ومن عامّة المسلمين الذين بايعوه على أنَّه الخليفة الشرعيّ، وهناك من دخل في جيشه وحارب معه لأسبابٍ سياسيَّةٍ أو ولاءٍ قبليٍّ أو ارتباطٍ شخصيٍّ أو غير ذلك، وقد يكون الخوارج من الصنف الذي رأى في التحكيم ضياعاً لمصالحه السياسيَّة.

وعليه فإن إمامة الإمام علي (عليه السلام) وعصمته ثابتةٌ بالنصوص الكثيرة، هو أمرٌ إلهيٌّ لا يتغير بإيمان الأفراد به أو عدم إيمانهم، والمسلمون في زمن الإمام علي كانوا في حالةٍ من الفتن والاضطراب السياسيّ، وكان هناك اختلافٌ واسعٌ في فهم العقيدة، فليس بالضرورة أنْ يكون كلُّ من وقف مع الإمام عليٍّ على علمٍ بالعصمة أو مفهومها التفصيليّ، ففي ذلك الزمن كانت فكرة العصمة باعتبارها عقيدةً دقيقةً بحاجةٍ إلى تعليمٍ وتوضيحٍ أكبر، وقد تولى أئمة أهل البيت فيما بعد هذه المهمة عبر نشر معارفهم وتعليم الناس أصول العقيدة بالشكل الذي نعهده اليوم.

وفي المحصلة: خروج الخوارج على الإمام علي لا يدلُّ على نفي إمامته أو عصمته، بل هو دليلٌ على تطرّفهم الفكريّ ورفضهم لأي سلطةٍ بشريَّةٍ بما فيها سلطة الإمام المعصوم، والاحتجاج بحديث الغدير أو حديث المنزلة لم يكن ليجدي مع فئةٍ متطرفةٍ مثل هذه. والعصمة والإمامة ليست أموراً تعتمد على فهم الجماهير أو موقف أقليَّةٍ متطرفةٍ كالخوارج، بل هي حقائق ثابتةٌ بالدليل والنص.