التطور العلمي في زمن الإمام المهدي (عج)
السؤال: في ظلِّ هذا التطوُّر العلميّ الحاصل حالياً، هل سيبقى الأمر على ما هو عليه عند خروج صاحب الأمر (عليه السلام)، بحيث تُستخدم هذه التقنيات الحديثة أم نعود القهقرى؟
الجواب: باسم الله الرحمن الرحيم
بدايةً لا يوجد ما يدلُّ بشكلٍ واضحٍ على أنَّ البشرية ستعود إلى التخلُّف العلميّ والرجوع القهقرى عند ظهور الإمام المهديّ (عليه السلام)، بل الذي يُستفاد من مجموع الأدلَّة هو العكس، أي: حصول نقلةٍ حضاريةٍ كبرى تشمل العلم والمعرفة وسائر شؤون الحياة، نشير إلى بعضٍ منها في ضمن أمرين:
الأمر الأوَّل: أنَّ من السنن الإلهيَّة الجارية أنْ تكون معجزة الأنبياء (عليهم السلام) منسجمةً مع ما يبرع فيه أهل زمانهم؛ ليكون ذلك أبلغ في الحُجَّة وأظهر في الإعجاز، فكان الغالب في زمن موسى (عليه السلام) هو السحر، فجاءت معجزته بما يبطل السحر ويعلو عليه، وكان الشائع في زمن عيسى (عليه السلام) هو الطبّ، فجاء بما يعجز عنه الأطباء كإحياء الموتى، وأمَّا في عصر نبينا الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) فقد بلغت الفصاحة والبلاغة ذروتها، فجاء القرآن معجزةً بيانيةً تتحدَّى العرب في ميدانهم ومجالهم.
وبناءً على هذا يُمكن أنْ يُقال بأنَّ عصر الإمام المهديّ (عليه السلام) هو عصر العلم والتقنيَّة، فظهوره (عليه السلام) سوف يقترن بإظهار القدرات العلميَّة بما ينسجم مع هذا المستوى الحضاريّ المشاهد، بل ويتفوَّق عليه، لكونه (عليه السلام) وارثاً للأنبياء جميعاً، والمكمِّل لمشروعهم الإلهيّ، كما لا يخفى.
1ـ روى الشيخ العيَّاشيّ عن عبد الأعلى الجبليّ (الحلبيّ) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «يكون لصاحب هذا الأمر غيبةٌ في بعض هذه الشعاب ... ثمَّ قال أبو جعفر: والله لكأنّي أنظر إليه وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثمَّ ينشد الله حقَّه ثمَّ يقول: يا أيُّها الناس، مَن يحاجُّني في الله فأنا أولى الناس بالله، ومَن يحاجُّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، يا أيُّها الناس، مَن يحاجُّني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، يا أيُّها الناس، من يحاجُّني في إبراهيم فأنا أولى بإبراهيم، يا أيُّها الناس، من يحاجُّني في موسى فأنا أولى الناس بموسى، يا أيُّها الناس، من يحاجُّني في عيسى فأنا أولى الناس بعيسى، يا أيُّها الناس، من يحاجُّني في محمَّد فأنا أولى الناس بمُحمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، يا أيُّها الناس، من يحاجُّني في كتاب الله فأنا أولى بكتاب الله، ثمَّ ينتهي إلى المقام فيصلِّي عنده ركعتين، ثمَّ ينشد الله حقَّه» [تفسير العيَّاشيّ ج2 ص56].
ورواه الشيخ عليّ بن إبراهيم القمِّيّ بسنده إلى أبي خالد الكابليّ، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) [يُنظر: تفسير القمِّيّ ج2 ص205]، ورواه الشيخ النعمانيّ بسنده عن إسماعيل بن جابر عنه (عليه السلام) أيضاً [يُنظر: الغيبة ص١٨٧].
2ـ وروى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى أبي بصير قال: «دخلتُ على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت له: أنتم ورثة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ قال: نعم، قلتُ: رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وارث الأنبياء، عَلِم كما عَلِموا؟ قال لي: نعم» [الكافي ج1 ص470]. ومنهم صاحب الزمان (عليه السلام) كما هو واضحٌ.
الأمر الثاني: ورد في بعض الروايات الشريفة أنَّ العلم الذي جاءت به الأنبياء (عليهم السلام) كافَّةً، وهو القائم في العالم الآن يرجع إلى جزأين من سبعةٍ وعشرين جزءاً، ومع ذلك نشاهد التطوُّر المعرفيّ الهائل، وأمَّا في عصر صاحب الزمان (عليه السلام) فيُخرج الخمسة والعشرين الباقية، مضافاً إلى الجزأين الظاهرين سابقاً، مما يعني أنَّ التطوُّر العلميّ الذي سوف يحصل أكبر من أنْ يُتصوَّر أصلاً، كما هو واضحٌ.
فقد روى قطب الدين الراونديّ عن أبان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «العلم سبعةٌ وعشرون جزءاً، فجميع ما جاءت به الرسل جزآن، فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الجزأين، فإذا قام القائم أخرج الخمسة والعشرين جزءاً، فبثَّها في الناس، وضمَّ إليها الجزأين، حتَّى يبثَّها سبعةً وعشرين جزءاً» [الخرائج والجرائح ج2 ص841]. وفي نقل الحسن بن سُليمان الحلِّيّ التعبير بـ (الحرف) بدل (الجزء) في كلِّ الموارد [يُنظر: مختصر بصائر الدرجات ص١١٧].
وقد نبَّه على ذلك أيضاً المرجع الشيخ لطف الله الصافي الگلبايگانيّ (طاب ثراه) في كتابه [منتخب الأثر ج3 ص169]، فراجع إنْ شئت ذلك.
مصاديق ذلك:
هذا، وقد يُستأنس ببعض الروايات التي يُمكن أنْ تمثِّل مصداقاً من مصاديق هذا التطوُّر العلميّ الحاصل في زمن الظهور المبارك، نُشير إلى جملةٍ منها:
1ـ روى الشيخ العيَّاشيّ، عن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) في قول الله تعالى: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْملَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: 210]، قال: «ينزل في سبع قبابٍ من نورٍ لا يعلم في أيِّها هو حين ينزل في ظهر الكوفة، فهذا حين ينزل» [تفسير العيَّاشيّ ج1 ص103].
2ـ وروى الشيخ الكلينيّ بسنده عن أبي الربيع الشاميّ قال: «سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنَّ قائمنا إذا قام مدَّ الله (عزَّ وجلَّ) لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتَّى لا يكون بينهم وبين القائم بريدٌ، يكلِّمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه» [الكافي ج٨ ص٢٤٠].
3ـ وروى الشيخ النعمانيّ بسنده عن محمَّد بن جعفر بن محمَّد، عن أبيه (عليه السلام) قال: «إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض، في كلِّ إقليمٍ رجلاً يقول: عهدك في كفِّك، فإذا ورد عليك أمرٌ لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه فانظر إلى كفِّك واعمل بما فيها، قال: ويبعث جنداً إلى القسطنطينية، فإذا بلغوا الخليج كتبوا على أقدامهم شيئاً ومشوا على الماء، فإذا نظر إليهم الروم يمشون على الماء قالوا: هؤلاء أصحابه يمشون على الماء، فكيف هو؟! فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة، فيدخلونها فيحكمون فيها ما يريدون» [الغيبة ص٣٣٤].
4ـ وروى الشيخ الصدوق بسنده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنه إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى كلَّ منخفضٍ من الأرض، وخفض له كلَّ مرتفعٍ منها حتَّى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته، فأيكم لو كانت في راحته شعرةٌ لم يبصرها» [كمال الدين ص٦٧٤].
5ـ وروى الشيخ الحرّ العامليّ بالإسناد عن ابن مسكان قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق» [إثبات الهداة ج5 ص٢١٤]، إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا المجال.
وللمزيد عن هذا الموضوع يُمكن مطالعة ما كتبه الشيخ نجم الدين الطبسيّ في كتابه [في رحاب حكومة الإمام المهديّ ص٢١٥]، فراجع واغتنم.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ المستفاد من مجموع الأدلَّة أنَّ العلوم والتقنيات الحديثة سوف تتطوَّر بشكلٍ كبيرٍ في زمن الإمام المهديّ (عليه السلام) وليس العكس، كما بيَّنَّاه بشكلٍ واضحٍ.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق