هل الولاية الإلهية تعني عدم أهلية الشعوب والقبائل لإدارة شؤونها؟
السؤال: نظرية الولاية الشيعيَّة تقوم على افتراض أنَّ الله خلق الشعوب والقبائل ناقصة الأهلية، عاجزةً عن إدارة شؤونها، واستثنى سلالة عليّ بن أبي طالب فجعلها كاملة الأهلية والرشد والسيادة والقيادة، وخصَّها بالولاية والوصاية على الناس باعتبارهم قصَّراً وسفهاء قليلي العقل والدين. هذا هو جوهرها بلا تزيينٍ!
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ ما يسميه المُشكل بـ (نظرية الولاية الشيعيَّة) يوافق مضمونُه جملةً كبيرةً من الأديان، على رأسها الأديان السماويَّة، فالاعتقاد بعدم أهليَّة أغلب البشر للقيادة اعتقادٌ شائعٌ وفق مدارس فكريّةٍ مختلفةٍ، كما أنّ اختصاص السيادة والقيادة بفئةٍ من البشر قناعةٌ شائعةٌ في الأديان عامَّةً، وحتميَّةٌ في الأديان السماويَّة خاصَّةً.
وأوجز الكلام في الإجابة على تساؤلين:
التساؤل الأوَّل: هل الشعوب والقبائل ناقصة الأهلية فعلاً؟
الجواب: لا بد من فهم معنى الأهلية البشريَّة ودائرة هذه الأهلية، فليس المقصود من عدم الأهلية البشريَّة لإدارة شؤونهم هو عدم تمكُّن البشر من تنظيم أيِّ شيءٍ من شؤونهم، بل تنظيم بعض الشؤون واقعٌ يعيشه شعوبٌ كثيرةٌ لا ينكره أحدٌ، ولكن السؤال عن هذه الأهلية المحدودة، فهل هي نهاية الطريق الذي يمكن إدارة البشر به؟ أمّ أنّ هناك طريقاً آخر أفضل وأكمل لم يتوصَّل إليه البشر لوحدهم؟
إنّ تمام أهلية إدارة الشأن البشريّ يعني وجود طريقٍ موضوعيّ واضحٍ يتوصَّل إليه عقل الإنسان لينظم حياة كلّ البشر مهما اختلفت العصور أو تقادمت الأزمان أو تغيَّرت الشعوب، فهو يعني وجود طريقٍ عابرٍ للأزمنة والمجتمعات، ذي آليةٍ موضوعيَّةٍ يمكن أن يطبِّقها البشر في أيِّ مجتمعٍ شاءوا ومتى أرادوا ذلك.
والحال أنّ البشر منذ بداية التاريخ وحتى يومنا هذا لم يتَّفقوا على شيءٍ واحدٍ، بل اختلف كبار المفكرين في كلِّ شيءٍ على مرِّ العصور، وما اتَّفق عليه أغلب البشر إنّما هو دائرةٌ محدودةٌ جدّاً من المبادئ البشريَّة العامَّة التي لا تصلح لإدارة جزئيات الشؤون البشريَّة، وهذا الاضطراب الشديد في تحديد الصواب من الخطأ على الرغم من تقادمِ العصور، وتراكمِ الجهود البشريَّة قرناً بعد قرنٍ، وعدم اتفاق العقلاء على أغلب الموازين الأخلاقيَّة، كلّ ذلك يشير إلى عجز البشر عن الوصول لوحدهم إلى الطريق الموضوعيّ الواضح لحسم جميع النقاشات البشريَّة ليتوصَّلوا بعد ذلك إلى طريقةٍ صحيحةٍ غير قابلةٍ للنقاش لإدارة أنفسهم بأنفسهم.
وما نريد التأكيد عليه هو استحالة توصل البشر لنظامٍ واضحٍ كهذا، ولذا يختلفون في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، ومجرّد وجود بعض المجتمعات التي تدير بعض شؤونها لا يعني خلوها من الثغرات القابلة للتصحيح، مما يعني عدم الاستغناء البشريّ عن نظامٍ أفضل.
وهذا يقودنا إلى الكلام عن إمكان وجود هذا النظام الأفضل، وذلك فيما لو كان الإله الذي خلق البشر بكمال قدرته أعطى البشر بعظيم تلك الحكمة الإلهيَّة طوقَ النجاة وطريق الهداية، فإنّ هذا الطريق الإلهيّ -لو كان موجوداً-فسيكون بلا شكّ ولا ريب أرقى وأفضل من أيِّ نظامٍ توصَّل إليه الذهن البشريّ المحدود.
التساؤل الثاني: هل هناك سلالة استثنائية هي التي تملك الأهلية التامة لإدارة البشر؟
الجواب: لقد افترضنا أنّ الأهليَّة التامّة لإدارة البشريَّة ليست ممكنةً إلّا عن طريق الاتصال بالحكمة الإلهيَّة، وأمر هذا بيد الله سبحانه وتعالى، فإذا شاءت حكمته أن يجعل هذه الأهلية في شخصٍ واحدٍ فعل ذلك، وإذا اقتضت حكمته أن يجعل هذه الأهليَّة في نسلٍ معيّنٍ فعل ذلك أيضاً.
وهذا مما اتَّفق عليه المسلمون وصدح به القرآن الكريم، قال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54]، وقال تعالى في آية أخرى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 33-34]، وهذه الآيات تصرّح باصطفاء ذريّةٍ كما تصرّح باصطفاء أفرادٍ معيّنين، ولو كان اصطفاء ذريّةٍ معيّنةٍ أمراً محذوراً للزم الإشكال على كلّ مَن يعتنق أحد الأديان السماويَّة.
والشيعة الإماميَّة -كسائر الأديان والفرق -يرون اصطفاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وذريّته (عليهم السلام) على سائر الناس، وجعل تمام الأهليَّة عندهم دون غيرهم، كما يعتقدون بنبوّة كثيرٍ من الأنبياء واصطفاء بعض هؤلاء الأنبياء وتشرّفهم بهذه السيادة والقيادة، وعلى رأسهم نبيُّ الإسلام (صلَّى الله عليه وآله). فكما أنّ أهل البيت (عليهم السلام) سُرُج الهداية، فكذلك كان الأنبياء من قبلهم سرج الهداية وطرق النجاة في الدنيا والآخرة، وإن اختلفت المراتب فيما بينهم.
ومن هذا يتضح الخلل في كـلام المشكل عندما بنى كـلامه على تجريد أمير المؤمنين (عليه السلام) وذريّته (عليهم السلام) عن بُعدهم الغيبيّ، ومعاملتِهم كسائر البشر، لكيلا يبقى حينئذٍ سببٌ موضوعيّ لتفضيلهم على غيرهم سوى العنصريَّة أو الاعتباط.
والحال أنّ عقيدة الشيعة بالأئمة -والأنبياء كذلك -تبتني على كونهم مبعوثين من قبل الله سبحانه وتعالى، وليس تقديمهم على سائر البشر مبتنٍ على أساسٍ عرقيٍّ أو قبليٍّ أو طائفيّ.
وعلى ذلك، لا يكون الاعتقاد بأهليَّة الإنسان المتصل بالسماء وتفضيله على سائر البشر الذين لا اتصال لهم بالإله اعتقاداً عبثيّاً، بل لو ثبت هذا الاتصال فعلاً لكان حصر الأهليَّة بهم وتفضيلهم على غيرهم هو مقتضى العقل والحكمة، فمَن سيغضّ الطرف عن أشخاصٍ كهؤلاء؟ ومن سيقدّم غيرهم عليهم؟
أضف إلى ذلك كلّه: عدم اعتقاد الشيعة بأهليَّة كلِّ سلالة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، كما أنّ المسلمين لا يعتقدون باصطفاء كلّ ذريّة آل إبراهيم أو آل عمران، بل الأئمةُ المتّصلون بالله -من ذريّة إبراهيم ومن ذريّة عليٍّ أمير المؤمنين-محدَّدون، اثنا عشر إماماً، لا يقلّون عن ذلك ولا يزيدون، وكـلام المشكل يوهم القارئ بأنّ كلّ من كان من هذا النسل فإنّه مؤهّل لقيادة الأمّة عند الشيعة دون سائر البشر.
والخلاصة: إنّ الاعتقاد بعدم أهليَّة غالب البشر اعتقادٌ شائعٌ تصعب مناقشته، كما أنّ الفئة التي توسم بالعقل والحكمة البشريَّة آراؤها مختلفةٌ، ولا يوصِل أيٌّ من تلك الطرق الكثيرة إلى سعادةٍ حتميَّةٍ دائمةٍ. ومع وجود فئةٍ من البشر قد اتَّصلوا بالسماء، تكون النتيجة الحتمية هي الاستعانة بهؤلاء للوصول إلى الصلاح الكامل والسعادة التامة، وذلك عن طريق استعانة البشر بالحكمة الإلهية التي ينهل الأئمة والأنبياء منها.
والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق