معنى قوله (ع): «يا بني، أحدث لله شكراً، فقد أحدث فيك أمراً»؟
السؤال: ما معنى الرواية التي جاءت في كتاب الكافي عن الأنباريِّ أنَّه قال: «كنتُ حاضراً أبا الحسن (عليه السلام) لما تُوفِي ابنه محمَّد، فقال للحسن: يا بُنيَّ، أحدثْ لله شكراً، فقد أحدثَ فيك أمراً»، فهل الإمام العسكريَّ (عليه السلام) لم يكن إماماً مفترض الطاعة ثمَّ اختاره الله للإمامة، يُرجى توضيح ذلك؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير الأخ السائل إلى ما رواه شيخنا الكلينيُّ (طاب ثراه) بسنده إلى عليِّ بن جعفرٍ قال: «كنتُ حاضراً أبا الحسن (عليه السلام) لما توفي ابنه محمَّد فقال للحسن: يا بُنيَّ، أحدث لله شكراً، فقد أحدث فيك أمراً» [الكافي ج1 ص ٣٢٦].
وما رواه أيضاً بسنده إلى أحمد بن محمَّد بن عبد الله بن مروان الأنباريِّ قال: «كنتُ حاضراً عند مضيِّ أبي جعفرٍ محمَّد بن عليٍّ (عليهما السلام) فجاء أبو الحسن (عليه السلام) فوُضِعَ له كرسيٌّ فجلس عليه، وحوله أهل بيته، وأبو محمَّدٍ قائمٌ في ناحيةٍ، فلما فرغ من أمر أبي جعفرٍ التفت إلى أبي محمَّدٍ (عليه السلام) فقال: يا بُنيَّ، أحدثْ لله (تبارك وتعالى) شكراً، فقد أحدثَ فيك أمراً» [الكافي ج1 ص ٣٢٦].
إذا اتضح هذا، فنقول:
لا يخفى أنَّ النصَّ على الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) ـ ومنهم الإمام الحسن العسكريُّ (عليه السلام) ـ تجاوز حدَّ التواتر، بل هو من الضرورات الواضحة عند أتباع أهل البيت (رفع الله شأنهم). وعليه، فكلُّ نصٍّ يُوحي بخلاف ذلك فلابدَّ من تأويله بما يتناسب مع هذا الأصل المذكور، أو ردِّ علمه إلى أهله وعدم الالتزام بمضمونه، وهذه قاعدةٌ عامَّةٌ وسيَّالةٌ في كلِّ نصٍّ من هذا القبيل.
وبعبارةٍ أُخرى: ثبوت النصِّ على الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) من قبيل المحكمات الثابتة، وغيره من قبيل المتشابه. وعليه، فمن أجل فهم المتشابه فهماً صحيحاً لابدَّ من إرجاعه إلى المحكم حتَّى يتضح معناه الصحيح، وإلَّا لكنَّا من أهل الزيغ والفتنة المشار إليهما في سورة آل عمران المباركة.
معنى الحديثين:
وبناءً على هذا، فالمراد من قول الإمام الهاديِّ (عليه السلام) هذا الكلام لولده الإمام العسكريِّ (عليه السلام) هو لبيان توهُّم الناس بأنَّ السيد محمَّداً (عليه السلام) هو الإمام بعد أبيه؛ وذلك لكونه الأكبر سنّاً في ذلك الحين، وقد أشارت بعض الروايات إلى أنَّ الإمامة في الولد الأكبر ما لم تكن فيه عاهةٌ ـ كعبد الله الأفطح ـ أو يموت في حياة أبيه ـ كالسيد محمَّد ـ الأمر الذي أوجب اعتقاد الشيعة بإمامة السيد محمَّدٍ.
وبما أنَّ الله تعالى قد توفَّاه في حياة أبيه فقد ظهر للناس وبدا لهم خطأ ما كانوا يتصوَّرون من كون الإمامة فيه، وكذلك ظهر أنَّ الإمام المنصَّب من الله تعالى هو الإمام الحسن العسكريُّ (عليه السلام)؛ ولذلك طالبه والده (عليه السلام) بإحداث الشكر لله تعالى الذي أبان للشيعة الحقَّ من كونه الإمام المنصوب وليس أخيه.
وللمركز جواب سابق بعنوان: (معنى البداء في الإمامين العسكريين)، وجواب آخر بعنوان: (البداء في الإمامة)، يمكن مراجعتها.
كلمات الأعلام:
1ـ قال الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) في ذلك: (معناه: ظهر من الله وأمره في أخيه الحسن (عليه السلام) ما زال الريب والشك في إمامته، فإنَّ جماعةً من الشيعة كانوا يظنون أنَّ الأمر في محمَّد [سبع الدجيل] من حيث كان الأكبر، كما كان يظن جماعةٌ أنَّ الأمر في إسماعيل بن جعفرٍ دون موسى (عليه السلام)، فلما مات محمَّدٌ ظهر من أمر الله فيه، وأنه لم ينصبه إماماً، كما ظهر في إسماعيل مثل ذلك، لا أنَّه كان نصَّ عليه ثمَّ بدا له في النصِّ على غيره، فإنَّ ذلك لا يجوز على الله تعالى العالِم بالعواقب) [الغيبة ص٢٠٢].
2ـ وقال العلَّامة المازندرانيُّ (طاب ثراه): (قوله: «فقد أحدثَ فيك أمراً» حيث أمات محمَّداً وقد ظنَّ الشيعة أنَّه إمامٌ بعد أبيه فأظهر الإمامة فيك، وخصَّها بك، ورفع الاختلاف بينهم، وهذه نعمةٌ عظيمةٌ توجب الشكر) [شرح أصول الكافي ج6 ص٢١٩].
3ـ وقال الشيخ محمَّد جواد البلاغيُّ (طاب ثراه): (قد كان الناس يحسبون أنَّ إسماعيل بن الصادق (عليه السلام) هو الإمام بعد أبيه؛ لما علموه من أنَّ الإمامة للولد الأكبر ما لم يكن ذا عاهةٍ ... فبدا وظهر بموت إسماعيل أنَّ الإمام هو الكاظم (عليه السلام)؛ لأنَّ عبد الله كان ذا عاهةٍ ... وكذا في موت محمَّد بن الهادي (عليهما السلام)، حيث ظهر للشيعة أنَّ الإمام بعد الهادي هو الحسن العسكريُّ (عليه السلام). وهذا الظهور للشيعة هو الأمر الذي أحدثه الله بموت محمَّدٍ، كما قال الهادي للعسكريِّ (عليهما السلام) عند موت محمَّدٍ: «أحدث لله شكراً، فقد أحدث فيك أمراً». فالإمامة ثابتةٌ للكاظم والعسكريِّ منذ الأزل، وقد جاء في الأحاديث البالغة حدَّ التواتر ـ أو ما يقاربه ـ عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والأئمَّة ـ ممن هو قبل الكاظم والعسكريِّ (عليهم السلام) ـ ما يتضمَّن النصَّ على إمامتهما في جملة الأئمَّة (عليهم السلام)) [رسالتان في البداء، إعداد: السيد محمَّد علي الحكيم ص٢١].
4ـ وقال الشيخ لطف الله الصافيُّ (طاب ثراه) في ذلك: (لا ظهور له على أنَّ محمَّد بن عليٍّ (عليه السلام) كان منصوصاً عليه بالإمامة، فبدا لله فيه قبل موته فأماته، أو بدا لله فيه بعد موته فأقام مقامه أخاه أبا محمَّدٍ (عليه السلام)، كما أنَّه لا دلالة له على أنَّ مولانا أبا محمَّدٍ لم يكن منصوصاً عليه قبل موت أخيه أبي جعفرٍ، فلما توفَّى أخوه جعله الله تعالى خليفةً لأبيه ونصَّبه إماماً للناس بعده، فهذا الاحتمال لا يستظهر من الخبر، مضافاً إلى أنَّه تردُّه الأحاديث الصحيحة الصريحة على أنَّ أبا محمَّدٍ كان منصوصاً عليه بالإمامة من الله تعالى ومن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، ومن أجداده الطاهرين قبل ولادته وولادة أخيه محمَّدٍ... إلى قوله (طاب ثراه): المراد من إحداث الأمر إظهار إمامة مولانا أبي محمَّدٍ (عليه السلام) لمن يظن أخاه أبا جعفرٍ خليفةً لأبيه، وليس معنى ذلك أنَّ الله تعالى توفَّاه لإظهار هذا الأمر، بل المراد أنَّ بطلان هذا الظن كان أمراً يترتب على موته، فأسند إحداثه إلى الله تعالى لإسناد سببه، وهو موته إليه) [مجموعة الرسائل ج2 ص١١٨].
وملخَّص الكلام: أنَّ أمر الإمام الهاديِّ (عليه السلام) لولده العسكريِّ (عليه السلام) بإحداث الشكر لما كشفه الله تعالى من بطلان توهُّم الناس من إمامة أخيه الأكبر، وبيان أنَّ الإمامة فيه من أوَّل الأمر، كما أوضحنا.
بقي شيءٌ:
وهو أنَّ هذين الحديثين المذكورين يُشيران إلى علوِّ مقام السيد محمَّدٍ سبع الدجيل (عليه السلام)، وأنَّ له مقاماً عالياً عند الله تعالى والحجج الطاهرين، بحيث كان الشيعة آنذاك يتصوَّرون فيه الإمامة بعد أبيه (عليه السلام).
قال الشيخ عبَّاس القمِّيّ (طاب ثراه): (وأمَّا السيد محمَّد المكنَّى بأبي جعفرٍ، فهو المعروف بجلالة القدر وعظم الشأن، وكفى في فضله قابليته وصلاحه للإمامة، وكونه أكبر ولد الإمام عليٍّ الهاديِّ (عليه السلام)، وزعم الشيعة أنَّه الإمام بعد أبيه لكنَّه توفي قبل أبيه .... إلى قوله: قال شيخنا في كتاب النجم الثاقب: ومزار السيد محمَّدٍ في ثمان فراسخ عن سرَّ من رأى قرب قرية بلدٍ، وهو من أجلَّاء السادة، وصاحب كراماتٍ متواترةٍ، حتَّى عند أهل السنَّة والأعراب .... ورأينا منه في أيامنا هذه كراماتٍ باهرةً، ولقد عزم بعض العلماء أنْ يجمع تلك الكرامات ويدوِّنها حتَّى تصير كتاباً يحتوي على فضائله) [منتهى الآمال ج2 ص٦٣٧].
والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، أنَّ هذين الحديثين يُشيران إلى أنَّ الشيعة آنذاك كانت تتصوَّر أنَّ الإمامة بعد الإمام الهاديِّ في ولده السيد محمَّدٍ، ومن ثُمَّ تبيَّن لهم الحقُّ وبدا لهم ما كان خافياً عليهم من إمامة الإمام العسكريِّ (عليه السلام)؛ ولذلك أمره والده أنْ يجدد لله شكراً، كما أنهما يُشيران إلى جلالة السيد سبع الدجيل وعلو كعبه عند الله تعالى، وحُججه الطاهرين .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق