هل اعتناق الإسلام في الغرب دليل على صحة العلمانية أم على قوة الإسلام؟
السؤال: دخول أيّ إنسانٍ في الغرب للإسلام هو أكبر دليلٍ على عظمة العلمانيّة وصدق منهجها؛ لأنّها توفّر حرّيّة المعتقد والحماية للجميع، يجب أن نخجل لأنّ شريعتنا ورغم أنّ ترتيبها هو الأخير بين الشرائع إلّا أنّها لم توفّر نفس الحماية لمن يريد الخروج منها.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
أوّلاً: القول بأنّ دخول بعض الغربيين في الإسلام هو «دليلٌ على عظمة العلمانيّة»، فيه قفزةٌ على أبسط قواعد المنطق؛ لأنّ هذا الدخول في جوهره هو اختيارٌ دينيٌّ نابعٌ من قناعةٍ بالإسلام، لا من قناعةٍ بالعلمانيّة؛ فالشخص لم يعتنق "العلمانيّة"، بل اعتنق ديناً يناقضها في كثيرٍ من أسسها.
وهذا يشبه أن نقول: نجاح كتابٍ ما دليلٌ على عظمة المكتبة التي وُضع فيها، لا على مضمون الكتاب نفسه.
وثانياً: البيئة التي تتيح حرّيّة الاختيار ليست حكراً على نموذجٍ واحدٍ، بل هي نتاج تطوّرٍ تاريخيٍّ وقانونيٍّ معقّدٍ، تشكّلت فيه عوامل ثقافيّةٌ ودينيّةٌ وإنسانيّةٌ متعدّدةٌ، بما فيها تراثٌ دينيٌّ سابقٌ نفسه. فاختزال كلّ ذلك في العلمانيّة وحدها تبسيطٌ مخلّ؛ لأنّ الواقع أكثر تركيباً من ذلك.
وثالثاً: الادّعاء بأنّ الشريعة «لم توفّر الحماية» ليس فقط تبسيطاً، بل هو تجنٍّ صريحٌ يقوم على تجاهل النصوص والأصول، فالشريعة تقرّر بوضوحٍ مبدأ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، وتُثبت أنّ القناعة الدينيّة لا تُفرض بالقسر. لكن في الوقت نفسه تفرّق – بوعيٍ – بين الاعتقاد بوصفه شأناً داخليّاً لا سلطان عليه، وبين إظهاره وممارسته في المجال العامّ حيث تتداخل معه اعتبارات الهويّة والنظام الاجتماعيّ.
وعليه، فمحلّ الخلاف ليس في أصل الحرّيّة، بل في حدودها وتنظيمها وآثارها العامّة، وهذا ليس أمراً خاصّاً بالشريعة، بل هو السؤال نفسه الذي تعالجه كلّ الأنظمة الحديثة: أين تنتهي حرّيّة الفرد وأين تبدأ مسؤوليّة المجتمع؟ أمّا تصوير المسألة وكأنّ الشريعة «تلغي الحرّيّة من أصلها» فهو طرحٌ إنشائيٌّ يتجاهل حقيقة البناء التشريعيّ، ويستبدل النقاش العلميّ بتوصيفاتٍ اتّهاميّةٍ لا تصمد أمام الفحص.
ورابعاً: حتّى النموذج الذي يُقدَّم بوصفه مثالاً مطلقاً للحرّيّة ليس كذلك في الواقع، فالدول الغربيّة تضع قيوداً واضحةً على التعبير والممارسة حين تتعارض مع قوانينها أو قيمها، كبعض القيود على الرموز والممارسات الدينيّة، وهذا يعني أنّ الحرّيّة المطلقة غير موجودةٍ عمليّاً، بل هناك دائماً توازنٌ بين حرّيّة الفرد ومتطلّبات المجتمع.
وخامساً: حتّى لو فُهم قوله: «رغم أنّ شريعتنا هي الأخيرة»، على أنّه إشارةٌ إلى كمالها، فإنّ الاستنتاج الذي بناه عليه غير صحيحٍ؛ لأنّه يفترض أنّ «الكمال» يعني التطابق مع نموذجٍ معيّنٍ للحرّيّة نشأ في سياقٍ حديثٍ. وهذا خلطٌ واضحٌ بين مفهومين مختلفين: كمال الشريعة بوصفها منظومةً شاملةً تضبط علاقة الإنسان بنفسه وبالمجتمع وبالله، وبين نموذجٍ جزئيٍّ معاصرٍ يركّز على جانبٍ واحدٍ وهو الحرّيّة الفرديّة بمعناها الليبراليّ ويهمل جوانب أخرى لها علاقةٌ باستقرار الإنسان نفسيَّاً واجتماعيَّاً ومعرفيَّاً.
وعليه، فالمقارنة نفسها غير منضبطةٍ: هو يفترض معياراً، ثمّ يحاكم الشريعة به، ثمّ يستنتج النقص. بينما النقاش الصحيح يبدأ من السؤال: ما هو معيار الكمال أصلاً؟ ومن الذي حدّده؟
وفي المحصّلة، لا يصحّ تحويل دخول بعض الأفراد في الإسلام إلى «دليلٍ على صحّة العلمانيّة»، كما لا يصحّ اختزال النقاش المعقّد حول حرّيّة المعتقد في مقارنةٍ سطحيّةٍ بين نموذجين، فالمسألة أعمق من ذلك، وتتعلّق بتعريف الحرّيّة نفسها، وحدودها، وعلاقتها بهويّة المجتمع واستقراره.
اترك تعليق