ما الذي يمنع من زعامتين: روحية وسياسية؟

السؤال: بعض الناس يتساءل ما المانع أنْ تكون للأمة زعامتان روحيَّةٌ وسياسيَّةٌ.. بحيث يكون أهل البيت (عليهم السلام) هم القيادة والإمامة الروحيَّة ومن تسلّط على كرسي الحكم الزعامة السياسيَّة؟ وينحل بذلك خلافٌ طويلٌ بين المسلمين.

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

تعود جذور هذا الإشكال إلى اللحظة التي أعقبت وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل وإلى ما قبلها أيضاً، فقد نقل ابن أبي الحديد أنّ طائفةً من الصحابة - منهم عمر - تذرّعت بأنّ الجمع بين النبوّة والخلافة في بيتٍ واحدٍ يُثقل على الناس، فقال: «وتعلّلت طائفةٌ أخرى منهم بكراهيّة الجمع بين النبوّة والخلافة في بيتٍ واحدٍ يجفخون على الناس» [شرح نهج البلاغة ج11 ص113].

وهذه الدعوى، في جوهرها، ليست إلّا نتيجة قصورٍ في فهم حقيقة الإمامة ومصدرها؛ إذ افترض أصحابها أنّ الخلافة شأنٌ سياسيٌّ محضٌ يخضع للاعتبارات الاجتماعيَّة، بينما الإمامة - وفق الرؤية القرآنيّة والعقليّة - منصبٌ إلهيٌّ خالصٌ يختاره الله ويحدّد مداه ووظيفته، وليس للناس أن يتصرّفوا فيه وفق تقديراتهم أو حساباتهم السياسيَّة، فإنّ جعل الإمامة الروحيَّة في جهة، والسلطة السياسيَّة في جهةٍ أخرى، يعني في الواقع تجريد الإمامة من بعض وظائفها الأساسيّة التي نصّت عليها الأدلّة العقليّة والنقليّة؛ لأنّ الإمام في منطق القرآن والسنة ليس واعظاً أو مرشداً روحيّاً فحسب، بل هو أيضاً القائد الذي يُطبّق الشريعة ويحفظ الدين ويقيم العدل، وفصل هذه الأدوار عن مقام الإمامة فراغٌ في أصل المنظومة، وليس حلّاً للنزاع.

فالقرآن صرّح بوضوحٍ أنّ القيادة الدينيّة والسياسيَّة للنبيّ (صلى الله عليه وآله) قائمة على التفويض الإلهيّ، وأنّ الناس لا يملكون خياراً في مقابل حكم الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51]، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، فهذه النصوص تثبت أنّ منصب القيادة - بما يشمله من الحكم، والتشريع، وتنفيذ أوامر السماء - ليس موكولاً للاجتهاد البشري، بل هو قرارٌ إلهيٌّ نافذٌ.

ومع هذا الإطار الواضح، جاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) ليؤكّد أنّ الإمامة بعده ليست فراغاً يملؤه الناس، ولا منصباً تُحدّده الموازنات الاجتماعيّة، بل هي استمرارٌ للوظيفة التي اضطلع بها الرسول نفسه - باستثناء النبوّة والوحي -، وقد تجلّى هذا المعنى في «حديث المنزلة»، حيث قرّر النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّ منزلة عليٍّ (عليه السلام) منه بمنزلة هارون (عليه السلام) من موسى (عليه السلام). وهذه المنزلة تشمل كلّ شؤون القيادة: العلميّة، الروحيَّة، السياسيَّة، والإداريّة، الدينيّة. وهذا يثبت أنّ عليّاً (عليه السلام) هو الامتداد الطبيعي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في مقام الإمامة والولاية، وأنّ الخلافة ليست اختياراً سياسيّاً، بل نصّاً إلهيّاً بيّنه النبيّ (صلى الله عليه وآله) في مواطن عديدة.

وبذلك يتضّح أنّ أصل الإشكال لم ينشأ من غموضٍ في النصوص، بل من امتناعٍ عن قبول مدلولها الكامل، أو من قراءةٍ للإمامة بعينٍ سياسيّةٍ تحصرها في الحكم الدنيويّ، بينما حقيقتها أشمل وأعمق؛ لأنّها ولايةٌ إلهيّة تتصّل بجوهر الدين وهدايته، لا بمصالح البشر وتقلبّات المزاج العامّ.

ومن جهة أخرى، فإنّ هذه النظريّة - القائلة بفصل القيادة السياسيَّة عن الإمامة الروحيَّة - تُفضي إلى مفاسد جوهرية تمسّ بنية الإسلام نفسه، فمنذ اليوم الأوّل لظهور الإسلام، تشكّلت دولةٌ وأمّةٌ واحدةٌ بإشراف النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وكان هذا التشكيل تعبيراً واضحاً عن البعد السياسيّ في الرسالة، فالرسول لم يكن نبيّاً مبلِّغاً فحسب، بل كان قائداً وزعيماً للدولة، وكانت ولايته السياسيَّة متفرّعة عن مقام نبوّته: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6]، وتعليق الحكم بوصف «النبوّة» يدلّ على أنّ هذا الوصف هو عِلّة الولاية، أي أنّ الزعامة السياسيَّة نابعة من الزعامة الدينيّة، وأنّ الفصل بينهما مصادرةٌ لطبيعة البنية التي أرساها الإسلام، وبما أنّ الإمامة والخلافة امتدادٌ للنبوة من حيث الوظيفة في حفظ الدين وقيادة الأمة، فإنّ هذا الحكم يجري عليهما أيضاً.

ومَن يتأمَّل في التجربة التاريخيّة يرى بوضوحٍ أنّ محاولة فصل «الخلافة» عن «الولاية الروحيَّة» تُنتج نموذجاً مختلّاً شبيهاً بما وقع في المسيحيّة، حيث انقسمت السلطة بين رجال دينٍ منزويين في الرهبانيّات، وسلطةٍ زمنيّةٍ منفصلةٍ عن الهداية الروحيَّة، فانتهى الأمر إلى ديانةٍ بلا حضورٍ اجتماعيٍّ فاعلٍ، وهذا النموذج يناقض جوهر الإسلام الذي يرفض الرهبانيّة ويريد حضوراً عمليّاً وسياسيّاً للمسلمين في صناعة المجتمع وإقامة العدل.

وبناءً عليه، فإنّ القول بأنّ السياسة تُناط بفريقٍ، والهداية الدينيّة بفريقٍ آخر، لا ينسجم مع طبيعة المشروع النبويّ، ولا مع منطق النصّ القرآنيّ، ولا مع التجربة التاريخيّة، بل إنّ وحدة القيادة الدينيّة والسياسيَّة في شخص النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ثمّ في الإمام من بعده، هي التي تضمن انسجام المجتمع، وتمنع تضارب السلطات، وتحقّق الغاية الإلهيّة في إقامة الدين وإصلاح الدنيا معاً.

وعليه، فإنّ طرح هذا الحلّ الظاهريّ ليس سوى معالجةٍ خاطئةٍ من جذورها، وهو كلامٌ في غير محلّه بعد ما تقدّم من البيان، فمثل هذا القول لا ينهي الخلاف، بل يضاعفه؛ لأنّه يفترض نموذجاً سياسيّاً لا يعرفه الإسلام، ويُسقِط الوظائف الإلهيّة التي جُعلت للإمام، ويُبقي السلطة بيد مَن لا عصمة له ولا نصّ، ومن هنا يكون هذا الاقتراح مجرّد تصوّرٍ نظريٍّ لا يمتّ إلى منطق الإمامة ولا إلى الواقع الإسلاميّ بصلة.