مشروعية وضع تربة الإمام الحسين (ع) في القبر
السؤال: ما هو الدليل على مشروعية وضع تربة الإمام الحسين (عليه السلام) في قبر الميت؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
بدايةً لا بأس أنْ يعلم السائل بأنَّ وضع شيءٍ من تربة الإمام الحسين (عليه السلام) في قبر الميت له نظائر في الشريعة الإسلاميَّة، إذ اتفق الفريقان على استحباب وضع الجريدتين مع الميت في قبره؛ لما ورد من أنَّهما يخفِّفان من عذاب القبر، نذكر شاهداً على ذلك فقط، رغبةً في الاختصار.
1ـ روى الشيخ الكلينيُّ بسندٍ صحيحٍ عن زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أرأيت الميت إذا مات لم تجعل معه الجريدة؟ قال: يتجافى عنه العذاب والحساب ما دام العود رطباً، قال: والعذاب كلُّه في يومٍ واحدٍ، في ساعةٍ واحدةٍ، قدر ما يدخل القبر ويرجع القوم، وإنّما جعلت السعفتان لذلك، فلا يصيبه عذابٌ ولا حسابٌ بعد جفوفهما إنْ شاء الله» [الكافي ج3 ص152].
2ـ وروى ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ إلى ابن عبَّاس قال: «مرَّ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) بقبرين فقال: إنهما ليعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ. أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأمَّا الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثمَّ أخذ جريدةً رطبةً فشقَّها نصفين، ثمَّ غرس في كلِّ قبرٍ واحدةً فقالوا: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: لعلَّه أنْ يخفِّف عنهما ما لم ييبسا» [المصنف ج7 ص218، تحقيق الشثري].
إذا بان هذا التمهيد، فنقول:
لقد ورد في جملةٍ من الأخبار الشريفة استحباب وضع شيءٍ من تربة الإمام الحسين (عليه السلام) مع الميت في قبره؛ لما فيها من النفع له إنْ شاء الله تعالى، نظير ما ورد في وضع الجريدتين معه. نذكر جملةً من تلك الأخبار، ونعقّبها بكلمات الفقهاء، ومن الله تعالى نستمد العون والتوفيق.
المقام الأوّل: الأخبار الواردة:
1ـ روى الشيخ الطوسيُّ بسنده إلى محمَّد بن عبد الله بن جعفر الحِمْيري قال: «كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) أسأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره، هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب ـ وقرأت التوقيع ومنه نسخت ـ: يوضع مع الميت في قبره ويخلط بحنوطه إنْ شاء الله» [تهذيب الأحكام ج6 ص76].
2ـ وروى أيضاً عن جعفر بن عيسى، أنَّه سمع أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «ما على أحدكم إذا دفن الميت ووسَّده التراب أنْ يضع مقابل وجهه لبنةً من الطين، ولا يضعها تحت رأسه» [مصباح المتهجد ص٧٣٥].
قال الشيخ الحر العامليُّ بعد نقله هذا الخبر: (أقول: المراد الطين المعهود للتبرُّك، وهو طين قبر الحسين (عليه السلام)، والقرينة ظاهرةٌ، وقد فهم الشيخ ذلك أيضاً فأورد الحديث في جملة أحاديث تربة الحسين (عليه السلام)، ويأتي ما يدلُّ على ذلك) [وسائل الشيعة ج3 ص30].
3ـ وروى ابن حمزة الطوسيُّ عن عثمان بن سعيد، عن أبي علي بن راشد، وفيه: «وأقامت شطيطة تسعة عشر يوماً وماتت رحمها الله، فتزاحمت الشيعة على الصلاة عليها، فرأيت أبا الحسن (عليه السلام) على نجيبٍ، فنزل عنه وأخذ بخطامه، ووقف يصلِّي عليها مع القوم، وحضر نزولها إلى قبرها ونثر في قبرها من تراب قبر أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)» [الثاقب في المناقب ص٤٤٥].
4ـ وروى الشيخ الطبرسيُّ في كتابٍ آخر لمحمَّد بن عبد الله الحِمْيري إلى صاحب الزمان (عليهم السلام) من جواب مسائله التي سأله عنها، وفيها ما نصُّه: «وسأل فقال: روي لنا عن الصادق (عليه السلام) أنه كتب على أزار ابنه إسماعيل يشهد أنْ لا إله إلَّا الله، فهل يجوز أنْ نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره؟ فأجاب: يجوز ذلك» [الاحتجاج ج2 ص306].
5ـ وروى العلَّامة الحلِّيُّ، وفيه: «أنَّ امرأةً كانت تزني وتضع أولادها، فتحرقهم بالنار خوفاً من أهلها، ولم يعلم به غير أمها، فلما ماتت دفنت، فانكشف التراب عنها ولم تقبلها الأرض، فنقلت عن ذلك الموضع إلى غيره فجرى لها ذلك، فجاء أهلها إلى الصادق (عليه السلام) وحكوا له القصَّة، فقال لأمها: ما كانت تصنع هذه في حياتها من المعاصي؟ فأخبرته بباطن أمرها، فقال (عليه السلام): إنَّ الأرض لا تقبل هذه؛ لأنها كانت تعذِّب خلق الله بعذاب الله، اجعلوا في قبرها شيئاً من تربة الحسين (عليه السلام)، ففعل ذلك فسترها الله تعالى» [منتهى المطلب ج7 ص386].
6ـ وروى الميرزا النوريُّ عن الفقه الرضويِّ، وفيه قوله (عليه السلام): «ويجعل معه في أكفانه شيءٌ من طين القبر، وتربة الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)» [مستدرك الوسائل ج2 ص217].
7ـ وقد روي في أكثر من خبرٍ أنَّ تربة الإمام الحسين (عليه السلام) أمانٌ من كلِّ خوفٍ، فيشمل بعمومه حالة القبر أيضاً.
من ذلك: ما رواه ابن قولويه القمِّيّ بسنده عن محمَّد ابن زياد، عن عمَّته قالت: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنَّ في طين الحائر الذي فيه الحسين (عليه السلام) شفاءً من كلِّ داءٍ، وأماناً من كلِّ خوفٍ» [كامل الزيارات ص٤٦٦].
وما رواه أيضاً بسنده عن سعد بن سعد قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الطين قال: فقال: أكل الطين حرامٌ مثل الميتة والدم ولحم الخنزير إلَّا طين قبر الحسين، فإنَّ فيه شفاءً من كلِّ داءٍ وأمناً من كلِّ خوفٍ» [كامل الزيارات ص٤٧٨]، إلى غيرهما من الأخبار الواردة في هذا المعنى.
المقام الثاني: كلمات العلماء:
1ـ قال المحقِّق الحلِّيُّ: (أنْ يحفر القبر قدر القامة أو إلى الترقوة، ويجعل له لحدٌ مما يلي القبلة، ويحل عقد الأكفان من قبل رأسه ورجليه، ويجعل معه شيءٌ من تربة الحسين (عليه السلام)) [شرائع الإسلام ج1 ص35].
2ـ وقال السيد ابن طاووس: (ثمَّ يضجعه على جانبه الأيمن ويستقبل به القبلة، ويحل عقد كفنه من جهة رأسه ورجليه، ويضع خده على التراب ذلاً واستكانةً واسترحاماً واستعطافاً لموليه ربّ الأرباب، ويجعل معه شيئاً من تربة الحسين (عليه السلام) فقد رُوي أنّه أمانٌ. والمنزل مهولٌ يحتاج إلى التوصُّل والسلامة منه بغاية الإمكان) [فلاح السائل ص٨٤].
3ـ وقال العلَّامة الحلِّيُّ: (الرابع: يستحب أنْ يجعل معه شيئاً من تربة الحسين (عليه السلام) طلباً للبركة، والاحتراز من العذاب، والستر من العقاب) [منتهى المطلب ج7 ص386].
4ـ وقد أفتى باستحباب ذلك أيضاً كثير من الفقهاء، [ينظر: حاشية شرائع الإسلام للشهيد الثاني ص٥٥، وسائل الشيعة ج3 ص29، مستدرك الوسائل ج2 ص215، منهاج الصالحين للسيد محسن الحكيم ج1 ص124، مصباح الهدى ج6 ص223، منهاج الصالحين للسيد سعيد الحكيم ج1 ص101، منهاج الصالحين للسيد الروحانيّ ج1 ص125، وينظر أيضاً: العروة الوثقى والتعليقات عليها ج5 ص248].
بقي شيء:
وهو أنَّ جمعاً من الفقهاء قيَّد وضع التربة الشريفة تلقاء وجه الميت، تحفُّظاً من وصول النجاسة إليها بعد تفسُّخ الجسد وخروج الدم.
قال السيد اليزديّ (طاب ثراه): (الثاني عشر: جعل مقدارٍ من لبنةٍ من تربة الحسين (عليه السلام) تلقاء وجهه، بحيث لا تصل إليها النجاسة بعد الانفجار)، ولم يعلّق الفقهاء المحشّون على الكتاب [ينظر: العروة الوثقى والتعليقات عليها ج5 ص248].
والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، أنَّ مشروعية واستحباب وضع التربة الحُسينيَّة مع الميت في القبر مستندٌ إلى جملةٍ من الروايات الشريفة التي أفتى الفقهاء على ضوئها، كما تبيَّن تفصيله، نسأل الله تعالى الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب، بمُحمَّدٍ وآله الأطياب.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق