هل شرب أبو بكر وعمر الخمر؟

السؤال: ما هو دليل الشيعة على أنَّ أبا بكرٍ وعمر قد شربا الخمر؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لا شكَّ ولا ريب في أنَّ أبا بكرٍ وعمر قد شربا الخمر في أيَّام الجاهليَّةِ، إذْ كانت من الأشربة المتعارفة والرائجة في ذلك العصر، ولم يكن التحرُّز عنها أمراً شائعاً بين الناس، وإنَّما كان يمتنع عن شربها بعض أهل الشرف والمروءة والعفَّةِ، كجعفر بن أبي طالبٍ (عليه السلام)، حيث ثبت أنَّه لم يشرب الخمر قطّ، لما فيها من إذهاب العقل وإفساد الرأي، وهو ما كان يترفَّع عنه أصحاب النفوس الكريمة.

واستمرَّا على ذلك حتَّى زمن الإسلام، قبل نزول التحريم وبعده، وقد دلَّت على ذلك جملةٌ من الشواهد، نذكر قسماً منها:

1ـ ما رواه عبد الرزَّاق الصنعانيّ بسنده المتَّصل إلى إسماعيل قال: «أنَّ رجلاً عبَّ في شرابٍ نُبِذَ لعمر بن الخطَّاب بطريق المدينة، فسكر، فتركه عمر حتَّى أفاق، فحدَّه، ثمَّ أوجعه عمر بالماء فشرب منه. قال: ونَبَذ نافعُ بن عبد الحارث لعمر بن الخطَّاب في المزاد، وهو عاملٌ له على مكَّة، فاستأخر عمر حتَّى عدا الشراب طوره، ثمَّ عدا، فدعا به عمر فوجده شديداً، فصنعه في جفانٍ، فأوجعه بالماء، ثمَّ شرب وسقى الناس» [مصنف عبد الرزَّاق ج8 ص524].

2ـ وما رواه ابن أبي شيبة بسنده إلى هزيل بن شرحبيل قال: «مرَّ عمر بن الخطَّاب على ثقيفٍ فاستسقاهم، فقالوا: أخبؤا نبيذكم فسقوه ماءً، فقال: اسقوني من نبيذكم يا معشر ثقيفٍ، قال: فسقوه، فأمر الغلام فصبَّ ثمَّ أمسك بيده ثمَّ قال: يا معشر ثقيفٍ، إنَّكم تشربون من هذا الشراب الشديد، فأيُّكم رابه من شرابه شيءٌ فليكسره بالماء» [مصنف ابن أبي شيبة ج13 ص269].

3ـ وروى أيضاً بسنده إلى حسَّان بن مخارقٍ قال: «بلغني أنَّ عمر بن الخطَّاب، ساير رجلاً في سفرٍ ـ وكان صائماً ـ فلما أفطر أهوى إلى قربةٍ لعمر معلَّقةٍ فيها نبيذٌ قد خضخضها البعير، فشرب منها فسكر، فضربه عمر الحدَّ، فقال له: إنَّما شربتُ من قربتك، فقال له عمر: إنَّما جلدناك لسكرك» [مصنف ابن أبي شيبة ج5 ص502].

4ـ وروى أيضاً بسنده إلى همَّام بن الحارث قال: «أُتي عمر بنبيذِ زبيبٍ فشرب منه، فقطَّب، فدعا بماءٍ فصبَّه عليه، ثمَّ شرب» [مصنف ابن أبي شيبة ج5 ص109].

إنْ قلت: إنَّ ما شربه عمر هو النبيذ وليس الخمر كما تقولون؟

نقول: إنَّ النبيذ المذكور في هذه الروايات هو نوعٌ من أنواع المُسْكِرات المحرَّمة.

والشاهد على ذلك: أنَّ الرواية الأولى صريحةٌ بأنَّ رفيق عمر قد سَكَرَ منه فعلاً، كما أنَّ الثانية واضحةٌ في كونه مسكراً بالفعل ولذلك أخفته ثقيفٌ عنه، وإلَّا فلا داعي لإخفائه عنه، والثالثة تصرِّح بأنَّ الصائم قد سَكَر بالفعل؛ ولذلك حدَّه عمر حدَّ الإسكار.

كما أنَّ الرابعة تشير إلى أنَّ عمر قد قطَّب وجهه بعد الشرب أوَّلاً، ثمَّ صبَّ فوقه الماء هرباً من الإسكار، ممَّا يُشير إلى ما قلنا من أنَّ هذا النبيذ نوعٌ من أنواع المسكرات التي توجب السكر وإقامة الحدِّ، لحرمتها في الشريعة الإسلاميَّةِ.

5ـ وما رواه أحمد بسندٍ صحيحٍ إلى أبي ميسرة، عن عمر بن الخطَّاب قال: «لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً. فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْميْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]. قال: فدُعي عمر، فقرئتْ عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً. فنزلت الآية التي في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43]، فكان منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أقام الصلاة نادى: أنْ لا يقربنَّ الصلاة سكران، فدُعي عمر فقرئتْ عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً. فنزلت الآية التي في المائدة، فدُعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة:91] قال: فقال عمر: انتهينا، انتهينا» [مسند أحمد ج1 ص442].

أقول: إنَّ هذه الرواية الصحيحة صريحةٌ في إصرار عمر بن الخطَّاب على شرب الخمر وعدم تركه، كما أنَّها تدلُّ على عدم قناعته وقبوله بالآيات الأولى الناهية عن الخمر حتَّى نزول التحريم في سورة المائدة التي هي آخر ما نزل من القرآن الكريم.

6ـ وما رواه أيضاً بسنده إلى حُميدٍ، عن أنسٍ قال: «كنتُ أسقي أبا عبيدة بن الجرَّاح، وأبيَّ بن كعبٍ، وسهيل بن بيضاء، ونفراً من الصحابة عند أبي طلحة، وأنا أسقيهم حتَّى كاد الشراب أنْ يأخذ فيهم حتَّى أتى آتٍ من المسلمين فقال: أما شعرتم أنَّ الخمر قد حرِّمت؟ فما قالوا حتَّى ننظر ونسأل، فقالوا: يا أنس، اكْفِ ما بقي في إنائك، وهي خمرهم يومئذٍ» [كتاب الأشربة ص62].

أقول: إنَّ القوم كانوا أحد عشر رجلاً، وكان فيهم أبو بكرٍ وعمر، كما أخرج ذلك ابن مردويه بسندٍ نظيفٍ، وقد اعترف بذلك ابن حجرٍ العسقلانيّ، وبدر الدين العينيّ [يُنظر: فتح الباري ج 10 ص37، عمدة القاري ج21 ص168].

7ـ وروى البزار بسنده إلى أنس بن مالكٍ قال: «كنتُ ساقي القوم تيناً وزبيباً، أخلطناهما جميعاً، وكان في القوم رجلٌ يقال له: أبو بكرٍ ـ رجلٌ من كنانة ـ فلما شرب قال: (حيي أم بكر بالسلام * وهل لكِ بعد قومك من سلام)... فبينما نحن كذلك والقوم يشربون إذْ دخل علينا رجلٌ من المسلمين فقال: ما تصنعون؟ إنَّ الله (تبارك وتعالى) قد نزَّل تحريم الخمر، فأرقنا الباطية وكفأناها» [مسند البزار ج14 ص72].

إنْ قلت: إنَّ الرواية صريحةٌ في أنَّ الرجل المكنَّى بأبي بكرٍ كان من كنانة وليس هو أبو بكر بن أبي قحافة؟

نقول: إنَّ هذا من تحريفات القوم، وأنَّ الوارد في الأصل هو أبو بكر بن أبي قحافة.

والشاهد على ذلك: ما نُقل في جملةٍ من المصادر خالياً من لفظ «رجل من كنانة». فانظر مثلاً: [كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثميّ ج3 ص352، مجمع الزوائد له أيضاً ج5 ص51، مختصر زوائد مسند البزار لابن حجرٍ ج1 ص620]. بل صرَّح ابن حجرٍ العسقلانيّ بأنَّ الرجل المقصود بالرواية هو أبو بكر بن أبي قحافة.

قال ما هذا نصُّه: (ثمَّ وجدتُ عند البزار من وجهٍ آخر عن أنسٍ قال: كنتُ ساقي القوم، وكان في القوم رجلٌ يقال له أبو بكرٍ، فلما شرب قال: تحيي بالسلامة أم بكرٍ ... إلى قوله: وأبو بكرٍ هذا يُقال له بن شغوب، فظنَّ بعضهم أنَّه أبو بكرٍ الصدِّيق وليس كذلك، لكنْ قرينة ذكر عمر تدلُّ على عدم الغلط في وصف الصدِّيق، فحصَّلنا تسمية عشرةٍ) [فتح الباري ج10 ص37].

8ـ وما رواه أبو القاسم تمام الدمشقيّ بسنده عن أبي القموص قال: «شرب أبو بكرٍ الخمر قبل أنْ تحرَّم، فأخذتْ فيه فأنشأ يقول: (تحيى بالسلامة أمّ بكرٍ * وهل لكِ بعد رهطك من سلام)... إلى قوله: فبلغ ذلك النبيَّ (صلى الله عليه وآله) فقام معه جريدةٌ يجرُّ إزاره حتَّى دخل عليه فلما نظر إليه، قال: أعوذ من سخط الله، ومن سخط رسوله، والله لا يلج لي رأساً أبداً، فذهب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان فيه، وخرج ونزل عليه: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا والله. ونزلت آيةٌ فيها تحريم الخمر» [فوائد تمام ج2 ص228].

أقول: إنَّ قوله (قبل أنْ تحرَّم) ينافي غضب النبيّ (صلى الله عليه وآله) وسخطه عليه، إذْ لو لم تحرَّم بعدُ فلا وجه للغضب والسخط. وعليه، فالأصح أنَّ ذلك بعد التحريم وعلمهم به، كما لا يخفى.

9ـ وقال شيخنا القمِّيّ (طاب ثراه): «في رواية أبي الجارود عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْميْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ [المائدة: 90]. أمَّا الخمر، فكلُّ مسكرٍ من الشراب خمرٌ إذا أخمر فهو حرامٌ. وأمَّا المسكر كثيره وقليله حرامٌ، وذلك أنَّ الأوَّل شَرِبَ قبل أنْ يحرَّم الخمر فسكر، فجعل يقول الشعر ويبكي على قتلى المشركين من أهل بدرٍ» [تفسير القمِّيّ ج1 ص180].

10ـ وقال شيخنا النباطيّ (طاب ثراه): «تذنيبٌ: أقام أبو بكرٍ يعبُد الأصنام، ونبت لحمه على ما ذُبح على النصب والأزلام، وغير ذلك من شرب الخمور، وأعمال الجاهليَّةِ والفجور» [الصراط المستقيم ج2 ص ٧٢].

والنتيجة النهائيَّةُ من كلِّ ذلك، أنَّ ما ذكرناه من مجموع الأخبار والآثار كافٍ في إثبات شربهما للخمر والنبيذ.. والحمد لله ربِّ العالمين.