كيف ينسجم وصف الإيمان في حديث «لا يحبك إلا مؤمن» مع أهل الغلو؟
السؤال: إنَّ قوله (صلى الله عليه وآله): «لا يحبُّك إلَّا مؤمنٌ» لا ينسجم مع أيِّ مذهبٍ، فكم أحبَّ علِيّاً من الغلاة والباطنِيَّة والكفرة، ومع ذلك ليسوا بمؤمنين باتِّفاقنا واتِّفاق الشيعة، أمَّا لو قيل: «لا يحبُّ الأنصارَ إلَّا مؤمنٌ» فلهذا وجهٌ معتبرٌ؛ لأنَّ حبَّ الأنصار داعيتها شبه منحصرٍ بالإيمان، إذْ لا يوجد ما يدعو لِحبِّهم سوى الإيمان بالرِّسالة، ويندر جدّاً أنْ يحبُّوهم لِغير ذلك؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
الملاحَظ في هذا السؤال أنَّه يتضمَّن شقَّين اثنين، الأوَّل منهما يتعلَّق بحبِّ أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) وأنَّه لا يحبُّه إلَّا مؤمنٌ، وعليه فكيف ينسجم وصف الإيمان لِمن كان من الغلاة الذين بالغوا في حبِّه (عليه السلام)، مع أنَّهم ليسوا من أهل الإيمان اتِّفاقاً؟ بينما يتضمَّن الثاني إمكان ذلك في حقِّ الأنصار، إذْ إنَّ الغالب في حبِّهم كان بدافع الدِّين، وهو ما ينسجم مع وصف الإيمان؟ وللجواب عن ذلك بشكلٍ مفصَّلٍ نعقد الكلام في جهاتٍ ثلاثةٍ:
الجهة الأولى: حبُّ أمير المؤمنين (عليه السلام):
لا يخفى أنَّ حبَّ أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) مأمورٌ به في الكتاب والسنَّة، إذْ هو من أهل البيت الذين أمر الله تعالى بمودَّتهم في قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: 23].
كما ورد الأمر بحبِّه في الأحاديث الشريفة، ومن ذلك قول النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله): «يا عليُّ، لا يحبُّك إلَّا مؤمنٌ ولا يبغضك إلَّا منافقٌ» [يُنظر: مسند الحميدي ج1 ص182، فضائل الصحابة ج2 ص563، والمسند ج2 ص136 لأحمد بن حنبلٍ، الإيمان لابن أبي عمر العدنيِّ ص80، سنن الترمذيِّ ج5 ص643. وينظر: الأمالي لِلصدوق ص ١٩٧، المسترشد ص ٣٥٨، الأمالي لِلمفيد ص٣٠٨، وغيرها من المصادر الكثيرة].
الجهة الثانية: المراد من حبِّه (عليه السلام):
لا يخفى أنَّ المراد من حبِّه (عليه السلام) هو الحبُّ الذي أقرَّته الشريعة، أي الحبُّ الحقيقيُّ الخالي من الغلوِّ والتقصير، فمن أحبَّه بهذا النَّحو كان مؤمناً، وليس كلُّ من ادَّعى حبَّه يكون صادقاً في دعواه، إذْ قد يكون مغالياً أو مخالفاً له.
ولهذا ورد في أخبارنا تكذيب من يدَّعي حبَّهم (عليهم السلام) مع تمسُّكه بولاية غيرهم [يُنظر: صفات الشيعة لِلصدوق ص3]، مما يكشف عن أنَّ المراد من الحبِّ هو الحبُّ الصادقُ الخالي من الإفراط والتفريط.
وعليه، فالمغالي كاذبٌ في دعوى حبِّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، لأنَّ المحبَّ لِمن أحبَّ مطيعٌ كما ورد في المصادر [يُنظر: تحف العقول لِلحرَّانيِّ ص ٢٩٤]. وأمير المؤمنين (عليه السلام) كان أعبد الناس وأتقاهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكيف يصحُّ لِمن يخالفه في ذلك كلِّه أنْ يدَّعي حبَّه؟ وكذلك الحال في مخالفيه (عليه السلام)، إذْ كيف يستقيم ادِّعاء حبِّه مع اتِّباع من خالفه وغصب حقَّه، كما هو واضحٌ.
والشاهد على ذلك، ما ورد في الأخبار الكثيرة من ذمِّ الغلاة ولعنهم، وكذلك مخالفي أهل البيت (عليهم السلام) وعلى رأسهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما لا يخفى على من طالع الأخبار في هذا المجال، منها:
1ـ ما رواه الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده إلى أبي هاشمٍ الجعفريِّ قال: سألتُ أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الغلاة والمفوِّضة فقال: «الغلاة كفَّارٌ، والمفوِّضة مشركون، من جالسهم أو خالطهم أو آكلهم أو شاربهم أو واصلهم أو زوَّجهم أو تزوَّج منهم أو آمنهم أو ائتمنهم على أمانةٍ أو صدَّق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمةٍ خرج من ولاية الله (عزَّ وجلَّ) وولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وولايتنا أهل البيت» [عيون أخبار الرضا ج2 ص219].
2ـ وما رواه الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) بسنده إلى الفضيل بن يسارٍ، قال: قال الصادق (عليه السلام): «احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدونهم، فإنَّ الغلاة شرُّ خلق الله، يصغِّرون عظمة الله، ويدَّعون الربوبِيَّة لِعباد الله، والله إنَّ الغلاة شرٌّ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا» [الأمالي ص650].
والمتحصَّل: أنَّ الحبَّ الذي ينسجم مع وصف الإيمان ليس مطلق الحبِّ، بل هو الحبُّ الذي قرَّرته الشريعة الإسلاميَّة، بلا إفراطٍ وتفريطٍ. ومنه يتَّضح أنَّ قوله (صلى الله عليه وآله) في حقِّ أمير المؤمنين «لا يحبُّك إلَّا مؤمنٌ» منسجمٌ تمام الانسجام مع الشريعة الإسلاميَّة، كما صار واضحاً وبيِّناً.
الجهة الثالثة: حبُّ الأنصار:
أمَّا ما يتعلَّق بحبِّ الأنصار، فمستندهم في ذلك ما رووه بأسانيدهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال في حقِّهم: «الأنصار لا يحبُّهم إلَّا مؤمنٌ، ولا يبغضهم إلَّا منافقٌ، فمن أحبَّهم أحبَّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» [يُنظر: مسند أبي داوود ج2 ص97، مسند ابن الجعد ص85، مصنَّف ابن أبي شيبة ج18 ص151، فضائل الصحابة ج2 ص807، صحيح البخاريِّ ج3 ص1379، صحيح مسلمٍ ج1 ص60، وغيرها].
ولِلتعليق عليه نقول:
1ـ إنَّ هذا الحديث لا يُمكن حمله على جميع الأنصار؛ وذلك لأنَّ بعض الأنصار ثبت أنَّهم كانوا من المنافقين لِبغضهم الإمام علِيّاً (عليه السلام)، فقد روى عبد الله بن أحمد بن حنبلٍ والبزَّار والآجريُّ وغيرهم بإسنادهم إلى جابرٍ أنَّه قال: «ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار إلَّا ببغضهم علِيّاً» [يُنظر: فضائل الصحابة ج2 ص639، الشريعة ج4 ص2075، كشف الأستار ج3 ص199، وغيرها].
وعليه: فالحديث ناظرٌ إلى قسمٍ من الأنصار وليس كلُّهم، وهم الذين استقاموا على هَدْي النَّبِيِّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) ونهج الوصيِّ الأقوم (عليه السلام)، وأمَّا مَن بدَّل منهم وغيَّر فكيف يكون حبُّه من الإيمان وبغضه من النفاق؟!
2ـ يُمكن الجمع بين حديث حبِّ الإمام عليِّ (عليه السلام) وحديث حبِّ الأنصار بأنْ نقول: (كلُّ أنصاريٍّ مؤمنٌ إلَّا مَنْ يبغض الإمام علِيّاً)، فيترتَّب على ذلك أنَّ من أبغض بعض الأنصار لِمسوِّغٍ شرعيٍّ ـ كالنفاق الحاصل منهم ـ فلا إثم عليه ولا تبعة، وهو ما صرَّح به شرَّاح المتون [يُنظر: إرشاد الساري لِلقسطلانيِّ ج6 ص150، تحفة الأحوذيِّ لِلمباركفوريِّ ج10 ص274].
3ـ كما يُمكن أنْ نتصوَّر حبَّ البعض لِلأنصار من باب المصالح الدنيوِيَّة أو القضايا الشخصيَّة وليس من أجل الدِّين والعقيدة، وبذلك يتَّضح الوهن في قول السائل من أنَّ حبَّ الأنصار منحصرٌ بالإيمان والرِّسالة.
4ـ إضافةً إلى ذلك، إنَّ حبَّ الأنصار لم يكن موضع ابتلاءٍ عقائديٍّ واسعٍ داخل الأمَّة، ولم يتحوَّل إلى محور انقسامٍ وصراعٍ كما هو الحال في الموقف من أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي أصبح معياراً فاصلاً يكشف حقيقة الانتماء.
5ـ ثمَّ إنَّ حديث حبِّ الأنصار المذكور ـ سواءٌ ثبتت صحَّته أم لم تثبت ـ لا يؤثِّر في جوهر السؤال ومقصوده، وهو كيفيَّة التوفيق بين الغلوِّ ووصف الإيمان الوارد في الحديث السابق، كما هو واضحٌ.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ ما ورد في حقِّ أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنَّ حبَّه علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق منسجمٌ تمام الانسجام مع تعاليم الدِّين القويم، لِكون المراد من الحبِّ في الحديث هو الحبُّ المقبول شرعاً بلا إفراطٍ وتفريطٍ، كما أوضحنا.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق