هل يصح حديث إحياء الجمجمة ورد الشمس؟

السؤال: هل يصحّ ما رواه ابن بابويه بالعلل من أنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) قد أحيى جمجمةً وكلَّمها حتَّى فاتته صلاة العصر، ثمَّ أمر الشمس بالرجوع فأبتْ، فأرسل الله الملائكة بالحديد ليردُّوها وصلَّى الإمام الفرض على وقته؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير الأخ السائل إلى ما رواه الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده إلى محمَّد بن أبي عمير، عن حنانٍ قال:

«قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): ما العلَّة في ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاة العصر وهو يجب له أنْ يجمع بين الظهر والعصر فأخَّرها؟

قال: إنَّه لما صلَّى الظهر التفت إلى جمجمةٍ ملقاةٍ، فكلَّمها أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أيتها الجمجمة، من أين أنت؟ فقالت: أنا فلان ابن فلان، ملك بلاد آل فلان. قال لها أمير المؤمنين (عليه السلام): فقصِّي عليَّ الخبر، وما كنت وما كان عصرك؟ فأقبلت الجمجمة تقصُّ من خبرها وما كان في عصرها من خيرٍ وشرٍّ، فاشتغل بها حتَّى غابت الشمس، فكلَّمها بثلاثة أحرفٍ من الإنجيل، لئلَّا يفقه العرب كلامها، فلما فرغ من حكاية الجمجمة قال للشمس: ارجعي. قالت: لا أرجع، وقد أفلتُ. فدعا الله (عزَّ وجلَّ) فبعث إليها سبعين ألف ملكٍ، بسبعين ألف سلسلة حديدٍ، فجعلوها في رقبتها وسحبوها على وجهها حتَّى عادت بيضاء نقيةً حتَّى صلَّى أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمَّ هوت كهوي الكوكب، فهذه العلَّة في تأخير العصر» [علل الشرائع ج2 ص351].

إذا بان هذا، فلنا بعض الوقفات، نذكرها ضمن أمورٍ:

الأمر الأوَّل: إنَّ ردَّ الشمس لأمير المؤمنين (عليه السلام) أمرٌ ممكنٌ في حدِّ ذاته، وليس من قبيل المحالات العقلية، بل هو داخلٌ في دائرة القدرة الإلهية المطلقة، ونظيره ما وُقِع من معجزة شقِّ القمر المذكورة في القرآن الكريم. ومن هنا، فإنَّ التشكيك في أصل إمكانه لا وجه له، بعد ثبوت نظائره في كتاب الله تعالى.

الأمر الثاني: إنَّ حادثة ردِّ الشمس لأمير المؤمنين (عليه السلام) قد تكرَّرت أكثر من مرَّةٍ، إلَّا أنَّ المشهور منها حادثتان: الأولى في زمن النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله)، والثانية في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) في مدينة بابل. وعليه، فثبوت رواياتٍ أُخرى في هذا الباب ـ أي ردّ الشمس ـ لا يقتضي التناقض أو التهافت، لاحتمال كونها حوادث مستقلَّةً ومتعدِّدةً كما لا يخفى.

1ـ قال العلَّامة ابن شهر آشوب (طاب ثراه): (وذكر [أي الحسن البصري]: أنَّ الشمس رُدَّت عليه مراراً. الذي رواه سلمان، ويوم البساط، ويوم الخندق، ويوم حنينٍ، ويوم خيبر، ويوم قرقيساء، ويوم براثا، ويوم الغاضرية، ويوم النهروان، ويوم بيعة الرضوان، ويوم صفِّين، وفي النجف، وفي بني مازر، وبوادي العقيق، وبعد أُحُدٍ. وروى الكليني في الكافي: أنَّها رجعت بمسجد الفضيخ من المدينة. وأمَّا المعروف [فـ]مرَّتان: في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) بكراع الغميم، وبعد وفاته (صلى الله عليه وآله) ببابل) [مناقب آل أبي طالب ج2 ص144].

2ـ وقال الشيخ جعفر كاشف الغطاء (طاب ثراه): (وأمَّا الأخبار المنقولة في بيان غزواته وبعض كراماته (عليه السلام) فلا حصر لها، كحديث الكساء، وحديث المباهلة، وخبر فتح خيبر... إلى قوله: وحديث ردِّ الشمس عليه بعد الغروب مرَّةً أو مرَّتين. وروي: ستِّين مرَّةً) [العقائد الجعفرية ص ٥٣].

الأمر الثالث: إنَّ تكليم الجمجمة من قبل أمير المؤمنين (عليه السلام) وكلامها معه ليس بالأمر المستغرب، بعد ثبوت نظيره ـ من خوارق العادة ـ في القرآن الكريم على أيدي الأنبياء وغيرهم، من ذلك:

1ـ قال الله تعالى في قصَّة بقرة بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْموْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 72 ـ73].

2ـ وقال سبحانه في قصَّة بلقيس ملكة سبأ: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْملَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 38 ـ 39].

3ـ وقال تعالى فيها أيضاً: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرَّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40].

إلى غيرها من الآيات التي تتكلَّم عن خوارق العادة ونواميس الطبيعة.

الأمر الرابع: وأمَّا تأخير الصلاة عن وقتها، وعصيان الشمس وجرِّها بالسلاسل فيُمكن أنْ يُوجَّه ببعض الوجوه المقبولة، فيقال:

1ـ أمَّا تأخير الصلاة، فلعلَّه من أجل تحقق المعجزة ـ ردّ الشمس ـ التي أراد الله تعالى بيانها للناس، وإقامة الحجَّةِ على المنكر والجاحد لإمامته (عليه السلام)، وهذا من الأغراض المقبولة والصحيحة. على أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم تفته الصلاة أصلاً؛ وذلك لرجوع الشمس له وأدائه الصلاة في وقتها، كما هو واضحٌ.

2ـ وأمَّا عصيان الشمس وجرِّها بالسلاسل، فلا يُقصد منه العصيان الحقيقي والتمرُّد على الله تعالى، بل هو من قبيل التعبير التكويني أو المجازي الذي يُراد منه بيان أنَّ الشمس جاريةٌ على النظام الذي قدَّره الله لها، وأنَّ رجوعها خلاف المجرى الطبيعي المعتاد، فكأنَّها تقول: إنَّ مقتضى النظام الكوني أنْ لا أرجع بعد الأفول.

كما أنَّ جرَّها بالسلاسل لا يُفهم منه الإذلال والعقوبة لها، بل يُمكن أنْ يكون تصويراً لشدَّة القدرة الإلهية وتسخير الملائكة في تدبير الكون، وأنَّ الله تعالى أوقف النظام المعتاد وأعاد الشمس بأسبابٍ غيبيةٍ عظيمةٍ عبَّرت عنها الرواية بالسلاسل والملائكة، فلا يلزم حمله على المعنى المادي.

وعليه، فلا دلالة في الرواية على وقوع عصيانٍ حقيقيٍّ من الشمس لله تعالى، وإنَّما غاية ما فيها تصوير أنَّ رجوعها كان خلاف النظام المعتاد، فأظهر الله تعالى قدرته الخارقة إكراماً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ (عليه السلام)، كما هو الشأن في باب المعاجز والكرامات القائمة على خرق العادة.

والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، هي أنَّ الرواية المذكورة يُمكن الأخذ بها كمعجزةٍ من معاجز مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وكرامةٍ من كراماته الكثيرة، كما بيّنّاه تفصيلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.