أسبقية الشيعة في تدوين علم الأصول

السؤال: زعم الإماميَّة أنَّهم كانوا الأسبق في التأليف في (أصول الفقه) قبل الإمام الشافعيِّ، متناسين ما تواتر عندهم عن الإمام جعفرٍ الصادقِ من تحريم العمل بـ(القياس)، واعتبار (الاجتهاد) فيما ليس فيه قرآنٌ أو سنَّةٌ من الكذب على الله تعالى، واعتبار الإفتاء بالرأي مضادَّةً لله تعالى.

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير السائل إلى كلمات الكاتب محمَّد سالم الخضر الكويتيِّ، حيث قال: (ويُعتبر الإمام محمَّد بن إدريس الشافعيُّ المطلبيُّ (204 هـ) أوَّل من صنَّف في علم الأصول ... إلى قوله: وزعم الإماميَّة أنَّهم كانوا الأسبق في التأليف في (أصول الفقه) قبل الإمام الشافعيِّ ... إلى آخر كلامه المذكور في السؤال) [كتاب جدل المذهب والتاريخ ص٢٠٥].

إذا بان هذا، فلنا بعض الوقفات مع كلامه هذا، نذكرها تباعاً:

الوقفة الأولى: (في مشروعِيَّة أصول الفقه):

لا يخفى على مُنصِفٍ أنَّ أوَّل من أسَّس القواعد لِعلم أصول الفقه هم أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك من خلال تعليم أصحابهم القواعد الكلِّيَّة التي ينتفعون بها في مجال استنباط الحكم الشرعيِّ.

أمثال: ما ورد في مباحث الألفاظ، كالعامِّ والخاصِّ والمطلق والمقيَّد والمجمل والمبيَّن والناسخ والمنسوخ، أو ما ورد في كيفِيَّة التعامل مع الأخبار المتعارضة كالعرض على الكتاب أو السنَّة القطعِيَّة، أو ما ورد في الأصول العملِيَّة، كالبراءة الشرعِيَّة والاستصحاب والاحتياط وغير ذلك من مفاهيم أصولِيَّةٍ تكلَّم بها الأئمَّة (عليهم السلام)، كما هو مدوَّنٌ في جملةٍ من مصنَّفات الأصحاب.

قال العلَّامة السيِّد حسن الصدر الكاظميُّ في تقدُّم الشيعة في علم أصول الفقه: (اعلم أنَّ أوَّل من فتح بابه، وفتق مسائله هو باقر العلوم الإمام أبو جعفرٍ محمَّد بن عليٍّ الباقر (عليه السلام)، وبعده ابنه أبو عبد الله الصادق (عليه السلام)، وقد أمليا فيه على جماعةٍ من تلامذتهما قواعده ومسائله، جمعوا من ذلك مسائل رتَّبها المتأخِّرون على ترتيب مباحثه، ككتاب (أصول آل الرسول)، وكتاب (الفصول المهمَّة في أصول الأئمَّة)، وكتاب (الأصول الأصلِيَّة) كلُّها بروايات الثقات مسندةً متَّصلة الإسناد إلى أهل البيت) [الشيعة وفنون الإسلام ص325].

ومن خلال هذا يتَّضح أمرين:

الأمر الأوَّل: مشروعِيَّة العمل بعلم الأصول، خلافاً لما قاله بعض الأعلام: من عدم كونه وارداً عن أئمَّة أهل البيت، وإنَّما هو نتيجة التأثُّر بفكر العامَّة؛ إذْ تبيَّن أنَّ المؤسِّس الأوَّل لهذا العلم هو أئمَّة أهل البيت وليس غيرهم.

الأمر الآخر: أنَّ شيعة أهل البيت (أنار الله برهانهم) هم أسبق من العامَّة في مجال علم أصول الفقه، وذلك لِتأسيس أركان هذا العلم على يد الأئمَّة (عليهم السلام)، كما تبيَّن بشكلٍ واضحٍ.

وللمركز جواب سابق منشور بعنوان: (علم الأصول عند الشيعة)، يمكن مراجعته.

الوقفة الثانية: (في تدوين أصول الفقه):

يعترف أهل العامَّة بأنَّ محمَّد بن إدريس الشافعيَّ المتوفَّى عام (204هـ) هو أوَّل من (دوَّن) في علم الأصول، والحال أنَّ هشام بن الحكم الكوفيَّ المتوفَّى عام (179هـ) قد سبقه إلى التدوين في هذا المجال، إذْ صنَّف كتاباً في مباحث الألفاظ التي تُعدُّ من مهمَّات أبحاث علم أصول الفقه.

قال ابن النديم البغداديُّ: (أبو محمَّدٍ هشام بن الحكم، مولى بني شيبان. كوفيٌّ تحوَّل إلى بغداد من الكوفة. من أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمَّدٍ (عليه السلام). من متكلِّمي الشيعة، ممن فتق الكلام في الإمامة، وهذَّب المذهب بالنظر. وكان حاذقاً بصناعة الكلام... وله من الكتب: كتاب الإمامة، كتاب الدلالات على حدث الأشياء، كتاب الردِّ على الزنادقة... كتاب الألفاظ) [الفهرست ص223].

وقال الشيخ النجاشيُّ: (هشام بن الحكم أبو محمَّدٍ، مولى كندة. وكان ينزل بني شيبان بالكوفة... له كتابٌ يرويه جماعةٌ. أخبرنا أبو عبد الله بن شاذان قال: حدَّثنا علي بن حاتمٍ قال: حدَّثنا ابن ثابتٍ قال: حدَّثنا عبيد الله بن أحمد بن نهيكٍ، عن ابن أبي عميرٍ عنه بكتابه، وكتابه علل التحريم، كتابه الفرائض، كتابه الإمامة... كتابه الألفاظ) [رجال النجاشي ص٤٣٣].

وقال العلَّامة السيِّد حسن الصدر الكاظميُّ - في باب علم أصول الفقه -: (وأوَّل من أفرد بعض مباحثه بالتصنيف هشام بن الحكم، شيخ المتكلِّمين، تلميذ أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، صنَّف كتاب (الألفاظ)، ومباحثها هو أهمُّ مباحث هذا العلم) [الشيعة وفنون الإسلام ص325].

نعم، قد يُقال: بأنَّ كتاب (الألفاظ) لِهشام بن الحكم غير معلوم الحقيقة، إذْ يحتمل كونه في علوم (اللغة) وليس الأصول، كما احتمل ذلك الشيخ جعفرٌ السبحانيُّ (دام ظلُّه) في كتابه [أضواء على عقائد الشيعة الإماميَّة وتاريخهم ص279]، فراجع.

ولكنَّ المطالِع لِسيرة هشام بن الحكم يرى مجال اهتمامه المعرفيِّ في غير علوم اللغة، بل كان مهتمّاً في مجال العقيدة والمناظرات مع علماء القوم؛ وعليه، فكون كتابه في أصول الفقه أقرب جدّاً من علم اللغة، ولذا فهم الأعلام منه ذلك، كما تقدَّم نقله عن السيِّد حسن الصدر الكاظميِّ.

الوقفة الثالثة: (في تحريم القياس وأمثاله):

استند الكاتب محمَّد سالم الخضر في تقدُّم الشافعيِّ على الإماميَّة في تدوين علم أصول الفقه بتحريم الإمام الصادق (عليه السلام) لِلقياس، والاجتهاد فيما لا نصَّ فيه، والإفتاء بالرأي، مما يعني تقدُّم القوم في ذلك.

ويردُّه: أنَّ وجود هذه الأفكار الباطلة ـ القياس، والاجتهاد، والرأي ـ لا يدلُّ على أنَّ القوم هم الأسبق في التأليف، لأنَّ هذه الأفكار معروفةٌ في الأزمان السابقة، ولذلك يكون التحذير منها أمراً طبيعِيّاً، فكما أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) قد أسَّسوا لِلأفكار الصحيحة في علم الأصول كذلك نبَّهوا على بعض الأفكار الخاطئة، كالقياس والرأي والاجتهاد في قبال النصِّ وغيرها من أفكارٍ باطلةٍ.

وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ وجود بعض الأفكار المنحرفة في الأوساط الإسلاميَّة والتحذير منها لا يعني بالضرورة أنَّها كانت مدوَّنةً ومكتوبةً، إذْ وجودها في الأوساط شيءٌ وتدوينها في الكتب شيءٌ آخر، والشاهد على ذلك إجماع أهل العامَّة على أنَّ الشافعيَّ أوَّل من دوَّن في علم الأصول، فهل يعني هذا عدم وجودها فيمن تقدَّمه من علمائهم؟ كيف، وقد عُرف عن أبي حنيفة النعمان المتوفَّى عام (150هـ) أنَّه أوَّل من استعمل القياس الباطل في المجال الفقهيِّ؟

بل ورد في أخبارنا أنَّ أوَّل من قاس هو إبليس (لعنه الله تعالى)، فقد روى الكلينيُّ بسنده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ إبليس قاس نفسه بآدم فقال: خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ، ولو قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم بالنار، كان ذلك أكثر نوراً وضياءً من النار» [الكافي ج1 ص58].

وروى أيضاً بسنده إلى عيسى بن عبد الله القرشيِّ قال: «دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: يا أبا حنيفة، بلغني أنَّك تقيس؟ قال: نعم، قال: لا تقسْ، فإنَّ أوَّل من قاس إبليس حين قال: خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ، فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نورِيَّة آدم بنورِيَّة النار عرف فضل ما بين النورين، وصفاء أحدهما على الآخر» [الكافي ج1 ص58].

والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ الشيعة (أعزَّهم الله تعالى) هم الأسبق في علم الأصول تأسيساً وتدويناً، كما بيَّنا.. والحمد لله ربِّ العالمين.