ماذا قدمت الأديان للبشرية؟
السؤال: ما هو الشيء الإيجابيّ الذي قدّمته الأديان للبشريّة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال بصيغته الاعتراضيّة يوحي وكأنّ الأديان مرّت على التاريخ من دون أن تترك أثراً إيجابيّاً واحداً، وهذه دعوى لا تصمد أمام أبسط معرفةٍ بتاريخ الإنسان، فحتّى مَن لا يؤمن بالدين لا يستطيع أنْ ينكر أنَّ الأديان كانت من أكبر القوى التي شكّلت الضمير الأخلاقيّ، والقانون، والأسرة، والتكافل الاجتماعيّ، وفكرة المسؤوليّة، ومعنى الحياة عند مليارات البشر.
لكن قبل الحديث عن هذه الآثار الاجتماعيّة والأخلاقيّة، هناك شيءٌ أعمق بكثيرٍ قدّمه الدين للإنسان، وهو الإجابة عن سؤال وجوده نفسه: من أين جاء؟ ولماذا وُجد؟ وما حقيقة هذا الكون؟ وإلى أين ينتهي؟ وما معنى الخير والشرّ والموت والعدالة؟
فالدين لم يقدّم للإنسان مجرّد مجموعةٍ من الأوامر والنواهي، وإنّما قدّم له رؤيةً متكاملةً للوجود تقوم على التوحيد، وأنّ هذا الكون ليس حادثةً عمياء بلا قصد، وأنّ الإنسان ليس كتلةً من المادّة ظهرت مصادفةً لتعيش زمناً قصيراً ثم تنتهي إلى العدم، بل هو مخلوق له غاية ومسؤوليّة ومصير. ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27].
وهنا تظهر القيمة الكبرى للتوحيد؛ لأنّه وضع الإنسان أمام تفسيرٍ واضحٍ للوجود: لهذا الكون خالقٌ حكيمٌ، ولهذا الإنسان غاية، ولهذه الحياة معنى، وبعد الموت حسابٌ ومصيرٌ. والعلم - مهما بلغ من التقدّم - يستطيع أن يشرح لنا كيف تتحرّك الكواكب، وكيف يعمل الدماغ، وكيف ينشأ المرض، لكنّه لا يجيب بذاته عن السؤال: لماذا يوجد الكون أصلاً؟ ولماذا يوجد الإنسان؟ وما الغاية النهائيّة من وجوده؟
ومن دون هذه الرؤية يبقى الإنسان قادراً على أن يصنع لنفسه أهدافاً مؤقّتةً، كالمتعة والعمل والنجاح والعائلة، لكنّه لا يملك جواباً عن الغاية النهائيّة للوجود نفسه.
وإذا انتهى الإنسان والكون معاً إلى العدم، فإنّ السؤال عن المعنى النهائيّ للحياة والعدل والتضحية يبقى مفتوحاً بلا جواب حاسم.
ومن هذه الرؤية الوجوديّة انبثقت أيضاً الأخلاق؛ فالعدل في الدين ليس مجرّد اتّفاقٍ اجتماعيٍّ يمكن تغييره إذا تغيّرت مصلحة الأقوى، بل قيمة ملزمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. والإنسان له كرامة لا لأنّها منحة من حاكم أو دولة، بل لأنّ الله قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. ولذلك لا تصبح السرقة والقتل والظلم أموراً صحيحةً لمجرّد أن مجتمعاً ما اتّفق عليها أو أن سلطة استطاعت فرضها.
كما أعطى الدين للعدالة امتداداً يتجاوز حدود الدنيا؛ فكم من مظلومٍ مات ولم يستردّ حقّه، وكم من ظالمٍ أفلت من العقوبة؟ إذا كانت الحياة تنتهي بالموت، فإنّ جانباً كبيراً من مظالم البشر ينتهي بلا إنصاف. أمّا الدين فيقرّر أن الموت ليس نهاية الحساب: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7ـ8].
ومن هنا أيضاً أعطى الدين للموت معنى مختلفاً؛ فهو ليس سقوط الإنسان في العدم، وإنّما انتقالٌ إلى نشأة أخرى، وهذا يمنح الصبر والتضحية والثبات على الحقّ معنى يتجاوز الربح والخسارة العاجلة، ويجعل الإنسان قادراً على أن يخسر مصلحةً دنيويّةً من أجل قيمةٍ يعتقد أنّها أكبر من حياته نفسها.
ثم جاءت الآثار الاجتماعيّة المباشرة لهذه الرؤية؛ فأمر الدين برعاية الفقير والمسكين واليتيم، حتى ربط القرآن بين حقيقة التديّن والموقف من الضعفاء: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1ـ3]. وفرض الزكاة والصدقة والإنفاق، وأمر بصلة الرحم، وحفظ الأسرة، والوفاء بالعهد، وتحريم الغشّ والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل.
ولم يكتفِ الدين بالدعوة إلى العدل مع الأصدقاء، بل طالب الإنسان بالعدل حتى مع من يكرههم: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. وهذه ليست مجرّد موعظة، بل تأسيس لضمير يجعل الحقّ أعلى من المصلحة والانتماء والعاطفة.
كما أسهمت الأديان تاريخيّاً في بناء مؤسّسات التكافل، والأوقاف، ورعاية الفقراء، وتعليم الناس، وحفظ الأسرة، وتكوين جماعاتٍ بشريّةٍ تقوم على التعاون والمسؤوليّة، ولا يعني ذلك أن المتديّنين كانوا دائماً أوفياء لهذه القيم، فقد ظلم متديّنون ووقعت حروب وجرائم باسم الدين، كما وقعت باسم القوميّة والعرق والدولة والثورة والمصالح الاقتصاديّة. لكن خطأ الإنسان في تطبيق الفكرة لا يلغي قيمة الفكرة نفسها.
ومن الظلم أيضاً أن تُنسب إلى الدين كلّ جرائم أتباعه، ثم تُنسب كلّ أعمال الخير إلى الإنسان وحده، فإذا ارتكب متديّن جريمة قيل: هذا هو الدين، وإذا بنى مدرسة أو أطعم فقيراً أو ضحّى بحياته من أجل الآخرين قيل: هذه إنسانيّته لا دينه! بهذه الطريقة يمكن إدانة أيّ فكرة في العالم، لأنّنا ننسب إليها السيّئات وننزع عنها الحسنات.
وفي المحصّلة، أعظم ما قدّمه الدين للبشريّة أنّه أعطى الإنسان تفسيراً لوجوده، والكون معنى، والحياة غاية، والأخلاق أساساً يتجاوز الأهواء، والعدل امتداداً لا ينتهي بالموت، ثم بنى على ذلك منظومةً واسعةً من الكرامة والمسؤوليّة والرحمة والتكافل وضبط الشهوة والقوّة والمصلحة.
ولذلك فالسؤال ليس فقط: كم مستشفى أو مدرسة بناها المتديّنون؟ بل السؤال الأعمق: ماذا قدّم الدين لفهم الإنسان لنفسه وللكون ولمعنى الحياة؟ والجواب أنّه أخرج الإنسان من تصوّر العبث والعدم، ووضعه داخل عالم له خالق وغاية ومسؤوليّة ومصير. وما جاء بعد ذلك من أخلاق وتشريعات وتكافل إنّما هو ثمرة لهذه الرؤية الكبرى.
اترك تعليق