هل بيَّنت الروايات أسماء قتلة الزهراء (ع)؟
السؤال: هل وردت رواياتٌ تُبيِّن أسماء قتلة السيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
بدايةً ـ عزيزي السائل ـ لابُدَّ أنْ يُعلم بأنَّ ظلامات الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) بشكلٍ عامٍّ تجاوزت حدَّ التواتر المعنويَّ كما صرَّح بذلك جملةٌ من الأعلام؛ ولذلك فهي من الأمور الثابتة والمعلومة لكلِّ مطَّلِع.
قال الميرزا التبريزيُّ (طاب ثراه): (وأمَّا ما جرى عليها من الظلم فهو متواترٌ إجمالاً، فإنَّ خفاء قبرها (عليها السلام) إلى يومنا هذا، ودفنها ليلاً بوصيَّةٍ منها، شاهدان على ما جرى عليها بعد أبيها) [صراط النجاة ج3 ص440].
وقال السيِّد العامليُّ (طاب ثراه): (هناك رواياتٌ كثيرةٌ واردةٌ عن المعصومين تصرِّح بمظلوميَّة الزهراء (عليها السلام) فيما يرتبط بالهجوم على بيتها، وقصد إحراقه، بل ومباشرة الإحراق بالفعل، ثمَّ ضربها وإسقاط جنينها، وسائر ما جرى عليها في هذا الهجوم، وهي رواياتٌ متواترةٌ) [مأساة الزهراء ج2 ص31].
إذا بان هذا واتَّضح، فاعلم أنَّ مقتل الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) ناتجٌ عن ذلك الهجوم الذي شنَّه القوم على دارها ـ بقيادة الثاني وأمر الأوَّل ـ، والذي أفضى بدوره إلى ضربها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها وجرحها بالمسمار وما شاكل ذلك من مآسٍ ألمَّت بها، ولأجل هذا رحلتْ الزهراء (عليها السلام) إلى ربِّها شهيدةً مقتولةً، ومنه يُعلم بأنَّ الروايات قد بيَّنت ذلك بشكلٍ واضحٍ وصريح، نذكر طرفاً من ذلك بغية الاختصار وخشية التطويل.
من ذلك:
1ـ ما رواه التابعيُّ الجليل سُليم بن قيس (رضوان الله عليه) وفيه: «فلما رأى عليٌّ (عليه السلام) خذلان الناس إياه وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وطاعتهم له وتعظيمهم إياه لزم بيته. فقال عمر لأبي بكر: ما يمنعك أنْ تبعث إليه فيبايع؟ فإنَّه لم يبقَ أحدٌ إلَّا وقد بايع غيره وغير هؤلاء الأربعة...
فقال أبو بكر: مَن نُرسل إليه؟
فقال عمر: نرسل إليه قنفذاً.
وهو رجلٌ فظٌّ غليظٌ جافٌّ من الطلقاء أحد بني عدي بن كعب. ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثمَّ دفعه فدخل فاستقبلته فاطمة (عليها السلام) وصاحت: يا أبتاه يا رسول الله! فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت: يا أبتاه! فرفع السوط فضرب به ذراعها... وحالت بينهم وبينه فاطمة (عليها السلام) عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت وإنَّ في عضدها كمثل الدملج من ضربته» [كتاب سُليم ص148].
2ـ وما رواه العيَّاشيُّ عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن جدِّه، قال: «ما أتى عليَّ يومٌ قطُّ أعظم من يومين أتيا عليَّ: فأمَّا اليوم الأوَّل فيوم قُبِض رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وأمَّا اليوم الثاني فو الله إنّي لجالسٌ في سقيفة بني ساعدة عن يمين أبي بكر والناس يبايعونه، إذْ قال له عمر: يا هذا، ليس في يديك شيءٌ ما لم يبايعك علي، فابعث إليه حتَّى يأتيك يبايعك، فإنما هؤلاء رعاع... فذهب إليه قنفذ فما لبث أنْ رجع فقال: قال لك: إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال لي وأوصاني: أنْ إذا واريته في حفرته لا أخرج من بيتي حتَّى أؤلِّف كتاب الله، فإنَّه في جرايد النخل وفي أكتاف الإبل.
قال عمر: قوموا بنا إليه.
فقام أبو بكر، وعمر، وعثمان، وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة، وأبو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة، وقنفذ وقمتُ معهم، فلما انتهينا إلى الباب فرأتْهم فاطمة (صلوات الله عليها) وأغلقت الباب في وجوههم، وهي لا تشك أنْ لا يُدخل عليها إلَّا بإذنها، فضرب عمر الباب برجله فكسره ـ وكان من سعف ـ ثمَّ دخلوا فأخرجوا علياً (عليه السلام) ملبَّباً ... » [تفسير العيَّاشي ج2 ص66].
3ـ وما رواه أبو عبد الله الخصيبيُّ عن الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) أنَّها قالتْ: «فجمعوا الحطب ببابنا، وأتوا بالنار ليحرقوا البيت، فأخذتُ بعضادتي الباب وقلتُ: ناشدتكم الله وبأبي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنْ تكفُّوا عنَّا وتنصرفوا، فأخذ عمر السوط من قنفذ مولى أبي بكر، فضرب به عضدي، فالتوى السوط على يدي حتَّى صار كالدُّملج، وركلَ الباب برجله فردَّه عليَّ وأنا حامل، فسقطتُ لوجهي والنار تسعر، وصفق وجهي بيده حتَّى انتثر قرطي من أذني وجاءني المخاض، فأسقطتُ محسناً قتيلاً بغير جرم» [الهداية الكبرى ص١٧٩].
4ـ وما رواه أيضاً عن المفضَّل بن عمر أنَّه سأل الإمام الصادق (عليه السلام)، وفيه قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «اخرجْ قبل أنْ أُخرج سيفي ذا الفقار فافني غابر الأمَّة، فخرج عمر، وخالد بن الوليد، وقنفذ، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وصاروا من خارج الدار فصاح أمير المؤمنين بفضة: إليكِ مولاتكِ فاقبلي منها ما يقبل النساء، وقد جاءها المخاض من الرفسة ورده الباب فسقطت محسناً..» [الهداية الكبرى ص408].
5ـ وما رواه شيخنا الطبريُّ بسندٍ معتبرٍ عن أبي عبد الله جعفر بن محمَّد (عليه السلام) قال: «ولدتْ فاطمة (عليها السلام) في جمادى الآخرة - إلى قوله - وكان سببُ وفاتها أنَّ قنفذاً - مولى عمر - لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطتْ محسناً ومرضت من ذلك مرضاً شديداً، ولم تدعُ أحداً ممن آذاها يدخل عليها. وكان الرجلان من أصحاب النبي (صلَّى الله عليه وآله) سألا أمير المؤمنين أنْ يشفع لهما إليها، فسألها أمير المؤمنين (عليه السلام) فأجابت، فلمَّا دخلا عليها قالا لها: كيف أنتِ يا بنت رسول الله؟ قالت: بخير بحمد الله. ثمَّ قالتْ لهما: ما سمعتُما النبي (صلَّى الله عليه وآله) يقول: فاطمة بضعةٌ مني، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله؟ قالا: بلى. قالتْ: فو الله، لقد آذيتُماني. قال: فخرجا من عندها وهي ساخطةٌ عليهما» [دلائل الإمامة ص134].
6ـ وما رواه شيخنا الطبرسيُّ (طاب ثراه) عن مولانا الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) أنَّه قال للمغيرة بن شعبة: «وأمَّا أنت يا مغيرة بن شعبة، فإنَّك لله عدو، ولكتابه نابذ، ولنبيِّهِ مكذِّب - إلى أنْ قال - وأنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حتَّى أدميتها» [الاحتجاج ج2 ص40].
7ـ وما جاء في بعض الروايات من: (أنَّ خالد بن الوليد ضربها بغلاف السيف، وفي روايةٍ أُخرى: ضغطها خالد بن الوليد خلف الباب فصاحت؛ ولذا أسند بعض الثقات إسقاط الحمل إلى خالد أيضاً). [الهجوم على بيت فاطمة ص١٢٦].
8ـ وما رواه ـ من العامَّة ـ محبُّ الدين الطبريُّ، ونصُّه: (قال ابن شهاب: وغضب رجالٌ من المهاجرين في بيعة أبي بكر، منهم علي بن أبي طالب والزبير، فدخلا بيت فاطمة ومعهما السلاح، فجاءهما عمر بن الخطَّاب في عصابةٍ من المسلمين، منهم أسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة ابن وقش - وهما من بني عبد الأشهل - ويقال: منهم ثابتٌ بن قيس بن شماس من بني الخزرج، فأخذ أحدهم سيف الزبير فضرب به الحجر حتَّى كسره. ويقال: إنَّه كان فيهم عبد الرحمن بن عوف، ومحمَّد بن مسلمة، وإنَّ محمَّد بن مسلمة هو الذي كسر سيف الزبير، والله أعلم) [الرياض النضرة ج1 ص241].
إلى غيرها من الروايات الكثيرة الدالَّة على تعرُّض الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) إلى جملةٍ من المظالم التي أدَّت إلى رحيلها إلى بارئها شهيدةً مقتولة.
ومما نقلناه يظهر أنَّ الأوَّل والثاني، وخالداً، وقنفذاً، والمغيرة، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش، وثابت بن قيس بن شماس، وعبد الرحمن بن عوف، ومحمَّد بن مسلمة وغيرهم قد شاركوا في مقتل الزهراء (عليها السلام). [للمزيد يُنظر: الهجوم على بيت فاطمة ص١١٧].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ الروايات الكثيرة قد بيَّنت جملةً من أسماء الذين هجموا على دار الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام)، مما كان السبب الأساس في مقتلها ولحوقها بربِّها مقتولةً مظلومةً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق