هل الأحزاب الشيوعيَّة ملحدة؟
السؤال: الشيوعيَّة فكرٌ سياسيٌّ اجتماعيٌّ لا علاقة له بالعقيدة والإيمان، فلماذا يتم معاداة الأحزاب الشيوعيَّة في الساحة السياسيَّة بدوافع ايمانيَّةٍ واعتقاديَّةٍ لا علاقة لها بالبرنامج السياسيّ للأحزاب الشيوعيَّة؟
الجواب:
هناك نقاشٌ متواصلٌ في العلاقة بين الشيوعيَّة والإلحاد، حيث انقسمت الآراء إلى فريقين رئيسيّين: يرى الفريق الأوّل أنّ الشيوعيَّة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإلحاد؛ إذ تعتمد فلسفتها الماديّة على رفض وجود أيَّةٍ سلطةٍ ميتافيزيقيّةٍ خارج حدود المادّة. بالمقابل، يعتبر الفريق الثاني أنّ اتّهام الشيوعيَّة بالإلحاد قد يكون جزءاً من حملة تشويهٍ، قادَتْها التيارات الرأسماليّة والإسلاميّة لتقييد انتشار الشيوعيَّة في المجتمعات المتديّنة.
وإذا نظرنا للأسس الفلسفيّة للشيوعيّة نجدها تستمدّ جذورها من الفلسفة الماديّة الديالكتيكيّة، التي أسّس لها (كارل ماركس) و(فريدريك إنجلز). هذه الفلسفة تقدّم تفسيراً ماديّاً للكون يقوم على مبادئ أساسيةٍ مثل:
1ـ المادّة هي الأساس: فلا وجود لأيّ كيانٍ أو قوّة تتجاوز المادّة.
2ـ التطور الديالكتيكيّ: فيتمّ تفسير حركة الكون والمجتمع عبر صراعاتٍ داخليّةٍ بين المتناقضات في المادّة.
3ـ الارتباط العام: فجميع الظواهر الماديّة مترابطةٌ في نظامٍ شاملٍ.
رفض (ماركس) الفلسفات المثاليّة، بما في ذلك العقائد الدينيّة، واعتبرها جزءاً من البناء الفوقيّ الذي يكرّس استغلال الطبقات. ورأى أنّ الدين وسيلة لإلهاء العمال عن واقعهم الماديّ، قائلاً: (الدين أفيون الشعوب).
عند انتقال الفلسفة الماركسيّة إلى التطبيق السياسيّ والاجتماعيّ، أصبحت الشيوعيَّة رؤيةً شاملةً تهدف لإعادة تشكيل المجتمع من خلال القضاء على الطبقيّة، واعتبرت أنّ تحقيق «الجنّة الأرضيّة» يتطلّب تجاوز الدين الذي يُنظر إليه كعائقٍ في وجه التقدّم المادّي.
وفي مرحلة التطبيق العمليّ في دولٍ مثل الاتحاد السوفيتيّ والصين، نجدها اتّخذت الشيوعيَّة موقفاً عدائيّاً تجاه الدين، وتمّ إحلال الأيديولوجيا الماركسيّة محلّ الأديان، ووُضعت قيودٌ على ممارسة الشعائر الدينيّة.
على سبيل المثال: نشر الحزب الشيوعيّ ما يُعرف بـ «سفر الإلحاد»، وهو كتاب ضخم أُعدَّ ليحلّ محلّ النصوص الدينيّة المقدّسة، مضافاً إلى إغلاق أماكن العبادة ومعاقبة رجال الدين والمؤمنين بعقوباتٍ قاسيةٍ بسبب تمسّكهم بالدين.
ومع دخول الشيوعيَّة إلى البلدان ذات الغالبيّة المسلمة، اتّخذ الحزب الشيوعيّ مواقف أكثر مرونةً تجاه الدين، فبدلاً من مهاجمة الدين كمعتقد، ركّز على مهاجمته بوصفه ممارسةً سياسيّةً واجتماعيّةً، فاتّسمت حركتهم داخل البلاد الإسلاميّة بنوعٍ من البراغماتيّة، يمكن تلخيصها في التالي:
1ـ التأكيد على احترام الإسلام ولو ظاهريّاً.
2ـ تجنّب رفع شعارات إلحادٍ صريحةٍ، والعمل على توظيف بعض القيم الإسلاميّة لخدمة مشروعهم السياسيّ.
3ـ أظهر بعض قادة الحزب التزامهم الظاهريّ بالإسلام لتخفيف التوتّرات مع المجتمعات المتديّنة.
وعليه، من المهم التفريق بين الماركسيّة باعتبارها فلسفة، والشيوعيَّة بوصفها حركةً سياسيّةً. فالماركسيّة تمثّل منهجاً ماديّاً ملحداً يتناقض مع كلّ أنواع الإيمان بالغيب، أمّا الشيوعيَّة حركةً سياسيّةً، فقد تختلف مواقفها حسب السياق الاجتماعيّ والسياسيّ. ففي المجتمعات الغربيّة أو ذات الثقافة العلمانيّة، قد ترفع الشيوعيَّة شعارات إلحادٍ صريحة، بينما تتجنّب ذلك في المجتمعات الإسلاميّة.
في المحصّلة الشيوعيَّة، بمرجعيّتها الفلسفيّة الماركسيّة، تحمل طابعاً إلحادياً في الأساس، حيث ترفض كلّ ما يتجاوز المادّي والمحسوس، إلّا أنّ الحركات الشيوعيَّة قد تظهر بوجهٍ مختلفٍ في سياقاتٍ معيّنةٍ، حيث تتحوّل إلى مشروعٍ سياسيٍّ لا يتصادم بشكلٍ مباشرٍ مع الدين كمعتقد، إلّا أنّ ذلك لا يعفيها من الإلحاد الذي يمثّل مرجعيّةً فلسفيّةً لبرامجها السياسيّ والاجتماعيّ.
اترك تعليق