هل يعلم الأنبياء والأئمة (ع) بيوم وفاتهم؟

: الشيخ مقداد الربيعي

من مسلمات مذهب الإمامية ان الإمامة خلافة للنبوة، والإمام مكلف بنفس وظائف النبي صلى الله عليه واله، الأمر الذي يستدعي تميز الإمام بكل ما كان يتميز به الرسول من الصفات الكمالية كالعلم والعصمة وغيرها وأن يتنزه عن صفات النقص، مع المحافظة على "لا نبي بعدي"، وهذا ما صرحت به النصوص الصحيحة الصريحة، منه ما اخرجه الصفار (290هـ) قال : حدثنا العباس بن معروف ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل عليّ عليه السلام عن علم النبي صلى الله عليه وآله؟!.

فقال عليه السلام : «علم النبي علم جميع النبيين ، وعلم ما كان ، وعلم ما هو كائن إلى قيام الساعة..؛ والذي نفسي بيده ، إنيّ لأعلم علم النبي صلى الله عليه وآله ، وعلم ما كان ، وما هو كائن ، فما بيني وبين قيام الساعة»([1]). قلت : إسناده صحيح .

وروى ثقة الإسلام الكليني عن أحمد بن إدريس ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان بن يحيى ، عن شعيب الحداد ، عن ضريس الكناسي قال : كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وعنده أبو بصير فقال : أبو عبد الله عليه السلام : «إنّ داود ورث علم الأنبياء ، وإن سليمان ورث داود ، وإنّ محمداً صلى الله عليه وآله ورث سليمان ، وإنّا ورثنا محمداً صلى الله عليه وآله وإنّ عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى»([2]). قلت : إسناده صحيح .

وقد اثبت محدثو اهل السنة علم النبي صلى الله عليه واله المطلق بالغيب بتعليم الله، منه ما أخرجه إمام الحنابلة احمد بن حنبل (241هـ) قال : حدثنا سلمة بن شبيب وعبد بن حميد، قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني الليلة ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟!.

قال النبيّ : «قلت: لا».

قال النبيّ عليه السلام : «فوضع يده بين كتفي ، حتى وجدت بردها في نحري، فعلمت ما في السماوات ، وما في الأرض»([3]).

قلت : صحيح ، رجاله ثقات على شرط الشيخين . وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير([4]) .

وأخرج الترمذي قال : حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا معاذ بن هانئ أبو هانئ اليشكري قال: حدثنا جهضم بن عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، أنّه حدثه عن مالك بن يخامر السكسكي، عن معاذ بن جبل قال: قال النبيّ : «... فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد قلت: لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟!.

قلت: لا أدري رب، قالها ثلاثاً.

قال: فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلّى لي كلّ شيء وعرفته....».

قال الترمذي : «هذا حديث حسن صحيح ، سألت محمد بن إسماعيل (=البخاري) عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح ([5]).

علم الإمام بيوم وفاته

لكن قد يسأل سائل، إن كان الإمام يعلم ما كان وما يكون الى يوم القيامة، فهو يعلم علماً يقينياً بساعة موته ووقت منيّته، فإذا كان يعلم ان خروجه الى المسجد سيكون سبباً لاغتياله، فلماذا خرج؟ ألا يُعد إلقاءٌ للنفس في التهلكة ، وهي معصية عظيمة؟

وجوابه نقضاً وحلاً:

فنحن ننقض بعلم أسماعيل عليه السلام بذبحه، ومع هذا سلم أمره لله، وقال لأبيه: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ)، الصافات: 102. فهل لنا ان نقول ان اسماعيل عليه السلام أقدم على الهلكة!

وكذلك ننقض بفعل بني إسرائيل عندما أمرهم المولى سبحانه أن يقتلوا أنفسهم، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة: 54. فهل تسليم أنفسهم للموت امتثالا لأمر الله، هو أقدام على الهلكة!

وننقض ثالثاً، بوجوب تسليم القاتل العمد نفسه للقصاص، أي لولي دم المقتول، فيخير الولي حينئذ بقتله او أخذ الدية.

ورابعاً بالجهاد في سبيل الله حتى لو علم انه مقتول لا محالة. يقول الغزالي: فإن قيل : مامعنى: (ولا تلقوا ايديكم بالتهلكة)؟ قلنا: لا خلاف في ان المسلم الواحد له ان يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم انه يقتل([6]).

وهل يتصوّر أحد أنّ الشّخص الّذي يرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطر فيحميه بنفسه ويذبّ عنه معرّضاً نفسه للخطر فداءً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما صنع علي عليه السلام في حرب اُحد أو في ليلة المبيت فهل يعني هذا إلقاء للنفس بالتّهلكة وإنّه صنع حراماً ؟

وهكذا العديد من الموارد، التي يقدم فيها الإنسان على الموت، ولا يعد ذلك شرعاً او عقلاً من التهلكة.

وأما حلاً: فلأن معنى الهلكة هو تعريض النفس للموت من دون مسوغ، ويتعلّق بالموارد الّتي لا يكون فيها الهدف أثمن من النفس وإلاّ فلابدّ من التضحية بالنفس حفاظاً على ذلك الهدف المقدّس. فإذا كان هناك أمر شرعي يحتم تسليم الإنسان نفسه للخطر ولو فيها هلاكه، لزم ذلك ولم يعد القاءً للنفس في التهلكة، شاهد ذلك ما رواه الترمذي قال : غزونا القسطنطينية ، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة ، فحمل رجل على العدو ، فقال الناس : مه مه ! لا إله إلا الله ، يلقي بيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب : سبحان الله! أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه ، قلنا : هلم نقيم في أموالنا ونصلحها ، فأنزل الله عز وجل : وأنفقوا في سبيل الله الآية ، والإلقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد ، فلم يزل أبو أيوب مجاهدا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية ، فقبره هناك ، فأخبرنا أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله ، وأن الآية نزلت في ذلك . وروي مثله عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك([7]).

والإمام عليه السلام، لا يفعل شيئاً إلاّ بأمر الله تعالى ورسوله ، وإلاّ لما كان معصوماً ، وهذا معلوم ضرورة ، والنصوص فيه متواترة ؛ منها الأخبار القطعيّة كونه عليه السلام مخيّراً بين الموت والحياة ، والتخيير تكليف وأمر شرعي إجماعاً وقولاً واحداً.

ممّا يدلّ عليه، صحيح عبد الملك بن أعين ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «أنزل الله تعالى النصر على الحسين عليه السلام ، حتى كان ما بين السماء والأرض ، ثمّ خُيِّـرَ النصرَ ، أو لقاء الله ؛ فاختار لقاء الله تعالى»([8]).

وهو صريحٌ أنّ استشهاد الحسين عليه السلام ، تكليفٌ إلهي وشرعٌ ربّانيّ، لكن على نحو التخيير ، لا التعيين ، ولا ارتياب أنّه مقدّم على أدلّة حفظ النفس.

ويدلّ عليها صحيح الحسن بن الجهم ، عن الرضا عليه السلام قال في إقدام أمير المؤمنين عليه السلام : «خُيِّـرَ في تلك الليلة ؛ لتمضي مقادير الله عز وجل»([9]).

قال الفيض : أراد السائل أنه عليه السلام كان عارفاً بقتله في ذلك الوقت وقد قال عند سماع صياح الإوز : «صوائح تتبعها نوائح» وقد منعته أم كلثوم عن الخروج من الدار في ذلك الوقت ، وهذه دلائل واضحة على أنّه لم يشك في قتله.

حينئذ ومع ذلك فأبى إلاّ الخروج ، وهذا مما لم يجز تعرضه في الشرع ، أو لم يحل ، أو لم يحسن على اختلاف النسخ ؛ فقد قال اللَّه تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).  فأجابه عليه السّلام بأنه عليه السلام ، خيِّر في تلك الليلة ، أي : جعل إليه الأمر بأن يختار لقاء اللَّه ، أو البقاء في الدنيا ، فاختار لقاء الله ، فسقط عنه وجوب حفظ النفس([10]).

والأمر التخييري هو أمر بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وعليه فيسقط حينئذ وجوب حفظ النفس.

الهوامش:

([1])  بصائر الدرجات(ت: حسن كوجة): 147 . مطبعة الأحمدي، طهران.
([2])  الكافي (ت: علي غفاري) 1 : 227. دار الكتب الإسلامية ، طهران.
([3])  سنن الترمذي (ت: أحمد شاكر) 5: 366، رقم: 3233 .
([4])  صحيح الجامع الصغير 1: 73، رقم: 59 . المكتب الإسلامي ، بيروت.
([5])  سنن الترمذي (ت: أحمد شاكر) 5: 366، رقم: 3235 . مطبعة البابي الحلبي ، مصر .
وانظر معجم الطبراني(ت: حمدي السلفي) 20: 109، رقم: 216. مكتبة ابن تيمة، القاهرة.
([6])  احياء علوم الدين، ج2، ص319.
([7])  سنن الترمذي (ت: أحمد شاكر)، ج11، ص205، رقم:  3236.
([8])  الكافي (ت: علي غفاري) 1 : 260. دار الكتب الإسلامية ، طهران.
([9])  الكافي (ت: علي غفاري) 1 : 259. دار الكتب الإسلامية ، طهران.
([10])  الكافي (ت: علي غفاري) 1 : 260. دار الكتب الإسلامية ، طهران.