صلاة المسافر

- قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} (سورة النساء: ١٠١)، ذكرت الآية الكريمة أنّ التقصير إنّما يترتّب الضرب في الأرض والخوف من فتنة الكافرين، ولذا يمكن أن يدعى أن الآية لا ترتبط بصلاة المسافر الذي لا يحصل له خوف، فلماذا الشيعة يقصرون في صلاتهم ويخالفون القرآن؟

: - اللجنة العلمية

الجواب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أولاً: اتفاق المسلمين على تقصير المسافر للصلاة:

لا إشكال ولا خلاف بين المسلمين في أنّ للمسافر – مع توفّر الشرائط – الإتيان بالصلاة الرباعيّة ركعتين، وهو المسمّى بـ(التقصير). وإنّما اختلفوا في أنّ التقصير هل هو على سبيل العزيمة والوجوب فلا يجوز – حينئذٍ – الإتمام للمسافر، أو أنّه على سبيل الرخصة فيجوز – حينئذٍ – الإتمام كما يجوز التقصير للمسافر؟

ذهب الإماميّة (أعلى الله كلمتهم) وجمعٌ من علماء المخالفين إلى أنّ التقصير واجب، وذهب جمعٌ آخر من المخالفين إلى أنّه جائز، واختلف هؤلاء في أنّ القصر أفضل أو التمام؟

وينبغي نقل بعض كلمات الفريقين في المقام:

1ـ كلمات بعض علماء الإماميّة:

قال شيخ الطائفة الطوسيّ في [الخلاف ج10 ص569]: (التقصير في السفر فرضٌ وعزيمة، والواجب من هذه الصلوات الثلاث – الظهر والعصر والعشاء الآخرة – ركعتان، فإنْ صلّى أربعاً مع العلم وجبت الإعادة.. دليلنا: إجماع الفرقة).

وقال ابن إدريس الحليّ في [السرائر ج1 ص333]: (الإجماع حاصل على وجوب القصر للمسافر بغير خلاف).

وقال العلّامة الحليّ في [تذكرة الفقهاء ج4 ص356]: (القصر عزيمة في السفر، واجب لا رخصة، ولا يجوز تركها عند علمائنا أجمع، فلو أتمَّ عامداً بطلت صلاته).

2ـ كلمات بعض علماء المخالفين:

قال النووي الشافعيّ في [المجموع ج4 ص337]: (مذهبنا [أي الشافعيّة] أنّ القصر والإتمام جائزان، وأنّ القصر أفضل من الإتمام، وبهذا قال عثمان بن عفّان وسعد بن أبي وقاص وعائشة وآخرون، وحكاه العبدري عن هؤلاء وعن ابن مسعود وابن عمر وابن عبّاس والحسن البصريّ ومالك وأحمد وأبى ثور وداود، وهو مذهب أكثر العلماء، ورواه البيهقي عن سلمان الفارسيّ في اثني عشر من الصحابة، وعن أنس والمسوّر بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود وابن المسيب وأبى قلابة. وقال أبو حنيفة والثوريّ وآخرون: القصر واجب، قال البغويّ: وهذا قول أكثر العلماء. وليس كما قال. وحكى ابن المنذر وجوب القصر عن ابن عمر وابن عبّاس وجابر وعمر بن عبد العزيز ورواية عن مالك واحمد).

وقال ابن قدامة الحنبليّ في [المغني ج2 ص108]: (المشهور عن أحمد [ابن حنبل] أنّ المسافر إنْ شاء صلّى ركعتين وإنْ شاء أتمّ، ورُوي عنه أنّه توقّف وقال: أنا أحب العافية من هذه المسألة. وممّن رُوي عنه الإتمام في السفر: عثمان وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمرو عائشة. وبه قال الأوزاعيّ والشافعيّ، وهو المشهور عن مالك. وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له الإتمام في السفر. وهو قول الثوريّ وأبي حنيفة، وأوجب حمّاد الإعادة على مَن أتمّ، وقال أصحاب الرأي: إنْ كان جلس بعد الركعتين قدر التشهّد فصلاته صحيحة، وإلّا لم تصحّ. وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتمٌ لا يصلح غيرهما. ورُوي عن ابن عبّاس أنّه قال: مَن صلّى في السفر أربعاً فهو كمَن صلّى في الحضر ركعتين، واحتجوا: بأنّ صلاة السفر ركعتان؛ بدليل قول عمر وعائشة وابن عبّاس على ما ذكرناه، ورُوي عن صفوان بن محرز أنّه سأل ابن عمر عن الصلاة في السفر، فقال: ركعتان فمن خالف السنة كفر... إلى آخره).

إذن: علماء المسلمين – شيعة وسنّة – متّفقون على مشروعيّة قصر الصلاة للمسافر، فلا أحدَ قال بعدم جواز القصر للمسافر، وإنّما الخلاف في أنّ التقصير عزيمة أو رخصة، فقال بالعزيمة الإماميّة قاطبة وجمع من المخالفين، وقال بالرخصة جمع آخر من المخالفين.

وبهذا يظهر أنّ ما ورد في السؤال: (فلماذا الشيعة يقصرون في صلاتهم؟) غير صحيح، بل ينبغي أن يُقال: (لماذا يقصّر المسلمون في صلاتهم؟)؛ إذ إنّ كلّ علماء المسلمين يقولون بتقصير الصلاة للمسافر – وإنْ اختلفوا في كون التقصير لازم أو جائز -، وليس هذا الحكم مختصّاً بالشيعة الإماميّة حتّى يُخصّوا بالسؤال.

تنبيه:

قال بعض الأعلام المعاصرين (دام ظلّه) في [بحوث أحكام صلاة المسافر ج1 ص10]: (يبدو أن اختلاف الجمهور في كون القصر في السفر رخصة أو عزيمة إنّما حدث بعد أن أقدم عثمان بن عفان في أواخر عهده على إتمام الصلاة في عرفات ومنى حينما كان مسافراً لأداء الحجّ، وأمّا قبل ذلك فكان الكلّ يبنون على أن التقصير عزيمة؛ اتّباعاً لسنة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، حتّى إنّ عثمان نفسه لم يعتذر عن فعلته بأنّ التقصير رخصة – فكان له أن لا يأخذ بها، ولذلك أتمّ صلاته -، بل اعتذر بوجوه أخرى، وإنّما حاول بعض المتأخّرين من العامّة توجيه ما صنعه من جهة أن التقصير رخصة لا عزيمة)، ثمّ ذكر شواهد على ذلك من مصادر المخالفين، فمَن شاء التفصيل فليراجع.

ثانياً: الأدلّة على حكم صلاة المسافر:

استدلّ علماءُ المسلمين على حكم قصر الصلاة للمسافر بـ: الكتاب والسنّة والإجماع.

ينظر: مناهج الأحكام ص686، مصباح الفقيه ج2 ق2 ص721، المغني ج2 ص95، المجموع ج4 ص321، وغيرها.

1ـ القرآن الكريم:

وهو قول الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [سورة النساء: ١٠١].

استدلّ بهذه الآية الكريمة على قصر الصلاة جمعٌ غفير من علماء المسلمين – وإنْ كان في تماميّة دلالتها خلافٌ، سيأتي ذكرُه –، نذكر..

من علماء الشيعة: السيّد المرتضى في [الناصريات ص261]، والشيخ الطوسيّ في [الخلاف ج1 ص567]، وابن إدريس في [السرائر ج1 ص333]، والشهيد الأوّل في [رسائله ص255]، وغيرهم.

من علماء المخالفين: ابن قدامة الحنبليّ في [المغني ج2 ص85]، والنووي في [المجموع ج4 ص322]، والشيخ سيد سابق في [فقه السنة ج1 ص283]، وغيرهم.

2ـ السنّة الشريفة:

والأحاديث الواردة عند المسلمين في تقصير الصلاة متواترة، كما نصّ على ذلك علماء المسلمين، كالمحقّق النراقيّ في [مستند الشيعة ج8 ص175]، وابن قدامة الحنبليّ في [المغني ج2 ص87].

من أحاديث الشيعة:

صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): « فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر » [من لا يحضره الفقيه ج1 ص324]. وصحيحة سيف التمّار عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): « إنّما فرض الله على المسافر ركعتين » [تهذيب الأحكام ج2 ص16]، وغيرها كثير جداً.

من أحاديث المخالفين:

حديث أنس قال: « خرجنا مع النبيّ - صلى الله عليه [وآله] وسلم - من المدينة إلى مكّة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتّى رجعنا إلى المدينة » [صحيح البخاري ج2 ص34]. وحديث عائشة قالت: « فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر » [صحيح البخاري ج1 ص93].

3ـ الإجماع:

استدلّ به جمعٌ كثير من علماء الفريقين:

من علماء الشيعة: الميرزا القميّ في [مناهج الأحكام ص686]، والمحقّق النراقيّ في [مستند الشيعة ج8 ص175]، والسيد شرف الدين في [مسائل فقهية ص46]، وغيرهم.

من علماء المخالفين: ابن قدامة الحنبليّ في [المغني ج2 ص90]، والنووي الشافعيّ في [المجموع ج4 ص322].

إذن: استند علماء المسلمين على أدلّة عديدة لإثبات حكم قصر الصلاة للمسافر، ولم يستندوا لخصوص الآية القرآنيّة حتّى يُقال: (الآية لا ترتبط بصلاة المسافر الذي لا يحصل له خوف، فلماذا الشيعة يقصرون في صلاتهم ويخالفون القرآن؟)، فإنّ الدليل لا ينحصر بالقرآن الكريم بحيث يُنفى الحكم حيث لم يرد فيه آية قرآنيّة، فإنّ هذا لا يتفوّه به أحدٌ من المسلمين، بل مَن يقول به خارج عن ربقة المسلمين؛ لإنكار السنّة النبويّة.

ثالثاً: دلالة الآية الكريمة:

يقول الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [سورة النساء: ١٠١].

اختلف العلماء في دلالة الآية بأنّها هل تتعلّق بصلاة الخوف أو بصلاة المسافر؟

الأوّل: صلاة الخوف.

وهو ظاهر الشيخ المفيد في [المقنعة ص213]، والسيّد المرتضى في [الانتصار ص164]، والسيّد ابن زهرة في [الغنية ص74]، وفخر المحقّقين في [الإيضاح ج1 ص156]، وغيرهم.

الثاني: صلاة المسافر.

وقد بنى عليه السيّد المرتضى في [الناصريات ص261]، والشيخ الطوسيّ في [الخلاف ج1 ص567]، وابن إدريس في [السرائر ج1 ص333]، والشهيد الأوّل في [رسائله ص255]، وذهب إليه كثير من المتاخّرين، بل لعلّه المشهور بينهم.

وحيث إنّ ظاهر الآية المباركة تعلّق تقصير المسافر على الخوف بمقتضى استخدام أداة الشرط {إِنْ خِفْتُمْ..}، فقد تصدّى القائلون بارتباطها بصلاة المسافر وإنْ كان بلا خوفٍ للجواب عن ذلك بوجوه، نشير لبعضها:

1ـ لا مفهوم للجملة الشرطيّة المذكورة؛ لأنّها واردة مورد الغالب بالنظر إلى احتفاف الأسفار في تلك الأزمنة في غالب الحالات بالمخاطر والمخاوف، والشرط كالقيد إنْ كان وارداً مورد الغالب لا يكون له مفهوم، كما في قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [سورة النساء: 23]، وحينئذٍ لا يكون للتقييد بالخوف أيّ أثر، وإنّما هو بيان لما هو الغالب في الأسفار بتلك الأزمنة.

2ـ أنّ قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ..} غير مرتبط بالمقطع السابق عليه، فالمقطع الأوّل يدلّ على التقصير في السفر، والمقطع الثاني يدلّ على كيفيّة التقصير في صلاة الخوف، وقد روى الطبريّ في [تفسيره ج5 ص331] روايةً في هذا المعنى.

3ـ أنّ الآية وإنْ دلّت بمقتضى مفهوم الشرط على اختصاص السفر بحال الخوف من العدو، ولكن هذا الحكم كان عند نزول هذه الآية الكريمة، ثمّ تمّ تعميم التقصير ليشمل كلّ سفر وإنْ لم يكن فيه خوفٌ من العدوّ، ويستفاد هذا الوجه من بعض الأخبار كما في [مسند أحمد ج1 ص26] وغيره.

وهناك وجوه أخرى، وفي المقام كلامٌ كثير، لا يسع المجال ذكره، فليُطلب تفصيل الكلام فيها من كتب التفسير والفقه عند المسلمين.

إذن: الآية القرآنيّة إمّا تدلّ على حكم قصر الصلاة للمسافر وإمّا تدلّ على حكم قصر الصلاة للمسافر الخائف، ولا تدلّ الآية بأيّ وجهٍ على عدم جواز قصر الصلاة للمسافر حتّى يكون قصر الصلاة مخالفاً للآية القرآنيّة، فما ورد في السؤال: من (أنّ الآية لا ترتبط بصلاة المسافر الذي لا يحصل له خوف، فلماذا الشيعة يقصرون في صلاتهم ويخالفون القرآن؟) غير صحيح؛ لأنّ الآية الكريمة لا تدلّ – بناءً على أيّ من التفسيرين – على عدم جواز تقصير الصلاة، فلو قلنا بعدم دلالة الآية على حكم قصر الصلاة للمسافر فإنّه يمكن الاستدلال بالسنّة الشريفة وإجماع المسلمين على الحكم، وهما دليلان كافيان، ولا يجب أن يكون الحكم مستند لآي قرآنيّة؛ إذ ما أكثر الأحكام التي لم ترد في القرآن الكريم.

والحمد لله رب العالمين