معنى تجلي الله تعالى

ما معنى تجلّي الله الوارد في بعض آي القرآن، كقوله تعالى: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} (سورة الأعراف: 143)، وفي الحديث المروي عن الصادق (عليه السلام) قال :« إن الله تبارك وتعالى يتجلى لزوار قبر الحسين (عليه السلام) قبل أهل عرفات ويقضي حوائجهم ويغفر ذنوبهم ويشفعهم في مسائلهم، ثم يثني باهل عرفات فيفعل بهم ذلك ». (كامل الزيارات ص ٣٠٩)؟

: السيد عبدالهادي العلوي

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

التجلّي: من الجلاء، بمعنى الظهور، قال الراغب الأصفهانيّ في [مفردات ألفاظ القرآن ص200]: (والتجلّي قد يكون بالذات، نحو: {والنَّهارِ إِذا تَجَلَّى}، وقد يكون بالأمر والفعل، نحو : {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّه لِلْجَبَلِ})، فتجلّي الله بمعنى ظهور الربّ بآياته، أو ظهور أمر الربّ، أو نحو ذلك كما سيأتي.

أمّا بالنسبة للآية الكريمة: فنذكر بعض الروايات وكلمات المفسّرين:

روى الشيخ الصدوق في [التوحيد ص262] عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «.. فأبدى الله سبحانه بعضَ آياته وتجلّى ربُّنا، فتقطّع الجبل، فصار رميماً.. ».

وروى الشيخ الصفار في [بصائر الدرجات ص89] عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: « إنّ الكروبيّين قومٌ من شيعتنا من الخلق الأوّل، جعلهم الله خلف العرش، لو قُسِّم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم، ثمّ قال: إنّ موسى لمّا سئل ربّه ما سأل أمر واحداً من الكروبيّين، فتجلّى للجبل، فجعله دكاً ».

وروى الشيخ الصدوق في [التوحيد ص122، وعيون أخبار الرضا ج1 ص178] عن الإمام الرضا (عليه السلام)، قال: « ... {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} بآية من آياته .. ».

وفي دعاء السمات: « وبمجدك الذي تجلّيت به لموسى كليمك – عليه السلام – في طور سيناء ».

وقال الشيخ الطبرسيّ في [مجمع البيان ج4 ص352]:

({فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} أي: ظهر أمرُ ربّه لأهل الجبل، فحُذف [يعني حُذف كلمة (أمر)]، والمعنى: أنّه سبحانه أظهر من الآيات ما استدلّ به مَن كان عند الجبل على أنّ رؤيته غير جائزة.

وقيل: معناه: ظهر ربُّه بآياته التي أحدثها في الجبل لأهل الجبل، كما يقال: (الحمد لله الذي تجلّى لنا بقدرته)، فكلّ آية يجدّدها الله سبحانه فكأنّه يتجلّى للعباد بها، فلمّا أظهر الآية العجيبة في الجبل، صار كأنّه ظهر لأهله.

وقيل: إنّ تجلّى بمعنى جلّى - كقولهم حدّث وتحدّث -، وتقديره: جلّى ربُّه أمرَه للجبل، أي: أبرز في ملكوته للجبل ما تدكك به، ويؤيّده ما جاء في الخبر: « إنّ الله تعالى أبرز من العرش مقدار الخنصر، فتدكدك به الجبل ».

وقال ابن عبّاس: معناه ظهر نور ربّه للجبل.

وقال الحسن: لمّا ظهر وحي ربّه للجبل)، انتهى.

أمّا بالنسبة للرواية الشريفة: فيمكن أن تُفسّرها الروايات التي وردت في نفس السياق، وهو أنّ لله تعالى رحمةً وعنايةً خاصّة يوم عرفة، يبديها أولاً لزوّار قبر سيّد الشهداء (عليه السلام)، ثمّ لأهل عرفات.

فقد نقل ابن قولويه في [باب 70 ثواب زيارة الحسين – عليه السلام – يوم عرفة] عدّة روايات:

منها: ما رواه بالإسناد عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام -، قال: « إنّ الله تبارك وتعالى يبدأ بالنظر إلى زوّار قبر الحسين - عليه السلام - عشيّة عرفة، قال: قلت: قبل نظره لأهل الموقف؟ قال: نعم ».

ومنها: ما رواه بالإسناد عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله - عليه السلام -، قال: « مَن فاتته عرفة بعرفات فأدركها بقبر الحسين - عليه السلام - لم يفته، وإنّ الله تبارك وتعالى ليبدأ بأهل قبر الحسين - عليه السلام - قبل أهل عرفات، ثمّ يخاطبهم بنفسه ».

ومنها: ما رواه بالإسناد عن حنان بن سدير، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : « إذا كان يوم عرفة اطّلع الله تعالى على زوّار قبر أبي عبد الله الحسين - عليه السلام -، فقال لهم: استأنفوا، فقد غفرتُ لكم، ثمّ يجعل إقامته على أهل عرفات ».

ومنها: ما رواه بالإسناد عن عمر بن الحسن، قال: « سمعت أبا عبد الله – عليه السلام – يقول: إذا كان يوم عرفة نظر الله إلى زوّار قبر الحسين - عليه السلام -، فيقول: ارجعوا مغفوراً لكم ما مضى، ولا يكتب على أحد منهم ذنب سبعين يوماً من يوم ينصرف ».

وتوجد روايات أخرى أيضاً في نفس السياق:

منها: ما رواه الشيخ الصدوق في [الأمالي ص261] بالإسناد عن النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) قال: « والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً، إنّ لله باباً في سماء الدنيا يُقال له: باب الرحمة، وباب التوبة، وباب الحاجات، وباب التفضّل، وباب الإحسان، وباب الجود، وباب الكرم، وباب العفو، ولا يجتمع بعرفات أحدٌ إلّا استأهل من الله في ذلك الوقت هذه الخصال، وإنّ لله مائة ألف ملك مع كلّ ملك مائة وعشرون ألف ملك، ينزلون من الله بالرحمة على أهل عرفات، ولله رحمة على أهل عرفات ينزلها على أهل عرفات، فإذا انصرفوا أشهدَ اللهُ ملائكتَه بعتق أهل عرفات من النار، وأوجب الله عزّ وجلّ لهم الجنّة، ونادى منادٍ: انصرفوا مغفورين، فقد أرضيتموني ورضيتُ عنكم ».

والحمد لله رب العالمين