محبة أهل البيت (عليهم السلام)

سؤال: ماذا تقصدون بحب أهل البيت؟ لأننا نحن -أي أهل السنة- نحبهم أيضاً.؟

: السيد عبدالهادي العلوي

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}

أوّلاً: لا يخفى أنّ مودّة أهل البيت (عليهم السلام) ومحبّتهم من الواجبات الضروريّة في الدين الإسلامي، التي لا تقبل الشكّ والترديد، وقد أكّد عليها القرآن الكريم والأحاديث النبويّة.

ومن الواضح أنّ هناك آثار ولوازم للمحبّة ينبغي للمحبّ الالتزام بها ليتبيّن كون المحبّة واقعيّة لا ظاهريّة شكليّة؛ كاتّباع المحبوب، ومحبّة أولياء المحبوب، وبغض أعداء المحبوب، ونحوها ممّا أشار لها العلماء في مصنّفاتهم، نشير بعضها في المقام:

1ـ اتّباع المحبوب:

إذ أثر المحبّة الواقعيّة المراعاة والتعاهد، فهي تلازم الاتّباع، وقد قُرِن بين المحبّة والاتّباع في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]، حيث جُعل اتّباع النبيّ (صلى الله عليه وآله) مصدّقاً وكاشفاً عن صدق دعوى محبّتهم لله تعالى، وقد قال الفخر الرازيّ – عند تفسير الآية –: (لأنّ المحبّة توجِب الإقبال بالكليّة على المحبوب) [التفسير الكبير ج8 ص19]، وقد استحسن العلماء قول أبي العتاهية: (إنّ المحبّ لمَن أحبّ مطيع).

فكيف يمكن أن يكون الإنسان محبّاً لله تعالى محبّة حقيقة ولا يتّبع الإسلام؟ وكيف يحبّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولا يدين بشريعته؟ وكيف يحبّ أهل البيت (عليهم السلام) ولا يتّبع منهجهم؟!

خصوصاً، مع ورود كمّ هائل من الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة في لزوم اتّباع أهل البيت (عليهم السلام)، كحديث الثقلين المتواتر بين الفريقين: « إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض »، وهو صريحٌ في لزوم اتّباع القرآن وأهل البيت (عليهم السلام)، وأنّ النجاة من الضلال منوط بالتمسّك بهما.

2ـ محبّة أولياء المحبوب، وبغض أعدائه:

إذ الحبّ والبغض متلازمان، ففي الحديث النبويّ: « أوثق عرة الإيمان: الحبّ في الله، والبغض في الله »، فإنّ الإنسان عندما يحبّ شيئاً فإنّه ينفر من ضدّه، ولا يمكن للإنسان أن يحبّ شخصاً حبّاً حقيقيّاً ثمّ لا يبغض عدوّه، فبغضُ العدوّ علامة واضحة على صدق الحبّ.

قال الله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وقال الفخر الرازيّ – في تفسيره للآية -: (المعنى أنّه لا يجتمع الإيمان مع وداد أعداء الله، وذلك لأنّ مَن أحبّ أحداً امتنع أن يحبّ مع ذلك عدوه، وهذا على وجهين، أحدهما: أنّهما لا يجتمعان في القلب، فإذا حصل في القلب وداد أعداء الله لم يحصل فيه الإيمان، فيكون صاحبه منافقاً، والثاني: أنّهما يجتمعان ولكنّه معصية وكبيرة، وعلى هذا الوجه لا يكون صاحب هذا الوداد كافراً بسبب هذا الوداد، بل كان عاصياً في الله) [التفسير الكبير ج29 ص276].

وقد دلّت أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) على عدم اجتماع محبّتهم مع محبّة أعدائهم، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: « ولن يحبّنا مَن يحبّ مبغضنا، إنّ ذلك لا يجتمع في قلب واحد، {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ}، يحبّ بهذا قوماً ويحبّ بالآخر عدوّهم » [الأمالي ص148]، ورُوي: « أنّ رجلاً قدم على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا أحبّك، وأحبّ فلاناً - وسمّى بعض أعدائه -، فقال (عليه السلام): أمّا الآن فأنت أعور، فإمّا أن تعمى، وإمّا أن تبصر » [مستطرفات السرائر ص640].

ثانياً: محبّة أهل البيت (عليهم السلام) بمعنى عدم بغضهم هو الذي عليه سواد المسلمين، ولكن ذلك ليس كافياً لإحراز النجاة الأخرويّ والخلود في الجنّة؛ لأنّها محبّة ظاهريّة، وليست محبّة حقيقيّة؛ إذ إنّهم لا يلتزمون بأوضح لوازم المحبّة؛ من الاتّباع والمحبّة لأوليائهم والبغض لأعدائهم، ولنوضح ذلك ببيان أمرين:

1ـ تغييب تراث أهل البيت (عليهم السلام):

لا شكّ ولا ريب أنّ لأهل البيت (عليهم السلام) تراثاً علميّاً ضخماً في العلوم الإسلاميّة المتنوّعة، ولكن أهل السنّة أهملوا علوم أهل البيت (عليهم السلام) غاية الإهمال، فلم يقيموا لها وزناً في كتب الفقه والعقيدة، فضلاً عن اتّباعهم ومتابعتهم، بل وصل الأمر بمثل ابن خلدون أن يقول في [مقدمته ص446]: (وشذّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها، وفقهٍ انفردوا به.. وشذّ بمثل ذلك الخوارج، ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم، بل أوسعوا جانب الإنكار والقدح، فلا نعرفُ شيئاً من مذاهبهم، ولا نروي كتبهم، ولا أثر لشيء منها إلّا في مواطنهم، فكتبُ الشيعة في بلادهم، وحيث كانت دولتهم قائمة).

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هذا حال علوم أهل البيت (عليهم السلام) - الذين فرض الله محبّتهم ومتابعتهم على المسلمين – عند أهل السنّة، مع أنّ العلوم الإسلاميّة ما فُتِقت إلّا على أيديهم (عليهم السلام)، فهذا ابن أبي الحديد المعتزليّ يقول – في جملة كلامه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) –: (إنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهيّ.. من كلامه – عليه السلام – اقتُبِس، وعنه نُقِل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ..) ثمّ قال: (ومن العلوم: علم الفقه: وهو – عليه السلام – أصله وأساسه، وكلّ فقيه في الإسلام فهو عيالٌ عليه، ومستفيد من فقهه)، ثمّ قال: (ومن العلوم: علم تفسير القرآن، وعنه أُخِذ، ومنه فُرِّع..) [شرح نهج البلاغة ج1 ص17].

2ـ المدح لأعداء أهل البيت (عليهم السلام)، والقدح في محبّي أهل البيت (عليهم السلام)، بل في أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)!!

وهذا شيءٌ معروف مشهور، وقد صرّح الحافظ ابن حجر العسقلانيّ – في ترجمة لِمازة بن زبّار، بعد نقل توثيق علماء السنّة له، مع تنصيصهم على شتمه لأمير المؤمنين (عليه السلام)، في [تهذيب التهذيب ج8 ص411] –: (وقد كنتُ أستشكلُ توثيقهم الناصبيّ غالباً، وتوهينهم الشيعة مطلقاً، ولاسيّما أنّ عليّاً ورد في حقّه: « لا يحبّه إلّا مؤمن، ولا يبغضه إلّا منافق »)، ثمّ ذكر جواباً لا يسمن ولا يغني، وما يهمّ من كلامه: إقراره أنّ دأب علماء أهل السنّة هو توثيق ومدح أعداء أهل البيت (عليهم السلام) غالباً، وجرح وطعن شيعة أهل البيت (عليهم السلام).

وقد كتب السيّد محمّد بن عقيل العلويّ رسالة لطيفة بعنوان: (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل)، وجعله على أبواب: (الأول) في بيان فساد وبطلان الجواب الذي اعتذر به ابن حجر عن توثيقهم الناصبيّ غالباً وتوهينهم الشيعيّ مطلقاً. (الثاني) في ذكر قدحهم في رجالٍ من أئمّة أهل البيت وأفاضل العترة وخيرتهم والغمز بهم. (الثالث) في ذكر جرحهم وطعنهم في رجال من خواصّ أتباع أهل البيت المعروفين بحبّهم وخدمتهم. (الرابع) في ذكر جرحهم وطعنهم في رجال بسبب تشيّعهم لآل محمّد. (الخامس) في ذكر تعديلهم وتوثيقهم لرجال من أعداء أهل البيت. (السادس) في ذكر تعديلهم لرجال من حشم أعداء أهل البيت وخاصّتهم وأذنابهم. (السابع) في تعديلهم وروايتهم عن رجال مع ذكرهم لنصبهم مقرّين به وظهور علامات النفاق عليهم. ومن شاء التفصيل فليراجعه.

وأختم الكلام بما يصنعه الكثير في بلدان المسلمين كما هو مشاهد، يوم عاشوراء الذي قُتل فيه ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السلام) في كوكبة من أهل بيته وأصحابه؛ من اتّخاذه عيداً وموسماً لإظهار الفرح والسرور، والاكتحال والاختضاب وتوزيع الحلوى والتوسيع على العيال، وغير ذلك، متّبعين في ذلك النواصبَ الذين وضعوا أخباراً في ذلك كما صرّح ابن تيمية – المعروف بانحرافه عن العترة الطاهرة – في [الفتاوى الكبرى ج1 ص201]: (فعارضَ هؤلاء [يعني الشيعة] قومٌ إمّا من النواصب المتعصّبين على الحسين وأهل بيته، وإمّا من الجهّال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشرّ بالشرّ، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء؛ كالاكتحال، والاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك ممّا يُفعَل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتّخذون يوم عاشوراء موسِماً كمواسم الأعياد والأفراح).

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

الحاصل:

1ـ إنّ محبّة أهل البيت (عليهم السلام) واجبة ضرورةً بنصّ القرآن والسنّة، فيجب على كلّ مسلم محبّتهم، فلو أبغضهم فهو ناصبيّ.

2ـ المحبّة الحقيقيّة لها آثار ولوازم ينبغي الالتزام بها؛ كاتّباع المحبوب، وحبّ أوليائه، وبغض أعدائه؛ لوضوح أنّ المحِبّ لمَن أحبَّ مطيع، وعدم اجتماع محبّة الشخص مع بغض أحبابه وحبّ أعدائه.

3ـ المخالفون للشيعة لا يحبّون أهل البيت (عليهم السلام) محبّة حقيقيّة، بل ظاهريّة شكليّة؛ بدليل:

أـ عدم اتّباعهم لهم، بل عدم اعتبارهم بمذهبهم.

ب ـ حبّهم لأعداء أهل البيت (عليهم السلام) ومدحهم، وبغضهم محبّي أهل البيت (عليهم السلام) وجرحهم، بل يتعدّون أكثر من ذلك ممّا فيه شناعة وفظاعة.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم