معنى حديث: « شيعتنا العرب، وعدوّنا العجم »

السؤال: ما تفسير الرواية المنسوبة لأبي عبد الله عليه السلام: « نحن قريش وشيعتنا العرب وعدونا العجم »؟

: السيد عبدالهادي العلوي

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذا الحديث رواه الشيخ الصدوق بالإسناد عن ضريس قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: « نحن قريش، وشيعتنا العرب، وعدوّنا العجم » [معاني الأخبار ص404].

وفي الباب عن أبي ذرّ الغفاري، وزرارة بن أعين، وإسحاق بن عمّار أو غيره. ينظر: الكافي ج8 ص166، صفات الشيعة ص11، الأمالي ص169.

أقول:

لا يخفى أنّ الإمام (عليه السلام) ليس في مقام بيان ما يُتراءى من ظاهر الحديث من حصر التشيّع في العرب ونفيه عن غيرهم، وحصر العداء والنصب في العجم ونفيه عن غيرهم؛ لوضوح بطلان هذا المعنى، لكثرة وجود الشيعة الحقيقيّين من غير العرب، وكثرة وجود النواصب من العرب، فهذا « سلمان المحمديّ » قد حاز على أعلى درجات الإيمان، وأولئك هم قتلة النبيّ وعترته (عليهم السلام) معروفو الانتساب لقبائل عربيّة كبني أميّة وبني العبّاس.

قال العلّامة المجلسيّ: ((«وشيعتنا العرب» أي: العرب الممدوح مَن كان من شيعتنا وإنْ كان عجماً، والعجم المذموم مَن كان عدوّنا وإنْ كان عرباً) [بحار الأنوار ج64 ص176، مرآة العقول ج26 ص35]. ونحوه قال القارياغدي في [البضاعة المزجاة ج2 ص506].

ومعنى كلامه: أنّ ما ورد في مدح قريش وشرفهم فالمراد بها أهل البيت (عليهم السلام)، وما ورد في فضل العرب ومدحهم فالمراد بها شيعتهم وإنْ كانوا من العجم – لأنّهم يُحشَرون بلسان العرب -، وما ورد في ذمّ العجم وقدحهم فالمراد بها أعداؤهم وإنْ كانوا من العرب – لأنّهم يُحشَرون بلسان العجم -.

قال المولى المازندرانيّ: (لعلّ المراد أنّ الشيعة عربٌ بعد الموت، يتكلّمون بلسان العرب، وسائر الناس - وهم المخالفون - كفّار من العجم... وهم يتكلّموا في القيامة بلسان الفرس) [شرح أصول الكافي ج12 ص195].

روى الصدوق بإسناده إلى الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: « كان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بالكوفة في الجامع إذا قام إليه رجلٌ من أهل الشام، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أسألك عن أشياء، فقال: سل تفقّهاً، ولا تسأل تعنّتاً... وسأله عن كلام أهل الجنة، فقال: كلام أهل الجنّة بالعربيّة، وسأله عن كلام أهل النار، فقال: بالمجوسيّة.. » [علل الشرائع ج2 ص597، عيون أخبار الرضا ج1 ص223].

وروى الصفّار والكلينيّ والخصيبيّ وابن حمزة والراونديّ وغيرهم عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: « إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) له خؤلة في بني مخزوم، وإنّ شابّاً منهم أتاه فقال: يا خالي، إنّ أخي مات، وقد حزنتُ عليه حزناً شديداً، قال: فقال له: أتشتهي أن تراه؟ قال: بلى، قال: فأرني قبره، قال: فخرج ومعه بردة رسول الله (صلى الله عليه وآله) متَّزراً بها، فلمّا انتهى إلى القبر تلملمت شفتاه، ثمّ ركضه برجله، فخرج من قبره، وهو يقول بلسان الفرس، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ألـم تمت وأنت رجل من العرب؟ قال: بلى، ولكنّا متنا على سنّة فلان وفلان، فانقلبت ألسنتنا » [بصائر الدرجات ص293، الكافي ج1 ص457، الهداية الكبرى ص159، الثاقب في المناقب ص228].

قال المولى المازندرانيّ في بيان الرواية: (الظاهر أنّ أهل النار يتكلّمون كلّهم بلسان الفرس وإنْ كانوا عرباً، وأنّ أهل الجنّة يتكلّمون بلغة العرب وإنْ كانوا من أهل الفرس) [شرح أصول الكافي ج7 ص210].

وعلّق على كلامه المحقّق الشعرانيّ في الحاشية: (« بلسان الفرس » إنْ ثبت صحّة هذه النسبة كان المعنى مفوَّضاً إليهم؛ لأنّا لا نعلم مناسبة لسان الفرس وأهل النار، إلّا أنّ الفرس ذلك الزمان كانوا كفّاراً).

وتجدر الإشارة إلى أنّ أهل البيت (عليهم السلام) قد يستعلمون التورية في كلامهم، فلا يكون المعنى المتبادر مراداً ومقصوداً، بل يكون المراد معنىً آخر. وممّا يرتبط بالمقام: هو نسبتهم (عليهم السلام) المؤمن إلى الهاشميّ والقرشيّ والعربيّ والمهاجريّ والأنصاريّ والنبطيّ والأعجميّ والفارسيّ، وذكروا أنّهم يقصدون منها معانٍ معيّنة.

روى الصدوق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: « المؤمن علويّ لأنّه علا في المعرفة، والمؤمن هاشميّ لأنّه هشم الضلالة، والمؤمن قرشيّ لأنّه أقرّ بالشيء المأخوذ عنّا، والمؤمن عجميّ لأنّه استعجم عليه أبواب الشرّ، والمؤمن عربيّ لأنّ نبيّه (صلى الله عليه وآله) عربيّ وكتابه المنزل بلسان عربيّ مبين، والمؤمن نبطيّ لأنّه استنبط العلم، والمؤمن مهاجريّ لأنّه هجر السيئات، والمؤمن أنصاريّ لأنّه نصر رسوله وأهل بيت رسول الله، والمؤمن مجاهد لأنّه يجاهد أعداء الله تعالى في دولة الباطل بالتقيّة وفي دولة الحقّ بالسيف » [علل الشرائع ج2 ص467].

وجاء في كتاب [الاختصاص ص143] معانٍ أخرى فليُراجع.

والحمد لله ربّ العالمين