هل للكافرين سبيل على المؤمنين؟

السؤال: آية في القرآن تقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ من هم المؤمنين في هذه الآية ولماذا نرى الكثير من اهل الايمان ضحية لأهل الكفر والحقد؟ اليس هذا سبيل للكافرين على المؤمنين؟

: السيد عبدالهادي العلوي

الجواب:

قبل الاجابة المباشرة عن هذا السؤال لا بدّ أن نقف على المعنى الإجمالي لتمام الآية التي أشار إليها السائل، وهي قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا).

فالآية - بحسب ظاهر السياق - تتحدّث عن صفة من صفات المنافقين، وهي أنّهم يتقلّبون مع الظروف ويستغلّون الأحداث لمصلحتهم الشخصية، فإذا انتصر المسلمون تجدهم يحشرون أنفسهم في صفوف المؤمنين زاعمين بأنّهم شاركوهم في تحقيق النصر، ولذا جاء وصفهم في قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ)، وفي المقابل إذا كان النصر الظاهري من نصيب أعداء الإسلام تقرّبوا إليهم وزعموا أنّهم هم الذين مكّنوا أعداء الإسلام من هذا النصر، ولذا جاء وصفهم في قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وعلى هذا المنول تحاول هذه الفئة المنافقة أن تستغلَّ الفرصة لدى انتصار المسلمين ليكون لهم نصيب من هذا النصر وسهم من الغنائم، ولإظهار المنّة على المسلمين، وفي حالة انكسار المسلمين تظهر هذه الفئة الرضى والفرح لدى الكفّار، وتدفعهم إلى الإصرار على كفرهم وتتجسّس لمصلحتهم، وتهيّئ لهم أسباب الفوز المادي على المؤمنين، وهكذا يمضون حياتهم بالتلوّن والنفاق واللعب على الحبال المختلفة.

ثم بعد ذلك تُبيّن الآية كيف أنّ الله يكشف زيفهم ونفاقهم يوم القيامة، فهناك سيكون الله هو الحكم العدل فيظهر نفاقهم ويبان كذبهم. قال تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

والإشكال الذي أثاره السائل يتعلّق بآخر الآية وهو قوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا)، إذْ إنّ الآية نفت أن يكون للكافرين سبيل على المؤمنين، والسبيل في الآية نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، وبالتالي تكون الآية نفت أن يكون للكافرين سبيل على المؤمنين مطلقاً سواء أكان ذلك في مقام الحجّة والمنطق والاستدلال أم كان في مقام النصر الماديّ والعسكريّ.

من هنا يأتي السؤال: كيف لا يكون للكافرين سبيل على المؤمنين والشواهد على خلاف ذلك كثيرة؟

فسّر بعضهم هذه الآية بيوم القيامة؛ أي أنْ لا سبيل للكافرين على المؤمنين يوم القيامة، إذْ جاء في تفسير الطبري: "وذلك وعدٌ من الله المؤمنين أنّه لن يدخل المنافقين مدخلَهم من الجنّة، ولا المؤمنين مدخَل المنافقين، فيكون بذلك للكافرين على المؤمنين حجّْة بأن يقولوا لهم، إن أدخلوا مدخلهم: ها أنتم كنتم في الدنيا أعداءَنا، وكان المنافقون أولياءنا، وقد اجتمعتم في النار، فجمع بينكم وبين أوليائنا! فأين الذين كنتم تزعمون أنّكم تقاتلوننا من أجله في الدنيا؟ فذلك هو"السبيل" الذي وعد الله المؤمنين أن لا يجعلها عليهم للكافرين"، ثم يذكر رواية في ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول فيها: "حدّثنا ابن وكيع قال، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن ذَرّ، عن يُسَيْع الحضرميّ قال: كنت عند عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أرأيت قول الله: "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا"، وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون؟ قال له عليّ: ادْنُه، ادْنُهْ! ثم قال: "فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا"، يوم القيامة" (تفسير الطبري ج 9 ص 327).

وذهب بعض المفسرين إلى أن ذلك يشمل الدنيا والآخرة وما نراه من انتصار للكافرين على المسلمين إنّما هو بسبب التفريط الذي يحصل من المسلمين وتقصيرهم اتّجاه دينهم، إذْ يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ في تفسير الأمثل: "ولـمّا كانت كلمة (سبيل) نكرة جاءت في سياق النفي وتؤدّي معنىً عاماً، لذلك يفهم من الآية أنّ الكافرين بالإضافة إلى عدم انتصارهم من حيث المنطق على المؤمنين، فهم لن ينتصروا ولن يتسلّطوا على المؤمنين في أيٍّ من النواحي العسكريّة والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة، بل ولا في أيّ مجال آخر.

وما نشاهده من انتصار للكافرين على المسلمين في الميادين المختلفة، إنّما هو بسبب أنّ المسلمين المغلوبين لم يكونوا ليمثّلوا - في الحقيقة - المسلمين، المؤمنين الحقيقيين، بل هم مسلمون نسوا آدابهم وتقاليدهم الإيمانيّة، وتخلّوا عن مسؤولياتهم وتكاليفهم وواجباتهم الدينيّة بصورة تامّة، فلا كلام عن الاتّحاد والتضامن والإخوّة الإسلاميّة بينهم، ولا هم يقومون بواجب الجهاد بمعناه الحقيقيّ، كما لم يبادروا إلى اكتساب العلم الذي أوجبه الإسلام وجعله فريضة على كلِّ مسلم ومسلمة ودعا إلى تحصيله وطلبه من يوم الولادة حتّى ساعة الوفاة، حيث قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): " اطلب العلم من المهد إلى اللّحد ".

ولـمّا أصبحوا هكذا فقد استحقّوا أن يكونوا مغلوبين للكفّار.

وقد استدلَّ جمع من الفقهاء بهذه الآية على أنّ الكفّار لا يمكن أن يتسلّطوا على المسلمين المؤمنين من الناحية الحقوقيّة والحكميّة، ونظرا للعموميّة الملحوظة في الآية، لا يستبعد أن تشمل الآية هذا الأمر أيضا.

ومما يلفت النظر في هذه الآية هو التعبير عن انتصار المؤمنين بكلمة "الفتح" بينما عبرت الآية عن انتصار الكفار بكلمة "النصيب" وهو إشارة إلى أنّ انتصار الكفار إنّما هو نصيب محدود وزائل، وأنّ الفتح والنصر النهائيّ هو للمؤمنين" (تفسير الأمثل ج 3 ص 504).

وقد جمع السيّد الطباطبائيّ بين التفسيرين بقوله: "وأما قوله (ولن يجعل الله) فمعناه أنّ الحكم يومئذٍ للمؤمنين على الكافرين، ولن ينعكس الأمر أبداً، وفيه إياس للمنافقين، أي لييئس هؤلاء المنافقون فالغلبة للمؤمنين على الكافرين بالآخرة.

ويمكن أن يكون نفي السبيل أعمُّ من النشأتين: الدنيا والآخرة، فإنّ المؤمنين غالبون بإذن الله دائماً ما داموا ملتزمين بلوازم إيمانهم، قال تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) " (تفسير الميزان ج 5 ص 116).