الملائكة بين الجبر والاختيار
السؤال: هل الملائكة مجبرة؟
الجواب:
إنَّ موضوع جبر الملائكة من المسائل الغيبيَّة التي تتطلَّب الرجوع إلى الأدلَّة الشرعيَّة لفهمها بشكلٍ صحيحٍ؛ لذلك من المناسب أنْ نستعرض بعض ما ورد في الكتاب والسنة حولها؛ لنتمكن من تقديم رؤيةٍ متكاملةٍ عن هذا الموضوع، ومنها:
1- قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [البقرة 30].
الآية الكريمة تذكرُ حواراً بين الله تعالى والملائكة عندما أخبرهم بخلق آدم (عليه السلام)، وهذا الحوار يدلُّ على عدَّة أمورٍ تثبت أنَّ الملائكة ليست "مُجبرة" كالآلات الجامدة، بل لها إرادةٌ وعقلٌ، ومكانةٌ عاليةٌ في تنفيذ أمر الله تعالى؛ إذ لو كانت الملائكة مُجبرةً على الطاعة بلا وعيٍ أو إرادة، لَما كان لهذا السؤال معنىً؛ لأنَّ الآلة لا تُفكّر ولا تتعجب ولا تَسأل، بل لا يكون لها ذلك لو كانت مجبرةً منعدمة الإرادة، كالعصا التي تتحرك في يد الإنسان لا اختيار لها.
2- ومنها قوله تعالى { لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } [النساء 172].
الآية جاءت لردّ ادّعاءات النصارى القائلة بأنَّ المسيح هو ابن الله تعالى، حيث أوضحت أنَّ الملائكة المقربين - الذين هم في أعلى مراتب العبوديَّة - لا يستنكفون عن عبادة الله تعالى.
وتصف الآية الملائكة بأنَّها لا ترفض عبادة الله تعالى، كما أنَّ وصفهم بالمقرَّبين يشير إلى اختيارهم وتكليفهم، وهو نتيجة طاعتهم الحرة وليس قسرا، ويُشير نفي الاستنكاف إلى قدرتهم على الرفض، مما يدلُّ على أنَّهم قادرون على الامتناع عن العبادة، لكنهم لا يقومون بذلك عن إرادتهم.
3- ومنها قوله تعالى: { وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ } [الرعد 13]
ذكر الله تعالى أنَّ الداعي لتسبيح الملائكة هو الخوف، وهو يدلُّ على الاختيار؛ وذلك لأنَّ التسبيح بدافع الخوف يتمحور حول عاطفةٍ إراديَّةٍ تلزم وعيًا بمصدر هذا الخوف، وهو عظمة الله تعالى، وهذا يعكس الإدراك الروحيَّ الحقيقيَّ، فالملائكة تُدرك عظمة الله تعالى وتُسبّحه عن دافعٍ داخليٍّ، لا عن حركةٍ آليَّةٍ غير اختياريَّة.
وعندما نقارن بين تسبيح الرعد وتسبيح الملائكة، نجد أنَّ الرعد باعتباره ظاهرةً طبيعيَّةً يُشبه تسبيحه بتسبيح الملائكة، ولكن يظلُّ الرعد يُسبّح بفطرته الجامدة، بينما الملائكة تمتاز بتسبيحٍ إراديٍّ ينطلق من الشعور بالخوف.
وفيما يتعلق بالخوف الاختياريّ، فإنَّ الخوف هنا يعكس تعظيماً واقتناعاً مشابها لخوف العالم من الأخطاء في تجاربه، وهو في الواقع دليلٌ على الوعي والاختيار، وليس نتاجاً للجبر.
4- ومنها قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم 6].
وصف الله تعالى الملائكة بأنَّهم لا يعصون أوامره، مما يدلُّ على إخلاصهم في الطاعة وقوتهم في تنفيذ ما يُطلب منهم، كالذين هم حرَّاسٌ لجهنَّم، ولكن هذا لا يعني أنَّهم مجرد آلاتٍ بلا شعور، بل يؤكّد أنَّ التزامهم بالطاعة هو التزامٌ واعٍ وإدراكٌ عميقٌ للعدالة الإلهيَّة، ويمكن تشبيههم بجنديٍّ مخلصٍ يؤدّي واجبه بحزمٍ وثبات.
إنَّ العصمة التي تتمتَّع بها الملائكة ليست ناتجةً عن الجبر؛ إذ إنَّ قوله تعالى {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ} لا يعني أنَّ لديهم خياراً منعدماً وأمراً قاهرا، بل يشير إلى أنَّ طبيعتهم مؤهلةٌ بشكلٍ كاملٍ للخير المطلق، فلو قيل إنَّ "النار لا تعصي الله تعالى لأنها مسخرة"، فإن هذا يُعتبر جبراً وفق طبيعة النار، أما الملائكة فأصل طبيعتهم عقلٌ ونورٌ؛ ولذا فإن طاعتهم تنبعث من إدراكهم العميق لعدالة الله تعالى، وليس من عجزٍ أو إكراه.
فهم يمتثلون للخطاب الإلهيَّ، والتكليف الربانيّ، والتكليف لا يكون إلا لِمَن يملك الاختيار؛ إذ لا يعقل تكليف غير الحر المختار.
[يُنظر: الملائكة في التراث الإسلامي ص37].
5- وفي الرواية عن الإمام الرضا (عليه السلام) «يا أبا الصلت، إنَّ الله تبارك وتعالى فضَّل نبيَّه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على جميع خلقه من النبيين والملائكة» [التوحيد للصدوق ص١١٧].
حيث أكَّد (عليه السلام) على تفضيل النبي محمد (صلى الله عليه وآله) على جميع المخلوقات، بما في ذلك الملائكة، مستنداً في الرواية إلى قول النبي (صلى الله عليه وآله): «مَنْ زَارَنِي فَقَدْ زَارَ اللَّهَ».
إن التفضيل بين النبي (صلى الله عليه وآله) والملائكة يستند إلى فكرة أنَّ كليهما يمتلك إرادةً واختياراً، فلا يمكن المقارنة بين من لديه القدرة على الاختيار (كالنبيّ) وآخر مُجبر (كآلة)، فلا يُقال مثلا إنَّ "الطبيب أفضل من الباب"، لأن الطبيب كائنٌ عقلانيٌّ، بينما الباب أداةٌ بلا إرادة، فإذا كانت الملائكة مُجبرةً؛ لكان تفضيل النبيّ (صلى الله عليه وآله) عليها كالتفضيل بين الإنسان والحجر، وهو ما يتعارض مع حكمة الله تعلى التي تتطلب وجود تمييزٍ بين الكائنات العاقلة المختارة.
6ـ وفي الرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ لله تبارك وتعالى ملائكةً أنصافهم من بَرَدٍ، وأنصافهم من نار يقولون: يا مؤلّفا بين البَرَد والنار ثبت قلوبنا على طاعتك» [التوحيد للصدوق ص٢٨٢]
إنَّ طلب التثبيت يدلُّ على أنَّ قلوبهم قد تواجه الاضطراب، ولكنَّهم يختارون السعي نحو طلب العون من خلال التضرع والدعاء؛ إذ يُعتبر الدعاء تكليفاً إلهيَّاً شبيهاً بالتكاليف التي تُعطى للبشر، ولا يُوجَّه إلَّا إلى من يمتلكون الإرادة والاختيار، فالدعاء يُعدُّ فعلاً اختيارياً، لا يصدر عن أيّ إكراه؛ فإذا كانت الملائكة مجرد آلاتٍ ومجبرة، لما احتاجت إلى طلب العون من أجل التثبيت وعدم الزيغ.
7- وفي الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنَّ الله -عز وجل- آخى بيني وبين علي بن أبي طالب، وزوَّجه ابنتي فوق سبع سماواته، وأشهد على ذلك مقربي ملائكته، وجعله لي وصيَّاً وخليفة، فعليٌّ مني وأنا منه، مُحبُّه مُحبّي، ومُبغضه مُبغضي، وإنَّ الملائكة لتتقرَّب إلى الله بمحبته» [الأمالي للصدوق ص343]
تشير الرواية بوضوحٍ إلى أنَّ حبَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يمثل وسيلةً للتقرّب إلى الله تعالى حتى بالنسبة للملائكة المقرّبين، وهذا الحبُّ الملائكيُّ يستلزم بالضرورة ثبوت الاختيار والإرادة الحرة لهم، بالإضافة إلى قدرتهم على الفهم والتكليف.
فالحبُّ الحقيقيُّ لا ينبع إلَّا من إرادٍة واعيةٍ وقلبٍ مدرك، ولو كانت الملائكة مجرد قوًى مسيَّرةٍ أو آلاتٍ صمَّاء؛ لما كان لتعلّقهم بعليٍّ (عليه السلام) أيَّةُ قيمةٍ روحيَّةٍ أو أثر معنوي، تمامًا كعلاقة الآلة بالكهرباء التي تشغلها، فهي علاقةٌ وظيفيَّةٌ بحتةٌ تفتقر إلى الشعور والإدراك.
علاوةً على ذلك، فإنَّ تخصيص محبَّة عليٍّ (عليه السلام) بالثواب الجزيل يدلُّ على أنَّ عبادة الملائكة ليست مجرد أفعالٍ روتينيَّةٍ أو حركاتٍ ميكانيكيَّة، بل هي قائمةٌ على فهمٍ روحيٍّ عميقٍ لفضائل ومقامات أهل البيت الأطهار (عليهم السلام). وهذا الفهم الرفيع يستدعي وجود إرادةٍ واعيةٍ وقدرةٍ على التدبّر والاختيار.
فلو كانت الملائكة مجرد آلاتٍ لا تملك الإدراك والتمييز؛ لما كان هناك أيّ معنىً لاختصاص محبَّتهم لعليٍّ (عليه السلام) بالثواب، بل لكان هذا الحبُّ أشبه بحركة المنبّه الصامتة التي تؤدي وظيفتها دون أنْ تفهم معنى الوقت وأهميته.
نستنتج من جميع ما مر أنَّه لو كان الإنسان أو الملائكة مجبرين على فعل الخير؛ لما استحقوا المدح والثناء؛ وذلك لأنَّه عندما نمدح شخصاً على فعلٍ حسنٍ فإنَّنا نمدحه لأنَّه اختار أنْ يفعل هذا الشيء بإرادته، أما لو كان مجبوراً عليه فلا يكون له فضلٌ في ذلك؛ وبالتالي لا يستحق المدح.
مدح الله تعالى للملائكة يدلُّ على أنَّ أفعالهم نابعةٌ من اختيارهم وطاعتهم الحقيقية لله تعالى، لا لأنَّهم مجبرون على ذلك.
الخلاصة:
الملائكة ليست مُجبرةً على الطاعة، بل تتمتع بإرادةٍ ووعيٍّ يُمكّنانها من الاختيار، لكن طبيعتها المخلوقة للنور والعبادة تجعلها لا تعصي الله تعالى، فطاعة الملائكة اختيارية نابعةٌ من فطرتهم النقيَّة، لا إكراه فيها، مما يجعلهم مُكرّمين لاستحقاقهم، لا لعدم قدرتهم على العصيان.
والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق