كيف يوازن الإسلام بين حكمة تشريع التعدّد ومشاعر المرأة؟
السؤال: أودُّ أنْ أطرح سؤالاً يتعلّق بتعدد الزوجات في الإسلام، من المعلوم أنَّ الله سبحانه وتعالى أباح للرجل الزواج من أربع نساء بشرط العدل بينهنّ، سؤالي هو: لماذا شرع الله هذا التعدد وأباحه للرجل على الرّغم من أنَّ المرأة قد تتأذى نفسياً وتتألم، أو قد لا توافق على زواج زوجها من زوجةٍ ثانيةٍ أو ثالثةٍ أو رابعة؟ نعلم أنَّ الله سبحانه وتعالى يعلم بفطرة المرأة التي قد لا تتقبَّل هذا الأمر في أغلب الأحيان، فلماذا أباح الله هذا التعدّد للرجال على الرّغم من علمه بأنََّ المرأة قد تنزعج وتتضجر ولا تتقبّل هذا الموضوع، أرجو توضيح الحكمة من هذا التشريع وكيف يمكن التوفيق بينه وبين مشاعر المرأة وفطرتها، خاصةً في مثل هذه الحالات.
الجواب:
أولاً: الله سبحانه وتعالى هو الأعلم بحِكمة كلّ تشريع، ومن خلال التأمّل في سائر تشريعات الإسلام نجد أنّ الله عزّ وجلّ لا يُشرِّع أمراً إلّا لحكمةٍ عظيمةٍ، حتّى وإنْ لم نتمكّن من إدراك هذه الحكمة بشكلٍ كاملٍ.
وثانياً: من الطبيعيّ أنْ تشعر المرأة بعدم الارتياح تجاه فكرة التعدّد، وهذا جزءٌ من طبيعتها التي تجعلها تميل إلى التفرّد بشريك حياتها، والإسلام لم يغفل هذا الجانب النفسيّ، بل وضع ضوابط تحمي مشاعر المرأة وتحدّ من آثار التعدّد السلبيّة. ومن ذلك: اشتراط العدل بين الزوجات، وقد وضع الله هذا الشرط حتّى يضمن عدم تحول التعدّد إلى سببٍ للظلم أو الجور، وإذا لم يكن الرجل قادراً على تحقيقه فقد منعه الشرع من التعدد، كما قال تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3].
مضافاً إلى أنّ المرأة ليست مجبرةً على قبول التعدّد، فمن حقّها أنْ تطلب الطلاق، أو أنْ تضع شرطاً في عقد الزواج يمنع التعدّد منذ البداية، فللمرأة مساحة الاختيار وفق ما يناسب حالتها النفسيّة والاجتماعيّة.
وثالثاً: هناك العديد من الحالات التي تجعل التعدّد ضرورةً اجتماعيّةً، ففي بعض الظروف مثل الحروب أو الأوبئة أو غيرها من الكوارث، قد يتناقص عدد الرجال مقارنةً بعدد النساء، ممّا يؤدّي إلى وجود نساءٍ كثيراتٍ بدون فرصة للزواج - في هذه الأوضاع - يمكن أنْ يكون التعدّد وسيلةً لتحقيق حياةٍ كريمةٍ للنساء اللاتي لم تتيسّر لهنّ فرصة الزواج، ممّا يسهم في دعم استقرارهن النفسيّ والاجتماعيّ. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى التعدّد باعتباره وسيلةً لإدخال السرور والفرح على حياة امرأةٍ أخرى، وهو جانبٌ يجب أخذه بعين الاعتبار بجانب مشاعر الضيق أو عدم الارتياح التي قد تشعر بها الزوجة الأولى.
والإسلام ينظر إلى الأمور برؤيةٍ متوازنةٍ تجمع بين المشاعر الآنيّة والحكمة طويلة المدى، فقد تشعر المرأة في البداية بعدم الارتياح تجاه فكرة التعدّد، لكن مع تحقق العدل والاحترام قد تظهر آثار هذا التشريع في صورة خير للجميع.
على سبيل المثال، إذا كانت المرأة غير قادرةٍ على الإنجاب، فإنّ زواج زوجها بامرأةٍ أخرى قد يوفّر لها فرصة للعيش ضمن أسرةٍ كبيرةٍ يغمرها الزوج بعدله ومعاملته الحسنة، فبدلاً من الشعور بالعزلة تعيش المرأة في كنف عائلة تسودها السعادة والمودّة.
وهكذا الحال إذا كانت زوجة الرجل مريضةً ولا تستطيع القيام بواجباتها الزوجيّة، فيتزوّج عليها زوجة تخدمها بدل أنْ يطلّقها ولا تجد مَن يرعاها، وفي المقابل هناك أرامل أو مطلقات في المجتمع يحتجن إلى مَن يعيلهنَّ ويوفّر لهنَّ حياةً كريمة وهنَّ على أتمّ الاستعداد لقبول الزوجة الأولى، وغير ذلك من النماذج التي تجعل من التعدّد فرصة لحلّ كثير من المشاكل.
ومن المهم في هذه النقطة الإشارة إلى أن التعدد ليس فرضاً على كلّ رجل، بل هو خيارٌ مشروعٌ يتطلّب ظروفاً خاصّةً؛ ولهذا، نجد أنّ بعضاً من الأزواج يفضّلون الاكتفاء بزوجةٍ واحدة.
وفي المحصّلة، التعدّد ليس قراراً عشوائيّاً ولا واجباً مفروضاً، بل هو تشريعٌ مرنٌ يخدم مصالح الأسرة والمجتمع في ظروفٍ معيّنة، مع احترام مشاعر المرأة وفطرتها، فالإسلام يوازن بين احتياجات الأفراد وحكمة التشريعات، ويضع ضوابط صارمةً للتأكّد من أنّ التعدّد يتمّ بطريقةٍ عادلةٍ تحفظ كرامة المرأة وتحمي الأسرة من التفكّك.
اترك تعليق