الحرب الناعمة

السؤال: نسمع كثيراً عن مفهومِ الحربِ الناعمة، وللشيطان طرقُهُ وأساليبه التي تُشبه هذا النوع من الحرب. كيف يمكننا دعمُ هذا الموضوع بالآياتِ والروايات؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

مفهوم الحرب الناعمة يشير إلى شكلٍ من أشكال الصراعِ الذي يعتمد على أدواتٍ غير تقليديّةٍ للتأثير والسيطرة، ومع أنّها تختلفُ عن الحروب العسكريّة التي تستخدم القوّة البدنيّةَ والأسلحة، إلّا أنّها سُمّيت حرباً لأنّها تعمل على تحقيق أهداف الحروب كإخضاعِ الخصمِ أو زعزعة استقراره، دون اللجوء إلى العنفِ المباشر، فالحرب الناعمة تستبدل الأسلحة التقليديّة بأدواتٍ ناعمةٍ كالإعلام، التعليم، الأفلام، شبكات التواصلِ الاجتماعيّ، الدعاية الثقافيّة.

ويمكن دعم هذا الموضوع بالنصوص القرآنيّة والروايات كما طلب السائل؛ وذلك لوجودِ تشابهٍ بين أساليب الشيطان في غواية الإنسان وبين أساليب الحرب الناعمة، فكليهما يُركّزان على التأثير الفكريّ والنفسيّ.

وسوف نختارُ هنا نماذج من الآيات والروايات لتأكيد هذا التشابه:

فمن الآيات الكريمة:

1ـ قولهُ تعالى: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِّي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 16 - 17].

تُوضح هذه الآية أسلوب الشيطان في التسلّل إلى الإنسان من كلّ الجوانب، حيثُ يعمل على تطويق الإنسانِ فكريّاً وروحيّاً عبر مداخلَ متعدّدة: (من بينِ يديه) بتشويه المستقبل، (ومن خلفهِ) بإغراقه في الندمِ واليأس، (وعن أيمانهِ) بتزييف المفاهيمِ الدينيّة، (وعن شمائلهِ) بإغوائه بالشهوات. وهذا يُشبه الاستراتيجيّاتِ التي تُستخدمُ في الحرب الناعمة لتطويقِ الإنسان فكريّاً وروحيّاً.

2ـ وقولهُ تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} [العنكبوت: 38].

يشيرُ التزيين إلى أسلوب جذب الإنسان نحو الباطلِ بإظهاره في صورةِ الحقّ، وهو من أبرز أدوات الحربِ الناعمة.

3ـ وقولهُ تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 120].

الوعود الزائفة أحد أساليب الشيطان لإغواء الإنسان، وهو ما يتجسّدُ في الحرب الناعمة عبر الوعود المُغرية التي تهدف إلى صرف الإنسانِ عن الحقيقة.

ومن الرواياتِ الشريفة:

1ـ قولُ أمير المؤمنين (عليه السّلام) في شأن مَن استحوذَ عليهِ الشيطان:

«اتّخذوا الشيطانَ لأمرِهم مِلاكاً، واتّخذَهم لهُ أشراكاً، فباضَ وفرَّخَ في صدورِهم، ودبَّ ودرجَ في حُجورِهم، فنظرَ بأعينِهم، ونطقَ بألسنتِهم، فركبَ بهم الزللَ، وزيّنَ لهم الخطل» [نهج البلاغة ج1 ص42].

يرسم الإمام عليّ (عليهِ السّلام) في هذا الحديث صورةً عميقةً لتأثير الشيطان على الإنسان، حيثُ يصبح الشيطان «مِلاكاً» أي المحورَ الذي يدور حولَه تفكيرُهم وقراراتُهم، فصاروا بذلك «أشراكاً» للشيطان، أي صاروا فخاخاً يستخدمها لإيقاعِ الآخرين، وقولُه: «فباضَ وفرّخَ في صدورِهم» يُشير إلى استقرار الشيطان في قلوبهم وترسيخ وساوسِه في أعماق نفوسِهم. أمّا تعبيرُ: «ودبّ ودرجَ في حُجورِهم» فهو دلالةٌ على حضور الشيطان المستمرّ في حياتِهم، كأنّهُ جزءٌ لا يتجزّأ من تصرّفاتهم اليوميّة، حتّى «نظرَ بأعينِهم ونطقَ بألسنتِهم» ممّا يعكس هيمنتَهُ الكاملة على أفعالِهم وأفكارهم، حيثُ يتحوّل الإنسان إلى أداةٍ لتنفيذ إرادة الشيطان دون وعي.

كلّ ذلك يُعكسُ أسلوب الشيطان في تقديم الباطل بصورة الحقّ، وهو ما يُشبهُ أساليب السيطرة الإعلاميّة والثقافيّة التي تستهدفُ تغييرَ القِيَمِ والمفاهيم بشكلٍ خفيّ ومدروس.

2ـ وقولُ الإمامِ الصادق (عليهِ السّلام):

«ما من قلبٍ إلّا ولهُ أُذنان، على إحداهُما مَلَكٌ مرشد، وعلى الأُخرى شيطانٌ مفتن، هذا يأمرُه، وهذا يزجرُه، الشيطانُ يأمرُهُ بالمعاصي، والمَلَكُ يزجرُهُ عنها» [الكافي ج2 ص226].

في الرواية، الشيطانُ لا يُجبر الإنسان على المعاصي، بل يعملُ كـ«مُفتن»، أي يُغريه ويُلبّسُ عليه الحقائق بأسلوبٍ ناعمٍ ومُغرٍ. وهذا يُشبهُ أساليب الحرب الناعمة التي تسعى لإحداث تغييرٍ تدريجيّ في القِيَمِ والمفاهيم، وجعل الباطل مقبولاً وجذّاباً في أعينِ الناس.

بالمقابل، دور المَلَك المُرشد يُمثّلُ الخطاب الواعي الذي يدعو الإنسان للتمسّك بالقِيَم والمبادئ الحقّة ومقاومة الانحرافات.

وفي المحصّلة، تتّسمُ الحرب الناعمة والشيطانُ بأساليب مشتركة، أبرزها:

1ـ الخفاء: الشيطان لا يظهر بصورةٍ مباشرة، بل يتسلّلُ عبر الإيحاء والتزيين، وهو ما يُشبه استخدام الإعلامِ الخفيّ.

2ـ التدرّج: التأثير لا يتمّ دفعةً واحدة، بل بخطواتٍ متدرّجةٍ لتغييرِ الأفكار والمفاهيم.

3ـ الجاذبيّة المزيفة: الإغراء بأساليبَ تبدو جذّابة، لكنّها تُخفي في طيّاتِها الأضرار.

4ـ التشكيك: زرع الشكوك في القِيَمِ والمبادئ بهدف إضعافِ الإيمان.