الحسن بن محمد بن الحنفيَّة
السؤال: ما هو حال الحسن بن محمد بن الحنفيَّة، فإنّه يقال إنه لم يكن عنده ذاك الالتزام وقد كان من المرجئة؟
الجواب:
الحسن بن محمّد ابن الحنفيَّة [ن100هـ]، هو أوّل مَن تكلّم في الإرجاء كما يقول الجمهور.
قال ابن سعد: (والحسن بن محمّد: وكان من ظرفاء بني هاشم وأهل العقل منهم، وهو أوّل مَن تكلّم في الإرجاء) [الطبقات الكبرى ج5 ص92].
وقال مصعب الزبيريّ: (والحسن بن محمّد، وأمّه: جمال بنت قيس بن [مخرمة] بن المطّلب بن عبد مناف ابن قصىّ، وهو أوّل مَن تكلّم في الإرجاء) [نسب قريش ص111].
وقال البلاذريّ: (وهو أوّل مَن تكلّم في الإرجاء، وكان ناسكاً، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز) [أنساب الأشراف ج3 ص270].
وقال ابن عبد البر - نقلاً عن العدويّ الذي نقل رسالة الحسن إلى كتابه الإيمان -: (وقال العدويّ: وأمّا الحسن بن محمّد بن الحنفيَّة، فكان من أظرف فتيان قريش، وكان أوّل مَن وضع الرسائل، وكان رأس المرجئة الأولى، وأوّل مَن تكلّم في الإرجاء) [التمهيد ج10 ص87].
وقال ابن كثير: (قال أيوب السختياني وغيره: كان أوّل مَن تكلّم في الإرجاء، وكتب في ذلك رسالةً ثمّ ندم عليها. وقال غيرهم: كان يتوقّف في عثمان وعليّ وطلحة والزبير، فلا يتولّاهم ولا يذمّهم، فلمّا بلغ ذلك أباه محمّد بن الحنفيَّة ضربه فشجّه، وقال: ويحك، ألا تتولى أباك عليّاً؟) [البداية والنهاية ج9 ص160].
وقال الذهبيّ: (ورد أنّه صنّف كتاباً في الإرجاء، ثمّ ندم عليه) [العبر في خبر من غبر ج1 ص124].
وقال أحمد المرتضى الزيديّ: (ولم تكن مخالفته لأبيه وأخيه إلّا في شيء من الإرجاء) [طبقات المعتزلة ص43].
وقد عبّر الشيخ المفيد [ت413هـ] عن تهمة الجمهور للحسن بقوله: (والحسن بن محمّد ابن الحنفيَّة معروفٌ عندهم بآراءٍ قبيحةٍ كالإرجاء) [خلاصة الإيجاز ص33].
وممّا يؤيّد صحّة انحراف الحسن بن محمّد، وتبنّيه أفكاراً مخالفةً لاعتقادات أهل البيت (ع)، هو ردّ الإمام الزيديّ يحيى بن الحسين [ت298هـ] عليه في كتاب (الردّ على الحسن بن محمّد بن الحنفيَّة)، جاء في مقدمة مجموع رسائله: (ردّ الإمام (ع) على ثلاثة وأربعين مسألة، أورد فيها السائل كلّ ما يمكن للمجبّرة أن يوردوه) [مجموع رسائل الإمام الهادي يحيى بن الحسين ص40].
وممّا جاء في ردّ يحيى بن الحسين عليه قوله: (فإنّه وقع إلينا كلام الحسن بن محمّد بن الحنفيَّة، يؤكّد فيه الجبر، ويشدّد في ذلك منه الأمر، ويزعم فيه أنّ اللّه سبحانه جبر العباد أجمعين، من الملائكة المقرّبين، والأنبياء المرسلين، وجميع الثقلين، على كلّ الأعمال، من صالح أو فاسد أو طالح، فرأينا أن نجيبه في ذلك، وننقض عليه ما جاء به من المهالك) [المصدر السابق ص271ـ272].
فإنْ ثبت ذهاب الحسن لعقيدة الجبر ورصده الأدلّة لتشييدها، فهذا منه انحرافٌ عقائديٌّ كبيرٌ، إنْ لم يكن تاب منه.
وللأرجاء أكثر من معنىً عقائديّ، وما قصده الحسن بن محمّد بن الحنفيَّة ـ وهو المعنى الذي ساد في القرن الأول الهجريّ ـ إرجاء البتّ في أمر عليّ وعثمان وطلحة والزبير، فلا يتولّوا ولا يُتبرّأ منهم، ولهذا ضربه أبوه لاعتقاده ذلك، وهي عقيدةٌ خطيرةٌ إنْ لم يكن قد رجع للصواب وتاب منها.
قال ابن حجر: (المراد بالإرجاء الذي تكلّم الحسن بن محمّد فيه غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلّق بالإيمان، وذلك أنّي وقفت على كتاب الحسن ابن محمّد المذكور، أخرجه ابن أبي عمر العدنيّ في كتاب الايمان له في آخره، قال: حدّثنا إبراهيم بن عيينة، عن عبد الواحد بن أيمن قال: كان الحسن بن محمّد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس. أمّا بعد، فإنّا نوصيكم بتقوى الله، فذكر كلاماً كثيراً في الموعظة والوصيّة لكتاب الله واتّباع ما فيه وذكر اعتقاده، ثمّ قال في آخره: ونوالي أبا بكر وعمر (رض) ونجاهد فيهما؛ لأنّهما لم تقتتل عليهما الأمّة، ولم تشكّ في أمرهما، ونرجئ مَن بعدهما ممّن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله، إلى آخر الكلام. فمعنى الذي تكلّم فيه الحسن: أنّه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئاً أو مصيباً، وكان يرى أنّه يرجئ الأمر فيهما. وأمّا الإرجاء الذي يتعلّق بالإيمان، فلم يعرج عليه فلا يلحقه بذلك عاب، والله أعلم) [تهذيب التهذيب ج2 ص277].
طبع السلفيون رسالة الحسن بن محمّد، مستخرجين لها من كتاب العدنيّ، وممّا جاء فيها كما نقلوا عنه قوله: (ونرضى من أئمّتنا أبي بكر وعمر، ونرضى أن يطاعا، نسخط أن يعصيا، ونعادي لهما من عاداهما...) [الإرجاء للإمام الحسن بن محمد بن الحنفيَّة كما رواها الإمام العدني في كتاب الإيمان ص97ـ98].
إنّ رأي أهل البيت (ع) بحقّ الخلفاء معروفٌ مشهورٌ، وعلى هذا سارت ذرّيّتهم إلّا مَن شذّ منهم، فلا شكّ إنْ كان هذا هو رأي الحسن ولم يرجع عنه، فهو مخالفٌ لأبيه وأئمّة أهل البيت (ع).
إذن: فرسالة الحسن تضمّنت انحرافاتٍ عديدةً، كتوقّفه بأمر عليّ وعثمان وطلحة والزبير، وموالاته للخلفاء، ودفاعه عن عقيدة الجبر.
لكن، ذكرت بعض المصادر ندمه على كتابته تلك الرسالة.
روى عبد الله بن أحمد بن حنبل بسنده إلى زاذان وميسرة، قالا: (أتينا الحسن بن محمّد، فقلنا: ما هذا الكتاب الذي وضعتَ، وكان هو الذي أخرج كتاب المرجئة؟ قال زاذان: فقال لي: يا أبا عمرو، لوددتُ أنّي كنتُ مُتُّ قبل أن أخرج هذا الكتاب، أو قال: قبل أن أضع هذا الكتاب) [السنة ص324-325، السنة للخلال ج4 ص136].
وقال السيّد محسن الأمين: (وهو برئٌ ممّا في الكتاب أيضاً؛ لأنّه تمنّى أن يكون مات ولم يكتبه) [أعيان الشيعة ج5 ص263].
لكن، هل كان ندم الحسن على التوقّف في أمر الإمام عليّ (ع) وعثمان وبقية الصحابة بعد أن ضربه أبوه، أم كان ندمه على هذا وعلى سائر انحرافاته المخالفة لأبيه وجده؟!
فإنّ القدر المتيقّن ممّا تقدّم بيانه أنّه كان من المخالفين، وتوبته تحتاج إلى دليل، خصوصاً أنّه ليس من رجال الشيعة الإماميّة. فالرجل كان مخالفاً لأبيه وأهل بيت النبوة (ع)، وإلّا فلو تاب لرجع إلى الإمامين السجّاد والباقر (ع)، وهذا لم يثبت فيما وصلنا من أخبار، وعدّ الشيخ الطوسي له ضمن أصحاب الإمام السجّاد (ع)، لا يكفي للقول بتوبته، حيث كان للأئمّة أصحابٌ من الطوائف الأخرى لهم تراجمُ في كتب الرجال.
ينبغي القول في النهاية أنّ انحراف بعض الأبناء من البيت العلويّ ليس أمراً مستحيلاً؛ إذ إنّهم ليسوا خارجين عن نطاق التكليف، بل هم كسائر البشر لهم رغباتهم وميولاتهم، ويحدّثنا القرآن عن أبناء الأنبياء وعصيانهم لآبائهم وهلاك مَن لم يتوبوا منهم، كابن نوح (ع).
اترك تعليق