هل كان زهير بن القين عثمانيّاً؟
الجواب:
لم يرد في مصادر علمائنا المحدّثين أو المؤرّخين وأهل الجرح والتعديل ما يشير إلى توصيف زهير بن القين (رض) بكونه عثمانيّ النزعة، كما لم أقف عند مؤرّخي السنّة على هذا الوصف إلّا في موضعين:
الأوّل: ما رواه البلاذريُّ حيث قال: (وكان زهيرُ بن القين البَجليّ بمكَّة، وكان عثمانيّاً، فانصرف من مكّة متعجّلاً، فضمّه الطريق وحسيناً) [أنساب الأشراف ج٣ ص١٦٧].
الثاني: ما ذكره ابن الأثير بقوله: (وكان زهيرُ بن القين البجليّ قد حجّ، وكان عثمانيّاً، فلمّا عاد جمعهما الطريق) [الكامل في التاريخ ج٤ ص٤١].
وعليه، فإنّ هذين النصّين هما المصدران الوحيدان اللذان نسبا هذا الوصف إلى زهير، دون أن يوردا له مستنداً أو سنداً معتبراً، بل اكتفيا بإرسال الدعوى إرسالاً.
وبذلك يتبيّن أنّ نسبة "العثمانيّة" إلى زهير بن القين تفتقر إلى الدليل الموثوق، وأنّها أقرب إلى دعوى غير ثابتة تاريخيّاً.
ولعلّ منشأ هذه النسبة هو ما أورده الطبريّ في تاريخه، إذ نقل خبراً أسنده إلى أبي مخنف عن الحارث بن حصيرة عن عبد الله بن شريك العامريّ، جاء فيه: أنّ عزرة بن قيس الأحمسيّ ــ من قادة جيش ابن زياد ــ خاطب زهير بن القين يوم التاسع من المحرّم، بعد أن نصحه زهير قائلاً: (فاتَّقِ الله يا عزرة، فإنِّي لك من الناصحين، أُنشِدُك الله يا عزرة أن تكون ممّن يُعين الضُلّال على قتل النفوس الزكيّة).
فردّ عليه عزرة: (يا زهير، ما كنتَ عندنا من شيعة أهل هذا البيت، وإنّما كنتَ عثمانيّاً).
فأجابه زهير مؤكّداً: (أفلستَ تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم؟ أما واللهِ ما كتبتُ إليه كتاباً قط، ولا أرسلتُ إليه رسولاً قط، ولا وعدتُه نصرتي قط، ولكنّ الطريق جمعني وإيّاه، فلمّا رأيتُه ذكرتُ به رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) ومكانه منه، وعرفتُ ما يُقدِم عليه من عدوّه وحزبكم، فرأيتُ أن أنصره، وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه، حفظاً لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسوله (صلّى الله عليه وآله))[تاريخ الطبريّ ج٤ ص٣١٦].
وعلى ضوء هذا النصّ يمكن القول: إنّ البلاذريّ وابن الأثير ربّما اعتمدا على هذه الرواية أو ما شابهها في نسبة الوصف إلى زهير، مع أنّ ظاهر الرواية لا يثبت أنّه كان عثمانيّاً حقيقة، بل إنّها مجرّد اتّهامٍ وجّهه إليه عزرة بن قيس، وقد ردّه زهير بوضوحٍ عبر موقفه العملي وانضمامه إلى الإمام الحسين (عليه السلام).
ومن هنا يتّضح أنّ تلك النسبة ليست ثابتةً تاريخيّاً، بل هي دعوى خصمٍ أراد الطعن به، فحُملت على ظاهرها دون تمحيص.
ومن خلال هذا النصّ يمكن تسجيل عدّة ملاحظات:
أوّلاً:إنّ الادّعاء بكون زهير عثمانيّاً صدر من خصمه عزرة بن قيس، وهو من معسكر الباطل، ولم يثبت أنّ زهيراً أقرّ له بذلك.
ثانياً: استفاد زهير من هذا الاتّهام ليجعله مدخلاً للحوار والدعوة إلى الحق؛ فهو لم ينشغل بدفع التهمة بقدر ما أراد أنْ يُبيّن أنّ موقفه العملي إلى جانب الحسين (عليه السلام) برهانٌ على صدق ولائه، بل إنّ الذين يحتاجون إلى مراجعة مواقفهم هم خصوم الحسين (عليه السلام) الذين كتبوا إليه يدعونه ثم خذلوه.
ثالثاً: لو افترضنا أنّ اعتماد البلاذريّ وابن الأثير على هذه الرواية، فإنّها لا تصلح حجّةً لإثبات الدعوى؛ إذ هي خبر آحادٍ فاقدٌ لشروط الاعتبار، ولم تُحتفّ بقرائن موجبةٍ للوثوق، فهي ساقطةٌ عن الحجّيّة.
رابعاً: مضمون الرواية نفسه لا يُثبت النسبة، بل يُظهر بوضوح أنّ زهير ردّ الاتّهام ببيان موقفه العمليّ، مع تعريض بعزرة بن قيس الذي كان ممّن كتب إلى الإمام الحسين (عليه السلام) ثم غدر به، ومن هنا كان جواب زهير في حقيقته تكذيباً لخصمه لا إقراراً له.
خامساً: حتى لو سلّمنا جدلاً بأنّ زهيراً كان عثمانيّ الهوى في مرحلةٍ من حياته فإنّ ذلك لا ينتقص من مقامه، بل يرفع منزلته؛ إذ إنّ التحاقه بركب الإمام الحسين (عليه السلام) يكشف عن نقلةٍ نوعيّةٍ من الظلمة إلى النور، ومن هوىً سابقٍ إلى الولاء الخالص لأهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ما خلّد اسمه في سجلّ شهداء الطفّ، وجعل المؤمنين يسلّمون عليه في زياراتهم، ويشهدون له بالفضل والكرامة، ويتمنّون الحشر معه يوم القيامة، فهو في النهاية حسينيّ الهوى قولاً وفعلاً، وفوزه بالشهادة شاهد على صدق نيّته وإخلاصه: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ}
الخلاصة: إنّ نسبة "العثمانيّة" إلى زهير بن القين (رضوان الله عليه) لا تقوم على أساسٍ علميٍّ معتبر؛ إذ لم يذكرها سوى البلاذريّ وابن الأثير نقلاً مرسلاً بلا سند، ويبدو أنّ منشأها ما ورد في رواية الطبريّ على لسان خصم من معسكر الباطل، وهي دعوى لم يُقرّها زهير، بل ردّها عمليّاً بانضمامه إلى الإمام الحسين (عليه السلام) واستشهاده بين يديه، بل إنّ موقفه يُظهر تعريضاً بمن رماه بهذه التهمة من الذين كتبوا إلى الحسين ثم خذلوه.
وعلى تقدير ثبوت انتماءٍ سابق لزهير إلى العثمانيّة، فإنّ هدايته إلى الركب الحسينيّ تُعدّ رفعةً لمقامه؛ إذ تحوّل من هوىً إلى هوىً أسمى، ومن الظلمة إلى النور، حتى خُلد اسمه في سجلّ شهداء كربلاء، فصار مثالاً للهداية والصدق والإخلاص.
والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق