هل أسماء الله وصفاته تقتضي أزلية الكون؟
السؤال: أحد كبار البهائيّين يحتجّ بتعدّد القدماء أو قدم العالم بقوله: (اعلم أنَّ إحدى غوامض المسائل الإلهيّة هي أنَّ هذا الكون الذي لا يتناهى لا أول له، ولقد سبق بيان أنَّ نفس أسماء وصفات الذات الإلهيّة تقتضي وجود الكائنات، ومع أنَّ ما قد بيّنّاه كان مفصّلاً إلا أنّنا سنتكلّم عنه الآن ثانيةً باختصار، فاعلم أنّه لا يمكن أنْ يُتصوَّر ربٌّ بلا مربوب، ولا يتحقّق وجود مَلِكٍ بلا رعيّة، ولا معلّمٍ بغير متعلّم، ولا يمكن وجود خالقٍ بدون مخلوق، ولا يخطر بالبال رازقٌ من غير مرزوق؛ لأنّ جميع الأسماء والصفات الإلهيّة تستدعي وجود الكائنات، فلو يُتصوَّر أنّ الكائنات عامّة لم تكن موجودة وقتاً ما، فهذا التصوّر إنكارٌ لألوهيّة الله، وفضلاً عن هذا فالعدم المطلق غير قابلٍ للوجود، فلو كانت الكائنات عدماً مطلقاً لما تحقّق الوجود، ولما كان وجود ذات الأحديّة أي: الوجود الإلهيّ أزليّاً سرمديّاً، يعني لا أول له ولا آخر، فلا بدّ وأنّ عالم الوجود يعني هذا الكون الذي لا يتناهى لم تكن له قط بداية)، هل يمكن نقض هذه المقولة؟
الجواب:
لا يهمّنا قائل هذا الكلام ولا مصدره بقدر ما يهمّنا الفكرة المطروحة؛ لذلك سوف نردّ عليها سواء كان القائل بهائيّاً أم غيره، فالمهمّ هو الفكرة بغضِّ النظر عن قائلها.
ولا يخفى أنّ الردّ على هذا الكلام يستدعي بحوثاً مطوّلةً لا يسعها المجال؛ ولذا سوف نكتفي بتركيز الردّ في شكل نقاط ٍتتضمّن تفنيد الأسس التي ارتكز عليها في ادّعاءاته.
1ـ مفهوم ارتباط الصفات والأسماء الإلهيّة بوجود الكائنات:
أهمّ ما ارتكز عليه صاحب هذا الطرح هو قوله: (ولقد سبق بيان أنّ نفس أسماء وصفات الذات الإلهيّة تقتضي وجود الكائنات)، وجعل ذلك مقدّمةً ضروريّةً لما سيأتي بعدها من استنتاجات، فالقول بوجود ترابطٍ بين الأسماء والصفات من جهةٍ، وبين متعلّقاتها في الواقع الخارجيّ من جهةٍ أخرى يؤدّي حتماً إلى القول بأزليّة جميع المخلوقات، فالكون - بحسب هذا الادّعاء - ليس له بداية، وإنّما هو موجودٌ أزليٌّ بوجود الله تعالى، ودليله على ذلك: هو عدم الانفكاك بين أسماء الله وصفاته وبين متعلّقاتها في الخارج.
وبما أنّنا ناقشنا في أجوبةٍ سابقةٍ مفهوم الأزليّة والقدم، فسوف نركّز هنا على نفي هذا الترابط المزعوم، فنقول:
قسّم المتكلّمون صفات الله تعالى إلى نوعين: صفات الذات وصفات الفعل.
الأولى تشمل الصفات التي تعبّر عن الذات الإلهيّة بحدّ ذاتها، مثل القدرة والحياة والعلم، حيث تكفي هذه الصفات لوصف الذات فقط دون الحاجة إلى غيرها.
أمّا صفات الفعل، فهي تلك التي تُشتقّ من أفعال الله، أي إنّ وصف الذات بها يعتمد على وجود فعلٍ خارجيٍّ، مثل الخلق والرزق، فعند ملاحظة النعم التي يمنحها الله للناس، ننسبها إليه ونسمّيها رزقاً، فيُصبح بذلك الله هو الرزّاق، وهكذا صفات الرحمة والمغفرة والخلق وغير ذلك من صفات الفعل، ولا يخفى أنّ جميع صفاته الفعليّة نابعةٌ من وصفٍ واحدٍ وهو القيّوميّة، فالخلق والرزق والهداية كلّها حيثيّاتٌ وجوديّةٌ قائمةٌ به سبحانه، مُفاضةٌ من عنده بما هو قيّوم.
ويمكن تمييز صفات الذات عن صفات الفعل من خلال ملاحظة كيفيّة ارتباطها بالذات، فكلّ صفةٍ تُضاف إلى الذات بشكلٍ إيجابيّ دائم تُعتبر من صفات الذات، بينما الصفات التي يمكن أن تُضاف إلى الذات بنحوين مختلفين - بإيجابٍ وسلبٍ - تُعتبر صفات فعل.
وعلى هذا الأساس، فإنّ العلم والقدرة والحياة تُنسب إلى الله بشكل إيجابيّ فقط، فلا يقال: الله ليس بعالم أو ليس بقادر، بينما الخلق والرزق والمغفرة والرحمة يمكن أن تُنسب بشكلٍ إيجابيٍّ وسلبيّ. فيقال مثلاً: (خلق الله هذا ولم يخلق ذلك)، أو (غفر الله للمستغفر ولم يغفر للمصرّ على الذنب).
ومن ذلك يتّضح الخطأ الذي وقع فيه صاحب الطرح، فكلامه لا ينطبق على صفات الذات، ولا ينطبق على صفات الفعل:
فأمّا صفات الذات فهي وصف للذات بما هي ذات، فمتى ما كانت الذات كانت هذه الصفات، فالله سبحانه وتعالى مستحقٌّ لهذه الصفات بذاته، ولا يتوقّف وصفه بها على وجود المخلوق، ففي الحديث عن الإمام الرضا (ع) قال: «ثمّ وصف نفسه تبارك وتعالى بأسماءَ دعا الخلق إلى أن يدعوه بها، فسمّى نفسه سميعاً بصيراً قادراً قاهراً حيّاً قيّوماً... فكان الله ولا خلق، وقبل أن يخلق الله الخلق، كان غنيّاً بذاته عارفاً بنفسه، فنفسه هو وهو نفسه، فلا يحتاج إلى اسم ونعت، ولكن خلقها لغيره لكي يعبدوه بها، فهي بالتالي غيره، ومَن عبد هذه الأسماء فقد عبد غيره» [الكافي ج1 ص120].
وأمّا صفات الفعل فهي متعلّقةٌ بالفعل، وبما أنّ الله فاعلٌ مريدٌ ومختار، فإنّه يجوز له أنْ يخلق أو لا يخلق، ويرحم أو لا يرحم، ويرزق أو لا يرزق، ولا ملازمة بين وجوده وبين حتميّة تحقّق ذلك في الخارج.
وقد أجاب الإمام الصادق (ع) عن هذه الشبه بقوله: «لم يزل الله عزّ وجلّ ربّنا، والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصَر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلمّا أحدث الأشياء كان المعلوم، فوقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور».
وفي حديثٍ آخر عن هاشم الجعفريّ قال: «كنتُ عند أبي جعفر الثاني، فسأله رجلٌ فقال: أخبرني عن الربّ تبارك وتعالى، له أسماءٌ وصفات في كتابه، وأسماؤه وصفاته هي هو؟ فقال أبو جعفر: إنّ لهذا الكلام وجهين: إنْ كنتَ تقول هي هو، أي إنّه ذو عددٍ وكثرة، فتعالى الله عن ذلك، وإنْ كنتَ تقول هذه الصفات والأسماء لم تزل، فإنّ لم تزل محتمل معنيين، فإنْ قلتَ: لم تزل عنده في علمه وهو مستحقّها فنعم، وإنْ كنتَ تقول لم يزل تصويرها وهجاؤها وتقطيع حروفها فمعاذ الله أن يكون معه شيء غيره، بل كان الله ولا خلق، ثم خلقها وسيلة بينه وبين خلقه، يتضرّعون بها إليه ويعبدونه، وهي ذكره. وكان الله ولا ذِكْرَ، والمذكور بالذِكر هو الله القديم الذي لم يزل، والأسماء والصفات مخلوقات، والمعاني والمعنيُّ بها هو الله الذي لا يليق به الاختلاف ولا الائتلاف...»[الكافي ج1 ص117].
2ـ التلازم بين الألوهيّة ووجود الكائنات:
القول بأنّه (لا يمكن أن يُتصوَّر ربٌّ بلا مربوب) يُظهِر خلطاً بين استحقاق الألوهيّة وقدرة الله على الخلق.
فالله في ذاته مستغنٍ عن أيّ مخلوق، والألوهيّة لا تحتاج إلى وجود مخلوقات حتّى تُثبت، بل إنّ الكون وجوده نتيجة إرادة الله تعالى، وليس شرطاً لألوهيّته، فالله كان ولا شيء معه، ثمّ خلق الكون إرادةً منه في وقتٍ شاءه، وهذا من كمال صفاته وقدرته المطلقة على الإيجاد حين يريد.
فعندما نقول: (إنّ الله خالق)، فإنّنا لا نحدّد جوهره بما يخلقه، بل نُقرّ بأنّ قدرته وعظمته هي التي تسمح له بخلق ما يشاء من عدم، وبالتالي فإنّ الكون ليس شرطاً لألوهيّته، بل هو تعبيرٌ عن كمال صفاته وإرادته في الإبداع، وعليه يجب الالتفات إلى أنّ الوجود الإلهيّ يتخطّى أيّ تصوّرٍ بشريٍّ محدّد، وينبغي أنْ نعي أنّ كمال الله ليس مقيّداً بالزمان أو المكان أو بتقديراتنا الشخصيّة، يقول تعالى:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 67].
3ـ العدم ليس سبباً للوجود:
القول بأنّ (العدم المطلق غير قابلٍ للوجود) صحيح، لكنّ هذه المقدّمة لا تُثبت أزليّة الكون، بل تؤكّد فقط على ضرورة الموجِد الأزليّ الذي هو الله تعالى، العدم المطلق لا يُنتج وجوداً بذاته، لذلك احتاجت الكائنات إلى خالق يُخرجها من العدم إلى الوجود.
فنحن لا نقول: إنّ الله خلقنا من العدم، وإنّما نقول: إنّ الله خلقنا وأوجدنا بعد أن كنّا عدماً، والفرق كبيرٌ بين القولين، ففي الأول يكون العدم هو مصدر الوجود ومادّته، وهذا ممتنعٌ بحكم الاستحالة العقليّة؛ لأنّ العدم واللا شيء لا يكونان أساساً وأصلاً للوجود وللأشياء، وفي القول الثاني، تكون إرادة الله ومشيّته هي مصدر كلّ مخلوق، ومن المعلوم أنّ قدرة الله على الخلق والإيجاد لا تتوقّف على وجود مادّةٍ قديمةٍ لتكون أصلاً لوجود الأشياء، وإنّما يكفي تعلّق إرادة الله بالشيء ليتحقّق وجوده في الخارج، قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].
فبمجرّد تعلّق إرادة الله بالشيء، يخرج من طور العدم إلى طور الوجود، ولا يعني ذلك أنّ العدم كان بمثابة المادّة الأوليّة لذلك الشيء، وإنّما يعني أنّ الله أوجده بمشيّته بعد أن كان عدماً.
في النهاية، فإنّ الإيمان بتعدّد القدماء أو بأزليّة الكون يتعارض مع مفهوم الوحدانيّة ويؤدّي إلى الشرك؛ لأنّ اعتقاد أزليّة الكون يعني اشتراكه مع الله في صفة الأزليّة، وهذا ينافي التوحيد؛ إذ إنّ الخالق وحده هو الذي يتّصف بالأزليّة والوجوب الذاتيّ، بينما المخلوقات حادثة بطبيعتها، محدودة الوجود، ومشروطة بإرادة الله تعالى.
اترك تعليق