هل كان البرقيّ منكراً لإمامة الإمام المهدي؟

السؤال: ذكر البعض بأنَّ البرقيّ كان منكراً لإمامة الإمام المهديّ (عليه السلام)؛ لأنَّ حديث الخضر الذي رواه في المحاسن ليس فيه تعرُّض لأسماء الأئمَّة. كما أنَّ المذكور في الحديث عند النعمانيّ والصدوق هو رجل «من ولد الحسين»، وليس «من ولد الحسن». وكذلك لم يرد عند ذكره (الثاني عشر) أنَّه القائم بأمر أبيه بينما ذُكر هذا الوصف عند ذكر بقيَّة الأئمَّة، وكذلك تمنِّي محمَّد بن يحيى العطَّار مجيء الحديث من غير طريق البرقيّ، فقال له الصفَّار بأنَّه رواه قبل الحيرة، ممَّا يدلُّ على وقوع البرقيّ في الحيرة وإنكاره إمامة الإمام المهديّ (عليه السلام)؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الملاحَظ في هذا السؤال أنَّه تضمَّن أربعة أمورٍ أوهمت السائل بأنَّ البرقيّ ينكر إمامة الإمام المهديّ (عليه السلام)، ولذلك سنعقد الكلام في مناقشة هذه الأمور الأربعة، فنقول ومن الله تعالى التوفيق.

 

الأمر الأوَّل:

من الواضح أنَّ حديث الخضر (عليه السلام) قد رُوي بصيغتين، صيغة مختصرة وأُخرى مفصَّلة، ممَّا يدلُّ على تعدد الرواية وليس وحدتها.

والشاهد على التعدد: هو أنَّ المختصر رواه البرقيّ عن أبيه، عن أبي هاشم الجعفري رفعه عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، بينما روى المفصَّل عن أبي هاشم الجعفري عن أبي جعفر الجواد (عليه السلام) مباشرة، وفيه تصريح بأسماء الأئمَّة (عليهم السلام).

وبناءً على ذلك، فلا يصحُّ القول بأنَّ البرقيّ لم يصرِّح بأسماء الأئمَّة فيه، بل إنَّ الحديث المروي في المحاسن هو المختصر، وأمَّا المروي في غيره من الكتب فهو المفصَّل والمصرَّح فيه بأسماء الأئمَّة (عليهم السلام).

ولو تنازلنا عن فكرة التعدد وقلنا بأنَّه حديث واحد، فلا دلالة في ذلك على إنكار البرقيّ لإمامة الإمام الحجَّة (عليه السلام) أيضاً، لأنَّ الظاهر من سياق الألفاظ الواردة في الحديث المختصر الإشارة إلى جميع الأئمَّة.

فقد جاء فيه: «فقال الرجل: أشهد أنْ لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله، وأشهد أنَّ أباك أمير المؤمنين وصيّ محمَّد حقاً حقاً، ولم أزل أقوله، وأشهد أنك وصيّه، وأشهد أنَّ الحسين وصيّك، حتَّى أتى على آخرهم» [المحاسن ج٢ ص٣٣٢].

فقوله: «حتَّى أتى على آخرهم» يتضمَّن جميع الأئمَّة (عليهم السلام) وآخرهم الإمام المهديّ.

 

الأمر الثاني:

المروي في أكثر الكتب أنَّ المهديّ من ولد الحسن العسكريّ (عليه السلام)، وأمَّا ما ورد في المطبوع من كتابي [الغيبة للنعمانيّ ص٦٨، وعلل الشرائع ج١ ص٩٨] من قوله: «وأشهدُ على رجلٍ من ولد الحسين» فهو مصحَّف جزماً، وذلك لما جاء في أكثر النسخ الخطيَّة لهذين الكتابين من كونه من ولد «الحسن».

 

أمَّا كتاب الغيبة للنعمانيّ، فإنّ أكثر النسخ جاءت بعبارة: «من ولد الحسن»، يمكن مراجعة النسخة المحفوظة في المكتبة الوطنيّة بطهران برقم (٥٨٩٩)، والنسخة المحفوظة في مكتبة الشورى بطهران برقم (٦٩٢٢)، والنسخة المحفوظة في المكتبة الرضويّة بمشهد برقم (٢٥٠٣٣)، والنسخة المحفوظة فيها أيضاً برقم (١٧٥٤)، وتعدّ هذه النسخة الأخيرة أضبط النسخ وأصحّها وأقدمها؛ إذ إنّها كُتبت سنة (٥٧٧هـ).

 

أمَّا علل الشرائع للصدوق، فإنَّ الوارد في جملةٍ من النسخ: «من ولد الحسن»، يمكن مراجعة النسخة المحفوظة في المكتبة الرضويّة بمشهد برقم (٢٠٣٠٣)، والنسخة المحفوظة في المكتبة الوطنيّة الفرنسيّة برقم (٧٢٠٩).

ويدلّ على وقوع التصحيف فيه: أنّ الصدوق أخرج الحديث فيه من طريق أبيه عن سعد عن البرقيّ بإسناده، وقد أخرج الحديث في كتابيه العيون والكمال بعين هذا الطريق بلفظ: «من ولد الحسن»، وكذلك والده فقد أخرجه في كتابه الإمامة بعين هذا الطريق واللفظ.

 

وعليه، فما ورد في المطبوع من كتابي العلل والغيبة هو تصحيف جزماً؛ إذْ إنَّ أكثر النسخ الخطيَّة لهما تضمَّنت عبارة «رجل من ولد الحسن»، وهي المتوافقة مع ما ورد في الكافي وكمال الدين والتبصرة وغيرها من المصادر، ولذلك فلا مجال لجعل ما ورد في مطبوعتي العلل والغيبة علَّة للحكم بالتصحيف في هذه المصادر المشار إليها.

 

ولو سلَّمنا بما جاء في الكتابين المذكورين فهو لا ينافي الاعتقاد بإمامة الإمام المهديّ، لكونه من أبناء الحسين أيضاً، أو كونه لبيان ردِّ العامة الذين يعتقدون بأنَّه من أبناء الحسن المجتبى دون الإمام الحسين (عليهما السلام)، وعلى أيٍّ منهما فلا دلالة في ذلك على الإنكار أو الجهل، كما لا يخفى.

 

الأمر الثالث:

إنَّ عدم وصف الإمام الثاني عشر (عليه السلام) بأنَّه القائم بأمر أبيه في الحديث المفصَّل لا لأجل الإنكار أو الجهل كما قيل، وإنَّما للتقيّة آنذاك، ولذلك ورد في بعض الأخبار المنع من التصريح باسمه وكنيته، ومنها حديث الخضر نفسه، فلاحظ قوله: «وأشهد على رجلٍ من ولد الحسن بن علي، لا يُكنَّى ولا يُسمَّى حتَّى يظهر أمره فيملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً» [الإمامة والتبصرة ص١٠٦، الكافي (دار الحديث) ج٢ ص٦٧٩، عيون أخبار الرضا ج١ ص٦٨، كمال الدين ص٣١٥، الغيبة للطوسيّ ص١٥٥].

 

الأمر الرابع:

إنَّ تمنِّي محمَّد بن يحيى العطَّار مجيء الحديث من غير طريق البرقيّ، وقول الصفَّار له بأنَّه رواه قبل الحيرة [يُنظر: الكافي ج٢ ص٦٨٠] لا يعني وقوع البرقيّ في الحيرة. بل المراد أنَّ العطَّار كان يتمنَّى سماع الحديث من شخصٍ قبل وقوع زمان الحيرة، ليكون إخباره عن ذلك إخباراً عن المستقبل الذي تحقق فعلاً، فقال له الصفَّار: بأنِّي سمعته من البرقيّ قبل زمن الحيرة بعشر سنين، وقد نبَّه على ذلك السيِّد الخوئيّ أيضاً.

قال (طاب ثراه): (إنَّ محمَّد بن يحيى احتمل أنَّ رواية أحمد بن أبي عبد الله كانت بعد وقوع الناس في حيرة من أمر الإمامة، حيث كان جماعة يقولون: بأنَّ الحسن العسكريّ (عليه السلام)، لم يكن له ولد، وكانت الشيعة يعتقدون بوجود الحجَّة (سلام الله عليه)، وأنَّه الإمام بعد أبيه، فودَّ محمَّد بن يحيى أنْ يكون راوي هذه الرواية شخصاً آخر، أي: رجلاً كان من السابقين على زمان الحيرة، ليكون إخباره إخباراً عن المغيَّب قبل وقوعه، فأجابه محمَّد بن الحسن، بأنَّ إخبار أحمد بن أبي عبد الله كان قبل الحيرة بعشر سنين، يعني: إنَّه كان قبل ولادة الحجَّة بخمس سنين، وعلى ذلك فليس في الرواية ما يدلُّ على ذمّ أحمد بن أبي عبد الله أصلاً) [معجم رجال الحديث ج٣ ص٥٣].

 

جلالة البرقيّ:

ثم إنَّ جميع من ترجموا لأبي جعفر البرقيّ لم يذكروا طعناً فيه من جهة إنكاره لإمامة الإمام المهديّ (عليه السلام)، إذْ لو كان لا يعتقد بها لأشاروا إلى ذلك بوضوح، خصوصاً وأنهم قد نبَّهوا على ما هو أدنى من ذلك، كروايته عن الضعفاء واعتبروه قدحاً، فكيف إذا كان منكراً لإمامة الإمام المهديّ (عليه السلام)؟!

وعليه، فذكره من قبل الأعلام من دون الإشارة إلى ذلك يدلُّ بوضوح على أنَّه كان سليم العقيدة من جهة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، وإلَّا لنبَّهوا على ذلك، واعتبروه من أكبر الطعون عليه، كما هو واضح من طريقتهم في أمثال ذلك.

بل نُقل أنَّ الثقة أحمد بن محمَّد بن عيسى بعد أنْ أبعده عن قم أعاده إليها واعتذر منه، وحين مات مشى في جنازته حافياً حاسراً [يُنظر: خلاصة الأقوال ص٦٣].

مما يدلُّ على صحَّة ما قلناه، وإلَّا فلا معنى لفعل ذلك مع شخص لا يعتقد بالإمام الثاني عشر.

 

من ذلك: ما قاله النجاشيّ في حق أحمد بن محمَّد بن خالد البرقيّ: (أبو جعفر، أصله كوفيّ. وكان جدُّه محمَّد بن علي حبسه يوسف بن عمر بعد قتل زيد (عليه السلام)، ثمَّ قتله، وكان خالد صغير السن، فهرب مع أبيه عبد الرحمن إلى برقروذ، وكان ثقة في نفسه، يروي عن الضعفاء واعتمد المراسيل، وصنّف كتباً، منها: المحاسن وغيرها) [رجال النجاشيّ ص٧٦].

 

وقريب منه ما ذكره الشيخ الطوسيّ، والعلَّامة الحلّيّ، وابن داوود الحلّيّ (طاب ثراهم)، وغيرهم من الأعلام [يُنظر: الفهرست ص٦٢، خلاصة الأقوال ص٦٣، رجال ابن داوود ص٤٣].

 

والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ جميع الوجوه المذكورة في السؤال غير دالَّة على إنكار البرقيّ لإمامة صاحب الزمان (عليه السلام)، بل المعطيات العلميّة تدلُّ على عقيدته الكاملة بإمامة الإمام المهديّ (عليه السلام)..

والحمد لله ربِّ العالمين.