هل كتب المقاتل المتأخرة معتبرة؟
السؤال: يتداول كثير من الخطباء وغيرهم أحداثاً ترتبط بعاشوراء لم ترد في مصادر متقدّمةٍ كإرشاد المفيد، والملهوف لابن طاووس ونحو ذلك، وإنَّما وردت في مصادر متأخرةٍ مثل منتخب الطريحيّ وروضة الشهداء، وثمرات الأعواد ونحوها. فما مدى إمكانية التعويل على هذه المصادر؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم – أيدك الله – أنَّ ما يذكره وعّاظ المنابر الحسينيَّة ومنشدو المراثي من أحداث فاجعة الطف، الواردة في المصادر المتأخرة، تندرج تحت قاعدة التسامح في العمل بالخبر الضعيف في القصص، والمواعظ، وفضائل الأعمال، حيث لا يبلغ الضعف حدّ الوضع والاختلاق، كما هو مشهورٌ بين العلماء المحقِّقين، على ما حكاه الشهيد الثاني (قدَّس سرُّه) قال:
(وجوَّزَ الأكثر العمل به ـ أي بالخبر الضعيف ـ في نحو: القصص، والمواعظ، وفضائل الأعمال، لا في نحو: صفات الله المُتعال، وأحكام الحلال والحرام) [الرعاية في علم الدراية ص٩٤].
والمراد من «العمل به في القصص والمواعظ» - على ما صرَّح به الشيخ الأعظم الأنصاريّ (قدَّس سرُّه) – هو جواز نقله واستماعه وضبطه في القلب، وترتيب الآثار عليه من البكاء والحزن وما شابه، وذكر عدّة شروط، وهي:
1ـ أنْ لا يتعلّق الخبر بالأحكام الفقهيَّة والعقائد، وإنَّما في القصص، وحكاية فضائل الأئمَّة ومصائبهم (عليهم السلام)، وفضائل الأعمال ونحو ذلك.
2ـ أنْ يكون العمل بوقوع الخبر من دون نسبته إلى الحكاية على حدّ الجزم بوقوعه بالطرق المعتبرة، كأن يقال مثلاً: «كذا نزل بمولانا الحسين (عليه السلام) كذا وكذا». وإنَّما يقال: «رُوي أنَّ مولانا الحسين (عليه السلام) نزل به كذا وكذا».
3ـ أنْ لا يكون الخبر كاذباً، ويجوز على نحو حكاية الكذب، أي نقله مع بيان أنَّه كذب؛ لأنَّ حكاية الكذب ليست كذباً.
قال الشيخ الأنصاريّ:
(المراد بالخبر الضعيف في القصص والمواعظ هو نقلها واستماعها وضبطها في القلب وترتيب الآثار عليها، عدا ما يتعلّق بالواجب والحرام. والحاصل: أنَّ العمل بكل شيءٍ على حسب ذلك الشيء، وهذا أمر وجدانيّ لا يُنكر، ويدخل حكاية فضائل أهل البيت عليهم السلام ومصائبهم، ويدخل في العمل الأخبار بوقوعها من دون نسبة إلى الحكاية على حدّ الأخبار بالأمور الواردة بالطرق المعتبرة، بأن يقال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يُصلّي كذا ويبكي كذا، ونزل على مولانا سيِّد الشهداء عليه السلام كذا وكذا، ولا يجوز ذلك في الأخبار الكاذبة، وإنْ كان يجوز حكايتها، فإنَّ حكاية الخبر الكاذب ليس كذباً، مع أنَّه لا يبعد عدم الجواز إلَّا مع بيان كونها كاذبة) [رسائل فقهيَّة ص١٥٧].
وبالإضافة إلى ما تقدَّم، أنَّ نقل المصادر المتأخرة لأحداث فاجعة الطف من دون الإشارة إلى وجودها في المصادر القديمة لعلَّه بسبب ضياع تلك المصادر مع بقاء الموروث محفوظاً في الصدور، أو عدم عثور المتقدِّمين على تلك الأخبار وعثر عليها المتأخِّرون فنقلوها بالإرسال.
ويمكن أن يرتكز التعويل عليها لوجهين:
1ـ أنَّ المصادر القديمة التي أُلِّفت في أزمنة متقدِّمةٍ ضاعت ولم تصل إلينا، فمن الممكن جدًّا أن يكون كثيرٌ من مضامينها قد بقي في الصدور، يتناقله الناسُ جيلاً بعد جيل، ثم أُودعت بنحوٍ مُرسَل في بعض المقاتل المتأخِّرة [من وحي الطف ص٧٨].
2ـ أنَّ بعض المصادر التي فُقدت لم يتمكّن المتقدِّمون من العثور عليها لسببٍ من الأسباب، في حين تمكّن المتأخِّرون من الوصول إليها، وقاموا بإيداعها في كتبهم بنحو مُرسَل، مثلما عثر المُحدِّث النوريّ (طاب ثراه) على مجموعةٍ من الأصول الأربعمائة، وكذلك السيِّد الكوهكمريّ، ومن قبلهم ابن إدريس الحلّيّ [يُنظر: دروس تمهيديَّة في القواعد الرجاليَّة ص١١٧].
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوّلاً وآخراً
اترك تعليق