هل وصيّة النبيّ (ص) بأهل البيت (ع) نظير وصيّته بالأنصار؟

السؤال: يروي صاحب "نهج البلاغة" أنّ عليّاً لمّا بلغه ادّعاء الأنصار أنّ الإمامة فيهم قال: «فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول الله (ص) وصّى بأن يُحسن إلى مُحسنهم ويتجاوز عن مسيئهم؟! قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟ قال: لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصيّة بهم». فيقال للشيعة: وأيضاً أوصى النبيّ (ص) بأهل البيت (ع) في قوله: «أذكّركم الله في أهل بيتي»، فلو كانت الإمامة حقّاً خاصّةً لهم دون غيرهم لم تكن الوصيّة بهم.

: الشيخ حسين العابد

الجواب:

إيضاحاً للمسألة لعموم القرّاء يحسن أن نفصّل الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في بيان احتجاجه (ع) على الأنصار:

ورد في [نهج البلاغة ص165]: «لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين (ع) أنباءُ السقيفة بعد وفاة رسول الله (ص)، قال أمير المؤمنين (ع): ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منّا أمير ومنكم أمير. قال (ع): فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول الله (ص) وصّى بأن يُحسن إلى محسنهم، ويُتجاوز عن مسيئهم؟ قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟ فقال (ع): لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصيّة بهم» [نهج البلاغة ص165].

توضيح: أراد أمير المؤمنين (ع) أنْ يحتجّ على الأنصار في ادّعائهم الرئاسة من خلال تذكيرهم بقيام النبيّ (ص) في مرضه الأخير بإيصاء المهاجرين العنايةَ بهم، وذلك بالإحسان إليهم والعفو عنهم عند الإساءة، وهي وصيّة رعايةٍ وتكفّل. وقد ساق (ع) احتجاجه في صورة قياسٍ استثنائيٍّ على الشكل التالي: لو كانت الإمارة في الأنصار لما أوصى النبيّ (ص) لنا بهم بما تقدّم، لكنّه (ص) قد فعل، إذن: الإمارة والرئاسة ليست فيهم.

بيان الملازمة: أنّ عُرف العقلاء قاضٍ أنّ التوصية بالإحسان والتشفّع للعفو يكون إلى الرئيس بحقّ المرؤوس، لا العكس، ما يعني أنّ الرئاسة ليست في الأنصار، بل في المهاجرين.

وأمّا وصيّة النبيّ (ص) بالأنصار فهي مرويّة عند الفريقين، روى البخاريُّ عن أنس بن مالك أنّ النبيّ (ص) قام خطيباً في مرضه، وممّا قال: «أوصيكم بالأنصار، فإنّهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» [صحيح البخاري ص931. وينظر: شرح النهج لابن ميثم ج2 ص184ـ185].

المقام الثاني: في توضيح الشبهة، وردّها:

الذي أراد قوله المستشكل: أنّ النكتة التي احتجّ بها أمير المؤمنين (ع) على الأنصار لنفي الرئاسة عنهم حاصلةٌ في أهل البيت (ع) أيضاً؛ إذ أوصى النبيّ (ص) بأهل البيت (ع) كما أوصى بالأنصار؛ في قوله (ص): «أذكّركم الله في أهل بيتي»، وعليه ينبغي الالتزام بأنّه: لو كانت الإمارة فيهم (ع) لما كانت الوصيّة بهم، وإذ كانت الوصيّة بهم فليست الإمارة فيهم.

والجواب عن ذلك في التالي:

أوّلاً: إنّ وصايا النبيّ (ص) في أهل بيته (ع) تختلف في موضوعها ومضمونها عن وصيّته (ص) بالأنصار، فهي ليست دعوةً للرعاية والتكفّل، ولا تحمل معنى الإيصاء بهم إلى غيرهم، كما في وصيّته بالأنصار، بل على العكس تماماً؛ إذ كانت جميع وصاياه فيهم تأكيداً على مكانتهم الخاصّة وبيان حقوقهم، والتي منها حقّهم في القيادة والاتّباع. بل من يطالع النصوص الواردة بشأنهم في مصادر الفريقين، يجدها تتّجه في مقصدين واضحين:

الأوّل: في الدلالة على إمامتهم ووجوب اتّباعهم؛ كآية الولاية، وحديث الغدير، وحديث المنزلة، وحديث الثقلين، وغيرها.

الثاني: في بيان مكانتهم وتفصيل سائر حقوقهم؛ كآية المباهلة، وآية المودّة، وآية التطهير، وحديث الكساء، وسدّ الأبواب، وغيرها.

وثانياً: أمّا ما روي عن النبيّ (ص) أنّه قال: «أذكّركم الله في أهل بيتي» فهو مجتزأ من رواية مسلم لحديث الثقلين، وجاء فيها أنّ النبيّ (ص) قد كرّر قوله ذلك ثلاثاً، وبغضّ الطرف عن عدم إمكان إلزام الشيعة بالصياغة التي نقلها مسلم للحديث؛ كونها من مختصّات ما روى أهل السنّة، فإنّ هذه العبارة ليس في معناها طلب الرعاية والتكفّل والإيصاء بهم (ع) إلى غيرهم، وإنّما قصد (ص): أنِ اخشوا الله تعالى في حقوق أهل بيتي وارقبوه في ذلك؛ باعتبار أنّ خوف الله سبحانه في شيءٍ إنّما يكون بالتحفّظ على حقوقه.

وهذا المعنى واضحٌ عند من له درايةٌ في اللغة، وقد صرّح بذلك بعض علماء السنّة، قال الملاّ عليّ القاري: (والمعنى: أنبّهكم حقّ الله في محافظتهم ومراعاتهم واحترامهم وإكرامهم ومحبّتهم ومودّتهم. وقال الطيبيّ: أي: أحذّركم الله في شأن أهل بيتي وأقول لكم: اتّقوا الله ولا تؤذوهم واحفظوهم) [مرقاة المفاتيح ج9 ص3967]. وقال ابن عثيمين: (وقوله: «أذكّركم الله في أهل بيتي»، يعني: اعرفوا لهم حقّهم، ولا تظلموهم ولا تعتدوا عليهم) [شرح رياض الصالحين ج3 ص227].

وثالثاً: منهجيّاً ينبغي أن يُوضع هذا المُجتزأ من رواية مسلم ضمن نصّه الكامل، ثمّ يُقرأ إلى جانب الكثير من الروايات المعتبرة لحديث الثقلين عند أهل السنّة، وبالرجوع إلى تلك النصوص يتّضح بشكلٍ جليٍّ أنّ النبيّ (ص) قد أمر وأوصى بالتمسّك بالكتاب وأهل البيت (ع) واتباعهما، ونبّه ضمنه بأنّ الهدى والنجاة مرهونان بهما، والضلال والهلاك في الافتراق عنهما، فلا يبقى شكٌّ في معنى قوله (ص): «أذكّركم الله في أهل بيتي» في رواية مسلم، ويتّضح عن أيّ حقٍّ من حقوقهم كان (ص) يؤكّد ويوصي فيه.