كيف يكون الإمام لنا عصمة وملاذاً؟
السؤال: في دعاء الندبة نخاطب إمامنا (عج): «اللهُمَّ وَنَحنُ عَبِيدُكَ التّائِقُونَ إلى وَلِيِّكَ، المُذَكِّرِ بِكَ وَبِنَبِيِّكَ، خَلَقتَهُ لَنا عِصمَةً وَمَلاذاً، وَأقَمتَهُ لَنا قِواماً وَمَعاذاً...». كيف نحقق العصمة لأنفسنا به، ويكون لنا الملاذ والمعاذ في هذه الدنيا الفانية وفي ظل الشبهات وميل الناس لعبادة المادة؟
الجواب:
هذا السؤال في جوهره ناشئٌ من عدم استيعاب المقصود من لغة الدُّعاء ومقام الإمام المعصوم (عجل الله فرجه الشريف). فعندما يصف دعاء الندبة الإمام بأنّه «عصمة وملاذاً وقواماً ومعاذاً»، لا يعني ذلك أنّ العصمة تنتقل من الإمام إلى المؤمن بحيث يصبح معصوماً مثله، وإنما المقصود أنّ الإمام بصفته حجة الله المعصومة هو المرجع الأمين والميزان الثابت الذي يُحفظ به الدين من التحريف، ويُحفظ به المؤمن من الانحراف، فالمؤمن حين يتخذ الإمام قدوةً ومعلماً وموجهاً، يصير محفوظاً بقدر ما يلتزم بهذا النهج، فالأمر أشبه بالإنسان الذي يمسك حبلاً متيناً، فهذا الحبل لا يمنحه قوة ذاتية، لكنه يحفظه من السقوط لو تمسّك به. وهكذا هو الإمام، حبل الله الممدود الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} [آل عمران: 103].
ومن هنا يظهر معنى الملاذ والمعاذ، فالمؤمن في زمن الفتن والانحرافات والشبهات يلجأ إلى الإمام المعصوم ليأوي إلى ظلّ ولايته، فيجد الطمأنينة واليقين.
صحيحٌ أنّ الغيبة تحجب اللقاء المباشر، إلَّا أنّ الإمام حاضٌر بروحه ونوره وهدايته ورعايته، وقد جعل الله له وسائل يحفظ بها أولياءه من الانهيار، فجعل العلماء العدول الأمناء على أحاديثهم امتداداً لولايته في زمن الغيبة، كما جاء في التوقيع الشريف: «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنَّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله» [كمال الدين ص484]. فبهذا الارتباط تبقى الأمة في معاذٍ آمن، وتظلُّ محميَّةً من الانجراف وراء الأهواء.
وعلى المستوى العمليّ، فإنَّنا نحقق العصمة لأنفسنا به حين نجعل من كلماته وتوجيهاته ونهج آبائه الطاهرين ميزاناً نحتكم إليه في مواجهة كلِّ شبهةٍ وكلّ تيَّار. فإذا عرضت علينا الماديات أو أغرتنا الشهوات، ذكرنا الإمام بالله ورسوله، وإذا تعاظمت الشبهات الفكريَّة عدنا إلى منظومته في المعرفة التي تحصّن القلب والفكر. فالاعتصام المستمر بهذا النهج يجعل المؤمن محصناً وإن لم يبلغ مقام العصمة.
أما الميل العام لعبادة المادة في هذا العصر، فليس بدعاً من التاريخ، فقد وصف القرآن من قبل أقواماً قالوا: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْر} [الجاثية: 24]. وهنا يظهر دور الإمام في كونه الضمانة التي تذكّر الإنسان بمعنى الحياة وغايتها، وأنَّ وراء الدنيا الفانية وعد الله بالاستخلاف ونصرة الحق، وأنَّ الغيب حقيقة ممتدة لا وهم زائل. فوجود الإمام بحد ذاته شاهد حي على أنّ الحياة ليست مغلقةً على المادة، بل لها امتداد إلى الآخرة ووعد الله.
ولذلك كان وصف الإمام في الدعاء بأنه «المذكّر بك وبنبيك» مفتاحاً لفهم العبارة كلها، فهو عصمةٌ لنا لأنه يذكّرنا بالله ورسوله ويعيدنا دائماً إلى النبع الصافي. فلو اتخذ الناس غير الإمام مرجعاً، لوقعوا في عبادة الأهواء والمادة، أما من اتخذه ولياً وملاذاً، فقد ربط وجوده كلَّه بذكر الله ورسوله، وبذلك نجا من الضياع.
وفي المحصلة، المقصود أنَّ الإمام هو الحصن الذي من لجأ إليه نجا من الانحراف، وهو الملاذ والمعاذ الذي يحفظ الإيمان صافياً نقياً، والميزان الذي يقي القلوب من عبادة الدنيا. فهي ليست مبالغة شعرية، وإنما وصف دقيق لحقيقة الولاية التي تجعل المؤمن محفوظاً ومحصناً ببركة التمسك بالإمام، وإنْ لم يبلغ مقام العصمة.
اترك تعليق