إذا كانت معرفة الله فطرية لماذا لا يهتدي الجميع؟
السؤال: إذا كانت لدى كلّ إنسانٍ فطرةٌ أودعها الله سبحانه وتعالى عنده تدله على الخالق، لماذا لا يهتدي قبائل وأقوامٌ وناسٌ كثيرون؟ ولماذا يعبدون الأوثان والحيوان لحدّ الآن؟
الجواب:
الفطرة هي أساس المعرفة الإلهيَّة، ومع ذلك لا تستغني تلك المعرفة الفطريَّة عن تذكير المذكرين وتنبيه العارفين، فمع كون المعرفة ثابتةً في واقع الفطرة، إلَّا أَّنها محجوبة بحجب الغفلة والهوى، فلا تستقيم إلا بالتنبيه والتذكير.
فوجود الله ليس أمراً نظرياً يفترضه العقل ثم يحاول البرهنة عليه، وإنما هو حقيقةٌ ثابتةٌ في واقع الفطرة، ولولا ذلك لاستحال على الإنسان معرفة الله تعالى، ففي الحديث قال: «سألت أبا جعفر (ع) عن قول الله عزّ وجل: {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها} قال: فطرهم على معرفة أنه ربهم، ولولا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم ولا من رازقهم» [المحاسن ج1 ص241].
فالله تعالى صبغ العباد بصبغته، وفطرهم على معرفته، فصاروا عارفين به عرفاناً بسيطاً، لا يعرفون أنَّهم يعرفون، فلا يستغنون عن تذكرة المذكرين وتنبيه العارفين، قال الله تعالى: {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها} [الروم: 30]، وقال: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138].
والذي يؤكّد ذلك أنَّ جميع روايات أهل البيت (ع) صريحةٌ في ذلك:
فعن زرارة قال: «سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله: {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها} قال: فطرهم جميعاً على التوحيد» [الكافي ج2 ص12].
وعنه قال: «سألت أبا جعفر (ع) عن قول الله: {حُنَفاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}، ما الحنيفية؟ قال: هي الفطرة التي فطر الناس عليها، فطر الله الخلق على معرفته» [الكافي ج2 ص12].
وعن عبد الأعلى، قال: «قلت لأبي عبد الله (ع): هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال: لا، قلت: فهل كُلِّفوا المعرفة؟ قال: لا، على الله البيان، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، و{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}» [الكافي ج1 ص163].
وعن بريد العجلي، عن الصادق (ع) قال: «ليس لله على خلقه أن يعرفوا قبل أن يُعرّفهم، وللخلق على الله أن يُعرّفهم، ولله على الخلق إذا عرّفهم أن يَقبَلوه» [التوحيد للصدوق ص412].
والقرآن الكريم في جميع آياته قائمٌ على أنَّ المعرفة فطرية؛ ولذا يعتمد في منهجه على الذكر والتذكرة، فهو لا يعتبر الله أمراً غائباً مجهولاً يريد إثباته كأي فرضية أو نظرية، وإنما يُذكّر ويدعو الناس إلى ربهم الظاهر بذاته، يقول تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ} [المائدة: 7]، وقال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ} [الواقعة: 62].
بل إنَّ كلَّ آيات القرآن قائمةٌ على التذكّر، قال: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21-22]، و{إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} [يس: 69]، و{إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعالَمِينَ} [التكوير: 27]، و{طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه 1-3].
ومهمة الأنبياء والأولياء هي تذكير الناس وإيقاظ الفطرة فيهم، يقول أمير المؤمنين (ع) واصفاً مهمة الأنبياء عليهم السلام جميعاً: «فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياؤه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويُذكّروهم مَنسِيَّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول ويُرُوهم آيات المقدرة» [نهج البلاغة ج1 ص23].
ويأتي في هذا السياق التفكر في آيات الكون والنفس قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]، ولا يعني أنَّ آيات الكون والأنفس أكثر ظهوراً ووضوحاً من الله تعالى، وإنّما هي منبّهةٌ ومُذكّرةٌ بتلك المعرفة التي فطر الله العباد عليها، وهي مقام تعريف الله تعالى نفسه للعباد، فعندما يتأمل الإنسان في مظاهر الخلق، يستنطق فطرته التي حجبتها الغفلة، فيرى الله ظاهراً بذاته ومُعرّفاً عن نفسه، كما يجد الإنسان تلك المعرفة واضحةً عند الشدائد والمحن، فعندها تنقشع الحجب ليرى الإنسان ربَّه.
وفي رواية: «قال رجلٌ للصادق (ع): يا ابن رسول الله، دُلَّني على الله، ما هو؟ فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيّروني، فقال له: يا عبد الله، هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم، قال: فهل كُسِرَ بك حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم، قال: فهل تعلّقَ قلبك هناك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ فقال: نعم، قال الصادق (ع): فذلك الشيءُ هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث» [تفسير العسكري ص22، التوحيد ص231].
فالمصاعب والكوارث التي تصيب الإنسان تذكره بالله تعالى وترجعه إلى فطرته، فلو لم تكن المعرفة حقيقةً فطريَّةً جبل عليها الإنسان، كيف يستذكر الكافر ربّه عندما يشارف على الهلاك؟
وعليه، فإنَّ الأمر بالتدبّر في آيات الكون لا يفهم على أنَّه أمرٌ بالتفكر في ذات الله، أو أنَّ التفكر هو الذي يحقق معرفةً لم تكن موجودةً من قبل في الفطرة، فآيات الكون ليست مُعرّفات وكاشفات عن حقيقة مجهولة، وإنما هي بمثابة منبهات ومذكرات بتلك المعرفة التي فطر الله العباد عليها.
وعلى ذلك يكون دور العقل في معرفة الله هو الإقرار والإيمان والتصديق، بما عرَف من الحق المبين، وهي فريضةٌ ذاتيةٌ يستقل بها العقل الضروري، وهو ملاك التكليف؛ لأن بها تتم حجة الله على العباد، ويتحقق الثواب والعقاب، فإذا امتثل الإنسان إلى أوامر الله، واجتنب وساوس الشيطان، يفتح الله له أبواب رحمته ويزيده في معرفته، أما الكافر الجاحد فيطبع الله على قلبه، ويخذله ويوكله إلى نفسه.
وفي المحصلة، إذا جاز لنا القول: إنَّ الفطرة شعورٌ عميقٌ بالمخلوقية والفقر، وإحساس الإنسان الدائم بحاجته لله الخالق والمالك لكلّ شيء، فذلك لأنَّ هذا الشعور متأصلٌ في جميع البشر، ولكنَّه لا يقود جميع البشر بالضرورة لمعرفة الإله الحق، وإنّما يكفي إحساسهم الوجوديّ به، بعد ذلك إما أنْ يتدخل ذلك الخالق ليرشد الناس لنفسه، وإما أنْ يختار الإنسان لنفسه إلها.
والذي يؤكّد الخيار الأول وجود الأنبياء والمرسلين الذين يدعون الناس للإله الحق، وما يؤكّد الخيار الثاني هو وجود هذه الأديان الوثنيَّة وغيرها التي اختارت لنفسها آلهة استجابة لنداء ذلك الإحساس، بل حتى الإنسان الملحد قد لا يخرج من هذه المعادلة؛ فرفضه لفكرة الإله وكفرانه ليس إلَّا تمرداً على ذلك الإحساس الذي يشعره بالفقر والحاجة لخالقه، فبدل أن يخضع له، نجده يعمل على تعظيم ذاته في محاولة لطرد ذلك الإحساس الذي يلاحقه.
اترك تعليق