كيف ينقطع نسل آل محمد رغم وجود الإمام الباقر (ع)؟

السؤال: كيف يتم توجيه الكلام المنسوب للإمام الحسين (ع) الذي قاله لأخته أمّ كلثوم لما أراد الإمام زين العابدين (ع) الخروج إلى القتال: «يا امّ كلثوم ردّيه لئلَّا ينقطع نسل آل محمّد» رغم وجود الإمام الباقر (ع) في كربلاء؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم ـ أيدّك الله - أنَ هذا النص قد نقله الخوارزميُّ – وهو من العامّة -، فإنّه ذكر: «.. فخرج عليُّ بن الحسين (ع) - وهو زين العابدين، وهو أصغر من أخيه عليّ القتيل -، وكان مريضًا لا يقدر على حمل سيفه، وأمُّ كلثوم تنادي خلفه: يا بُني ارجع، فقال: يا عمَّتاه، ذريني أُقاتل بين يدي ابن رسول الله (ص)، فقال الحسين (ع): يا أمَّ كلثوم، خذيه وردِّيه، لا تبق الأرضُ خاليةً من نسلِ محمَّد (ص)» [مقتل الحسين (ع) ج2 ص32]. ونقله عنه العلّامة المجلسيّ في [بحار الأنوار ج45 ص46].

ويلاحظ بخصوص هذا الخبر:

أولاً: أنّ الخوارزميّ انفرد بنقل هذه القضيّة، ولم نجدها في كلّ مصادر الفريقين التي سردت المقتل الحسينيّ، وكلّ مَن سردها ممن جاء بعده فإنّما أخذها عنه.

والمقتل الحسينيّ نقله جمع من أصحابنا كالمفيد والطبرسيّ وغيرهما، من دون هذه الزيادة.

كما أنَّ المقتل الذي ينقله الطبريّ هو رواية أبي مخنف عن حميد بن مسلم، ليست فيها هذه الزيادة [ينظر: تاريخ الطبريّ ج5 ص446]، مع أنّ أصل مقتل الخوارزميّ مأخوذٌ من الطبريّ، من رواية أبي مخنف.

قال الخوارزميّ: «قال حميد بن مسلم: لكأنّي أنظر إلى امرأةٍ خرجت.... قال: وخرج غلامٌ من تلك الأبنية... فخرج عليّ بن الحسين – وهو زين العابدين، وهو أصغر من أخيه عليّ القتيل -، وكان مريضاً.... إلى آخره».

وثانياً: إنّ ظاهر عبارة: «لا تبق الأرضُ خاليةً من نسلِ محمَّد (ص)» هو انحصار نسل النبيّ الأكرم (ص) في الإمام السجّاد (ع).

ولكن هذا معارض من جهتين:

1ـ الأخبار الدالة على أنّ الإمام الباقر (ع) كان حيَّاً في حياة جدّه سيد الشهداء (ع)، من ذلك: ما رواه الكلينيُّ بسندٍ موثقٍ عن زرارة، قال: «قلت لأبي جعفر (ع): قد أدركتَ الحسين (ع)؟ قال: نعم، أذكر وأنا معه في المسجد الحرام وقد دخل فيه السيل...» [الكافي ج4 ص223]. ورواه الصدوق بسند صحيح عن زرارة في [من لا يحضره الفقيه ج2 ص243]. كما توجد نصوص أخرى سيأتي ذكرها.

بل ورد في بعض النصوص حضوره في كربلاء:

مثل: رواية علي بن أسباط مرفوعاً عن الباقر (ع) قال: «كان أبي مبطوناً يومَ قُتل أبو عبد الله الحسين بن عليّ (ع) وكان في الخيمة، وكنتُ أرى موالينا كيف يختلفون معه يتّبعونه بالماء، يشدّ على الميمنة مرّة، وعلى الميسرة مرّة، وعلى القلب مرّة...» [الأصول الستة عشر ص339].

ومثل: نقل اليعقوبيّ – في ترجمة الإمام الباقر (ع) –: (قال أبو جعفر: «قتل جدي الحسين ولي أربع سنين، وإني لأذكر مقتله، وما نالنا في ذلك الوقت») [تاريخ اليعقوبي ج2 ص320].

2ـ الأخبار الدالة على وجود أبناء الإمام الحسن المجتبى (ع) في يوم عاشوراء أحياء، ومنهم انتشرت الذرية الحسنية في رباع المعمورة. فإنّ الحاضرين من أولاد الإمام الحسن (ع) في كربلاء، كانوا خمسة أشخاص، ثلاثة منهم استشهدوا وهم: القاسم، وعبد الله الأكبر، وعبد الله الأصغر، وشخصان نجيا، وهما: عمرو بن الحسن، والحسن بن الحسن المعروف بالحسن المُثنّى، وهناك أبناء آخرون لم يحضروا مع عمهم الإمام الحسين (ع)، في واقعة كربلاء.

وثالثاً: يمكن الجمع بين وجود الإمام الباقر (ع) وبين هذا النصّ الذي نقله الخوارزميّ، بأحد هذين الوجهين:

1ـ يمكن الجمع بأن الإمام الحسين (ع) أراد بقوله المتقدم حفظ حياة الإمام زين العابدين (ع) لكلا ينقطع نظام سلسلة الحجج الاثني عشر، إذ لو قُتل الإمام زين العابدين (ع) في يوم عاشوراء لانتفى دور إمامته المرسوم له، وبذلك تبطل سلسلة الحجج الثابتة في بيانات الثقلين، وقد تم تفصيل الجواب عن ذلك بعنوان: (تواترُ النصوصِ على الأئمّةِ الإثني عشر).

هذا، وقد ذكر العلامة الدربنديُّ ما يدلُّ على هذا المعنى حيث نقل قول الامام الحسين (ع) بلفظ: «وحاشا اللّه عزّ وجلّ شأنه، أن يبقي الأرض بلا حجة من نسلي». ثم قال:

(فإن قلت: ما تقول في توجيه هذه الأخبار الناطقة بأن سيد الساجدين زين العابدين (ع) لو كان مقتولاً في ذلك اليوم لانقطع نسل سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين (ع) وكانت الأرض خالية عن حجة الله (عز وجل)؟

فهذا - كما ترى - ينافي الأخبار والآثار الواردة في أن محمد بن علي بن الحسين (ع) كان في يوم الطف، وهو في ذلك اليوم ابن خمس سنين أو ما يقرب منها، وقد ورد في خبر موثوق عن زرارة قال: «قلتُ لأبي جعفر الباقر (ع): أدركت الحسين بن علي (ع)؟ قال: نعم اذكر وأنا معه في المسجد الحرام وقد دخل فيه السيل».

وبالجملة، فإن وجود محمد بن علي بن الحسين (ع) في ذلك اليوم مما لا ريب فيه، وكون الحجة من نبي وامام في السن الذي هو أقل من خمسة عسر سنة بل عشر سنين أيضا، مما لا بأس فيه، فهذا عيسى بن مريم كان حجة ونبيا وهو صبي في المهد، وان جمعا من الأئمة (ع) قد انتقلت إليهم الإمامة وهم في سن الصبوة.

قلت: إنَّ التوفيق والجمع بين الأخبار مما لا صعوبة فيه، وبيان ذلك، أنَّ كون سيد الساجدين زين العابدين (ع) هو الإمام بعد أبيه سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (ع) ممَّا كان مقدَراً عند الله تعالى ومما لا يتطرق إليه البداء، وقد أخبر بذلك النبي (ص) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (ع) مرات عديدة وقد كان ذلك مكتوبا في صحيفة الصديقة الطاهرة المعصومة فاطمة الزهراء (ع).

فلو كان زين العابدين وسيد الساجدين (ع) مقتولاً في ذلك اليوم لكانت الأزمنة التي قدر ان يكون الإمام (ع) فيها هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) خاليةً من حجة الله تعالى، وان كان حجة الله الذي هو الإمام (ع) بعد انقضاء تلك الأزمنة موجوداً في تلك الأزمنة نفسها أيضاً؛ لوجود فيما بعدها وهو محمد بن علي بن الحسين (ع).

فمن هنا يعلم أيضاً معنى كلام سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (ع): «ما كان الله ليقطع نسلي من الدنيا»، أي النسل الذين يكونون حجج الله تعالى في أرضه وتنتقل إليهم الإمامة على نهج الترتيب في صحيفة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع)، فهذا هو التوفيق والجمع بين الأخبار [إكسير الشهادات ج٢ ص٧٨٠].

2ـ يمكن الجمع أيضاً: بتقدير (الكثرة)، أي: لا تبق الأرضُ خاليةً من كثرة نسلِ محمَّد؛ إذ استمرار أصل النسب المحمدي إلى يوم القيامة ضرورة، فحتى لو كان الباقر (ع) موجوداً، فإن بشهادة السجاد (ع) ستخلو الأرض من بقية نسل السجاد (ع) الذي سيولد بعد عاشوراء، فإن له (ع) أكثر من (10) أولاد وُلدوا بعد عاشوراء، وكان من ثمرتهم السادة الحسينيون المنتشرون في العالم، وقد تسنموا مناصب علمية رفيعة في العالم الإسلاميّ.

نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولاً وآخرا