هل كان جعفر الكذاب مظلوماً؟

السؤال: ادّعى أحدهم: أن جعفر بن علي الهادي كان مظلوماً، حيث قام بالصلاة على أخيه الحسن العسكريّ وتقسيم تركته بعد وفاته. ومع عدم ظهور ولدٍ للحسن، ألتف بعض الإماميَّة حوله وقالوا بإمامته، مما أدّى في الاثني عشرية لاختلاق مروياتٍ مرفوعةٍ وموقوفةٍ في ذمه في عصر الغيبة. فكيف نرد على مثل هذا الادعاء؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم – أيدك الله – أنَّ صاحب الدعوى حاول عبثا إثبات نزاهة جعفر بن عليّ الكذاب الذي اشتهرت فيه الأخبار في كتب الإماميَّة أنّه كان مذموماَ، وقد جعل المستشكل منشأ الخطأ على جعفر هو ادعائه الإمامة وادعاء جماعة الإمامة له، ورام بذلك نفي وجود ولدٍ للإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام). لمّا لم يستطع ردَّ البراهين التي أثبتها أساطين الإماميَّة «اعلى الله برهانهم» في خبر الإمام الثاني عشر (عليه السلام).

فإذا كان كلُّ من يُدعى له الإمامة يلزم الطعن فيه، فسيكون الأمر كما ادعت الزيديَّة الإمامة لزيد بن زين العابدين (عليه السلام)، والاسماعيلية لإسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام)، والمحمدية لمحمد بن علي الهادي (عليه السلام)، مع أن زيداً وإسماعيل ومحمداً جميعًا لهم مكانةٌ كبيرةٌ وجلالة قدر عند الإماميَّة.

ثم هذا المدّعي لم يقدَّم دليلًا يثبت فيه جلالة جعفر المذكور وصلاح امره بدليلٍ جليٍّ وبرهانٍ واضحٍ، بل هو مجرد ادعاء من اجل الطعن على الإماميَّة في مسألة الإمام الثاني عشر (عليه السلام).

وإنْ كان بعض الشيعة اعتقد بإمامته، فإن هذا لا يعني أنه كان صالحًا ومؤهلا لمنصب الإمامة الكبرى. بل عامة الشيعة الإماميَّة لم يروه يصلح لمنصب الإمامة، لما وجدوا فيه من الفسق الظاهر والاعلان به.

وقد استندوا في رد المخطيئن في انتحال إمامته بنفس ما ردوا به على الفطحيَّة، القائلين بامامة عبد الله بن جعفر الأفطح بما روي من أخبار عن أئمة الهدى (عليهم السلام) والتي تشير إلى عدم جواز الإمامة في أخوين بعد الحسنين (عليهما السلام) [انظر: الكافي ج1 ص285].

ثم حتى أولئك الذين اعتقدوا بإمامة جعفر كانوا في حيرة بشأنه، حيث قال البعض منهم إنه يأتي بعد أخيه محمد، بينما قال آخرون إنه يأتي بعد أخيه الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، وآخرون قالوا إنه يأتي بعد أبيه الإمام علي الهادي (عليه السلام) [كمال الدين ج ١ ص٨٣].

ثم الذي غفل عنه المستشكل أن الفرقة التي زعمت له الإمامة انقرضت سريعاً لمَّا ظهر بطلان ادعائه الإمامة ورجع الكثير منهم إلى مذهب الأثني عشرية كما قال الشيخ المفيد: (وليس مِن هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقةٌ موجودة في زماننا هذا، وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة إلَا الإماميَّة الاثنا عشرية القائلة بإمامة ابن الحسن المسمَّى باسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف، حسبما شرحناه فيما تقدَّم عنهم، وهم أكثر فرق الشيعة عدداً وعلماء ومتكلِّمين ونظَّاراً وصالحين وعبَّاداً ومتفقِّهة، وأصحاب حديث، وأُدباء وشعراء، وهم وجه الإماميَّة ورؤساء جماعتهم والمعتمَد عليهم في الديانة [الفصول المختارة ص321].

ولجعفر أخبارٌ كثيرةٌ في ذمّه أعرض عن ذكرها أعلام الطائفة المحقة مراعاة لأبنائه الذين رجعوا إلى الحق حيث قال المفيد بعد ذكر بعض أفعاله: (ولجعفر أخبار كثيرة في هذا المعنى، رأيت الإعراض عن ذكرها لأسباب لا يحتمل الكتاب شرحها، وهي مشهورة عند الإماميَّة ومن عرف أخبار الناس من العامّة) [الإرشاد ج2 ص337].

وقال في موضعٍ آخر عن سبب الاعراض عن ذكر أخبار ذمه هو: (كثرة من يعترف بالحق من ولد جعفر بن علي في وقتنا هذا، ويظهر التدين بوجود ولد الحسن بن علي في حياته، ومقامه بعد وفاته في الأمر مقامه، ويكره إضافة خلافه لمعتقده فيه إلى جده، بل لا أعلم أحداً من ولد جعفر بن علي في وقتنا هذا يظهر خلاف الإماميَّة في وجود ابن الحسن عليهما السلام والتدين بحياته والانتظار لقيامه.

والعشرة الجميلة لهؤلاء السادة أيدهم الله بترك إثبات ما سبق به من سميت في الأخبار التي خلدوها فيما وصفت أولى، مع غناي عن ذلك بما أثبت من موجز القول في بطلان الشبهة، لتعلق ضعفاء المعتزلة والحشويَّة والزيديَّة والخوارج والمرجئة في إنكار جعفر بن علي لوجود ابن الحسن بن علي، حسب ما أورده السائل عنهم فيما سأل في الشبهات في ذلك) [المسائل العشر في الغيبة ص65].

وكذا الطوسيُّ بعد أن ذكر رواية أثبت فيها سكره واستهتاره قال: (وما روي فيه وله من الأفعال والأقوال الشنيعة أكثر من أنْ تحصى ننزّه كتابنا عن ذلك) [الغيبة ص227].

نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولاً وآخراً