هل كان أبو سهل النوبختي لا يعتقد بحصر الأئمة في اثني عشر؟
ادعى أحدهم: أنَّ أبا سَهل إسماعيل بن علي النوبختيّ لا يعتقدُ بحصر الأئمّة في اثني عشر إماماً؛ كما نقل ذلك عنه ابن النديم حيث قال ابن النّديم: ((كَانَ يَقولُ: أنَا أقولُ: أنّ الإمَامَ محمّد بن الحسن؛ ولكنّه مَات فِي الغَيبة [أي وهُو غائبٌ]، وكانَ تالاه في الغَيبَة: ابنُه. وكذَلك فيمَا بَعدُ مِن وَلدِه؛ إلى أن يَنفُذ الله حُكمه في إظهارِه)) [الفهرست:219].
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم – أيدك الله – أنَّ أبا سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ [ت311هـ] كان من كبار شيوخ متكلمي الإمامية البارزين ومتقدم النوبختيّين في زمانه، وقد صنف كتباً كثيرةً في الكلام، ومنها في الردّ على المخالفين مثل: «الردّ على الواقفة»، و«الردّ على الغلاة»، و«الردّ على الجبرية في باب المخلوق والاستطاعة»، وغيرها، وله مناظراتٌ جليلةٌ نقل بعضها مصنفونا القدماء، وقد عاش في فترة الغيبة الصغرى، وكانت له في أيامه الأخيرةِ الرئاسة على الشيعة [ينظر: رجال النجاشي ص31، الفهرست ص49].
وأما دعوى أنّ النوبختيّ لا يعتقد بحصر الأئمة في الاثني عشر، فهي مبنيّة على ما ذكره ابن النديم إذ قال – عند ترجمته -: (وله رأيٌّ في القائم من آل محمد (عليه السلام) لم يُسبَق إليه، وهو أنّه كان يقول: أنا أقول: إنّ الإمام محمّد بن الحسن، ولكنه مات في الغيبة، وقام بالأمر في الغيبة ابنه، وكذلك فيما بعد من ولده، إلى أن ينفذ الله حكمه في إظهاره) [الفهرست ج1 ص634].
ولكن هذه الدعوى واضحة البطلان من وجوهٍ كثيرة:
أولاً: هذه الحكاية انفرد بنقلها ابن النديم، فلم ينقلها أحدٌ من علماء الشيعة ولا علماء السنّة، ولا مجال للاعتماد على نقل ابن النديم لأسباب عديدة:
1ـ ابن النديم من المخالفين، ولم يثبت بشكلٍ واضحٍ أنّه إماميّ.
قال السيد الخوئيُّ في ترجمته: (الظاهر أنّ الرجل من العامّة، وإلّا لترجمه النجاشّيُّ والشيخ في كتابيهما) [معجم رجال الحديث ج١٦ ص٧٢].
وأمّا ذهاب بعض متأخّري علمائنا إلى كونه إماميّاً [ينظر: الكنى والألقاب ج1 ص440]، فالظاهر أنّه اعتماداً على تصريحات بعض علماء العامة؛ إذ صرحوا أنه كان شيعياً معتزلياً [ينظر: معجم الأدباء ج18 ص17، تاريخ الإسلام ج27 ص398، لسان الميزان ج5 ص72].
2ـ ابن النديم لم تثبت وثاقته ودقّة نقله؛ إذ كان ورّاقاً وناشر كتب، ولم يكن محقّقاً مدقّقاً حتى يحصل الوثوق بنقولاته، ولم يثبت أنّ النجاشيّ والطوسيّ اعتمدا عليه؛ إذ النقل عنه في مواضع يسيرة لا يلازم الاعتماد؛ لاحتمال أنّ ذلك لقرائن خاصة أو للإشارة لوجود قول ما.
قال السيد الخوئيُّ في ترجمته: (الظاهر أن الرجل من العامة... ولم يثبت وثاقته أيضاً، فإنّ مجرّد نقل النجاشيّ والشيخ عنه لا يدلّ على وثاقته) [معجم رجال الحديث ج١٦ ص٧٢].
وقال المحقق التستريُّ: (إنّ كتاب ابن النديم ليس له ذاك الاعتبار؛ لأوهامه الكثيرة، ومنها في يقطين – والد علي بن يقطين -، فما تفرّد به غير معلوم الصحة..) [قاموس الرجال ج2 ص88].
3ـ هذه الحكاية منقطعة؛ لأنّ ابن النديم متأخّر طبقةً عن أبي سهل النوبختيّ المتوفّى سنة (311هـ)، في حين أنّ ابن النديم ولد – كما ذكر المحقق أيمن السيّد – ما بين سنة (315هـ) و(320هـ)، وتوفي سنة (380هـ) [ينظر: مقدمة تحقيقه للفهرست ج1 ص18]. وعليه، فهو قد وُلد بعد وفاة النوبختيّ بعدّة سنوات. فلا بدّ أنّه سمعها بواسطةٍ واحدةٍ على الأقل، فمَن هي تلك الواسطة حتّى يُنظر في مدى إمكانية الوثوق بنقلها؟!
الحاصل: لا مجال للاعتماد على هذه الحكاية؛ إذ إنّ انفرد بنقلها ابن النديم، وهو غير إماميّ ولا موثوق في النقل، كما أنّها حكاية منقطعة.
وثانياً: إنّ هذه الحكاية منكرة؛ إذ إنّ أبا سهل النوبختيّ لم يكن شخصاً عاديّاً عند الشيعة، بل كان رأس الشيعة في بغداد، وكبير متكلميها، وزعيمها. قال النجاشيّ في ترجمته: (كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا وغيرهم، له جلالة في الدنيا والدين، يجري مجرى الوزراء في جلالة الكتاب، صنف كتباً كثيرة) [رجال النجاشي ص31]. وقال الطوسيّ: (كان شيخ المتكلمين من أصحابنا ببغداد، ووجههم، ومتقدّم النوبختيّين في زمانه) [الفهرست ص49]، بل قال ابن النديم نفسه: (من كبار الشيعة.. وكان فاضلاً عالماً متكلّماً، وله مجلسٌ يحضره جماعة من المتكلمين) [الفهرست ج1 ص634].
فمثل هذه الشخصية كيف يكون له رأيٌّ مخالفٌ لضرورة مذهب الإماميّة ومع ذلك لم ينقله معاصروه ولا الشيعة، ولا العامّة، وإنما ينفرد بها ابن النديم الورّاق؟! قال المحقّق التستريّ: (إن كتاب ابن النديم ليس له ذاك الاعتبار؛ لأوهامه الكثيرة، ومنها في يقطين – والد علي بن يقطين -، فما تفرّد به غير معلوم الصحة. ولو كان هذا صحيحاً كيف لم ينقله عنه الشيخ؟ فإنه نقل عنه عدّه عدّة كتب له. وكيف يمكن أن يقول هذا الرجل الجليل مثل هذا القول الذي خلاف ضرورة مذهب الإمامية؟!..) [قاموس الرجال ج2 ص88-89].
وثالثاً: إنّ اعتقاد أبي سهل النوبختيّ معلومٌ ومعروفٌ عند الشيعة بل حتّى عند المخالفين، وله تصنيفاتٌ ومناظراتٌ كثيرة تبيّن أنّه على مذهب الإماميّة، وليس له مذهبٌ خاصٌّ، بخلاف زعم ابن النديم، ونكتفي بنقل نصّ واحد من أحد تصنيفاته، وهو ما نقله الشيخ الصدوق من كتاب «التنبيه» لأبي سهل، حيث يقول: (وصحة غيبته بالأخبار المشهورة في غيبة الامام (عليه السلام)، وأن له غيبتين: إحداهما أشد من الأخرى. ومذهبنا في غيبة الامام في هذا الوقت لا يشبه مذهب الممطورة في موسى بن جعفر لأنّ موسى مات ظاهراً ورآه الناس ميتاً ودفن دفناً مكشوفاً ومضى لموته أكثر من مائة سنة وخمسين سنة لا يدعي أحد أنه يراه ولا يكاتبه ولا يراسله، ودعواهم أنّه حي فيه إكذاب الحواس التي شاهدته ميتاً، وقد قام بعده عدة أئمة فأتوا من العلوم بمثل ما أتى به موسى، وليس في دعوانا هذه غيبة الإمام إكذاب للحس، ولا محال، ولا دعوى تنكرها العقول، ولا تخرج من العادات، وله إلى هذا الوقت من يدَّعي من شيعته الثقات المستورين أنّه باب إليه وسبب يؤدّي عنه إلى شيعته أمره ونهيه، ولم تطل المدة في الغيبة طولاً يخرج من عادات من غاب. فالتصديق بالأخبار يوجب اعتقاد إمامة ابن الحسن (عليه السلام) على ما شرحتُ، وأنّه قد غاب كما جاءت الأخبار في الغيبة، فإنها جاءت مشهورة متواترة، وكانت الشيعة تتوقعها وتترجاها، كما ترجو بعد هذا من قيام القائم (عليه السلام) بالحق وإظهار العدل) [كمال الدين ص93].
كما أنّه كان من أبرز الداعمين للسفير الثالث للإمام الحجة (عجل الله فرجه)، أعني الحسين بن روح النوبختيّ، الذي استلم منصب السفارة سنة (305هـ) إلى سنة (326هـ)، وقد كان بعض الشيعة يرون أنّ أبا سهل مؤهّلٌ لمنصب السفارة، فسُئِل عن سبب تنصيب الحسين بن روح بدلاً عنه فأجاب بأنّه الحجّة (عليه السلام) أعلم بالمستحقّ للمنصب.
قال ابن نوح: (وسمعت جماعةً من أصحابنا بمصر يذكرون: أنّ أبا سهل النوبختيّ سُئِل، فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقي الخصوم وأناظرهم، ولو علمتُ بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة لعلّي كنتُ أدلّ على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجّة تحت ذيله وقُرِّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه - أو كما قال -) [الغيبة ص391].
فلو كان مخالفاً لمذهب الإماميّة لَـمَا كان لكلّ هذا الكلام محلٌّ ولا موضع، كما هو واضح.
ورابعاً: لو سلّمنا جدلاً صحّة حكاية ابن النديم إجمالاً، فهو محمولٌ إمّا على ضربٍ من التقيّة أو التورية، أو محمول على جريان ذلك على لسانه في المناظرات لإلزام الخصم، لا لاعتقادٍ منه بذلك؛ إذ كان كثير المناظرة مع المخالفين.
قال المحقّق المامقانيّ: (من المحتمل أنْ يكون أظهر ذلك بلسانه؛ لغرض إلزام الخصم، ودفع استبعاد بقائه حياً على خلاف العادة؛ ضرورة عدم تعقّل اعتقاده بذلك واقعاً، بعد تواتر الأخبار عن النبيّ (ص) والأئمة الأطهار (ص) بمد الله تعالى في عمره إلى أن يظهر) [تنقيح المقال ج10 ص232].
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.
اترك تعليق