هل دفع عثمان مهر فاطمة (ع)، وجهز أبو بكر بيتها؟

السؤال: هل ورد في مصادرنا الشيعية أنَّ عثمان دفع مهر فاطمة عن عليٍّ (عليهما السلام) وأعطاه الدراهم ليتزوَّج بها، وأنَّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله) دعا لعثمان بالخير، وأنَّ أبا بكر هو من جهَّز الفراش وأواني البيت وحملها مع بلال وسلمان إلى بيت فاطمة؟ أليستْ هذه فضيلة لهما؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير الأخ السائل إلى ما رواه العلَّامة الإربليّ (طاب ثراه) عن مناقب الخوارزميّ، وفيه قوله: (ومن المناقب عن أمّ سلمة وسلمان الفارسيّ وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وكلٌّ قالوا: إنّه لما أدركت فاطمة بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) مدرك النساء، خطبها أكابر قريش من أهل الفضل والسابقة في الإسلام والشرف والمال ... إلى قوله: قال عليٌّ: فأقبل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فقال: يا أبا الحسن، انطلق الآن فبِعْ درعك وأتني بثمنه حتَّى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما.

قال عليٌّ: فانطلقت وبعته بأربعمائة درهم سود هجريَّة من عثمان بن عفَّان ... فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال: يا أبا الحسن، ألستُ أولى بالدرع منك، وأنت أولى بالدراهم مني؟ فقلت: بلى، قال: فإنَّ الدرع هديةٌ مني إليك، فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فطرحتُ الدرع والدراهم بين يديه وأخبرته بما كان من أمر عثمان، فدعا له بخير، وقبض رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قبضة من الدراهم ودعا بأبي بكر فدفعها إليه وقال: يا أبا بكر، اشترِ بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها، وبعث معه سلمان الفارسي وبلالاً ليعيناه على حمل ما يشتريه. قال أبو بكر: وكانت الدراهم التي أعطانيها ثلاثة وستين درهماً، فانطلقتُ واشتريتُ فراشاً من خيش مصر محشواً بالصوف، ونطعاً من أدَمٍ ووسادة من أدم حشوها من ليف النخل، وعباءة خيبريّة، وقربة للماء، وكيزاناً وجراراً ومطهرة للماء، وستر صوف رقيقاً، وحملناه جميعاً حتَّى وضعناه بين يدي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فلما نظر إليه بكى وجرت دموعه ثمَّ رفع رأسه إلى السماء وقال: «اللهم بارك لقومٍ جلَّ آنيتهم الخزف» ... الحديث) [كشف الغمَّة ج1 ص٣٦٣، وعنه البحار ج43 ص124].

إذا بان هذا واتَّضح فيقع الكلام في جملة أمور:

الأمر الأوَّل: إنَّ هذه الرواية غير واردةٍ من طرقنا كما تبيَّن؛ ولذلك فهي غير معتبرةٍ عندنا، إذْ إنَّ معيار الحجية في مذهبنا يقتصر على ما روي عندنا عن الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) دون غيرهم. فكلُّ رواية لا تَرِد من طريقهم، مهما كان ناقلها أو راويها، لا تُعدُّ ملزمةً ولا يُحتج بها في القضايا العقديَّة أو الشرعيَّة، ما لم تؤيَّد بقولٍ أو تقريرٍ صادرٍ عن الإمام المعصوم (عليه السلام).

وبناءً على ذلك، لا يُمكن الاستناد إلى هذه الرواية في الاحتجاج علينا بحالٍ من الأحوال، لعدم استيفائها شروط الحجية وفق الضوابط المعتمدة لدينا.

الأمر الثاني: إنَّ الرواية المذكورة غير تامةٍ من جهة السند، إذْ هي مرسلة بنقل العلَّامة الإربليّ، وضعيفة بنقل الخوارزميّ [يُنظر: المناقب ص342]، وذلك لجهالة الراوي (عبد الوهَّاب بن جابر) الواقع فيه [يُنظر: بلوغ الأماني للألبانيّ ص478]، وغيره من المصادر الناصَّة على جهالته.

وبناءً على ما تقدَّم، فإنَّ الرواية غير معتبرة السند، للإرسال أو لجهالة الراوي (عبد الوهَّاب بن جابر التيميّ)، ولو أعرضنا عن ذلك، فهي غير مُلزِمةٍ لنا، لكونها من روايات القوم وليست من مرويَّات الأصحاب، كما بينا سابقاً.

الأمر الثالث: إنَّ هذه الرواية المذكورة معارِضةٌ لما رواه المحدِّث الطبريّ (طاب ثراه) من أنَّ الذي اشترى الدرع هو جبرئيل (عليه السلام) وليس عثمان.

فقد روى (طاب ثراه) بسنده عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك ... وفيه: (فلما سمع النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) كلام جبرئيل (عليه السلام) وجَّه خلف عمار بن ياسر وسلمان والعباس، فأحضرهم، ثمَّ قال لعليّ (عليه السلام): إنَّ الله تعالى قد أمرني أنْ أزوِّجك.

فقال: يا رسول الله، إني لا أملك إلَّا سيفي وفرسي ودرعي.

فقال له النبي (صلَّى الله عليه وآله): اذهب فبع الدرع. قال: فخرج عليٌّ (عليه السلام) فنادى على درعه، فبلغت أربعمائة درهم ودينار. قال: فاشتراها دحية بن خليفة الكلبيّ، وكان حسن الوجه، لم يكن مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أحسن منه وجهاً. قال: فلما أخذ عليٌّ (عليه السلام) الثمن وتسلَّم دحية الدرع عطف دحية على عليٍّ، فقال: أسألك يا أبا الحسن أنْ تقبل مني هذه الدرع هديةً، ولا تخالفني في ذلك.

قال: فحمل الدرع والدراهم، وجاء بهما إلى النبيّ ونحن جلوسٌ بين يديه، فقال له: يا رسول الله، إني بعتُ الدرع بأربعمائة درهم ودينار، وقد اشتراه دحية الكلبي، وقد أقسم عليَّ أنْ أقبل الدرع هدية، وأيش تأمر، أقبلها منه أم لا؟ فتبسَّم النبي (صلَّى الله عليه وآله) وقال: ليس هو دحية، لكنه جبرئيل، وإنَّ الدراهم من عند الله ليكون شرفاً وفخراً لابنتي فاطمة ... الحديث) [دلائل الامامة ص82].

الأمر الرابع: إنَّ حضور أبي بكر وعثمان في هذه الحادثة مختلفٌ فيه، إذْ يظهر من بعض الروايات عدم وجودهما أصلاً.

روى الطبريُّ (طاب ثراه) بسنده عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جدِّه، عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) أنه قال: (هممتُ بتزويج فاطمة حيناً، ولم أجسر على أنْ أذكره لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) .... إلى قوله: وقال عليٌّ (عليه السلام): لما أتيت رسول الله خاطباً ابنته فاطمة، قال: وما عندك تنقدني؟ قلتُ له: ليس عندي إلَّا بعيري وفرسي ودرعي.

قال: أمَّا فرسك فلابدَّ لك منه، تقاتل عليه، وأمَّا بعيرك فحامل أهلك، وأمَّا درعك فقد زوَّجك الله بها. قال عليٌّ: فخرجتُ من عنده والدرع على عاتقي الأيسر، فذهبتُ إلى سوق الليل فبعتها بأربعمائة درهم سود هجرية، ثمَّ أتيت بها إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله) فصببتها بين يديه، فو الله ما سألني عن عددها، وكان رسول الله سري الكف، فدعا بلالاً وملأ قبضته، فقال: يا بلال، ابتع بها طيباً لابنتي فاطمة. ثمَّ دعا أمّ سلمة وقال لها: يا أمّ سلمة، ابتاعي لابنتي فراشاً من حلس مصر، واحشيه ليفاً، واتخذي لها مدرعة وعباءة قطوانيّة، ولا تتخذي أكثر من ذلك فيكونا من المسرفين ... الحديث) [دلائل الإمامة ص85].

الأمر الخامس: لو سلَّمنا بما ذُكر في السؤال، وأنَّ أبا بكر قد سعى في حوائج أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنَّ عثمان قد أرجع الأموال له فهذا لا يعني حبهما له، إذْ يحتمل من أجل بعض الدواعي والأسباب الدنيويّة.

ولو سلَّمنا ـ مرةً أُخرى ـ بصدور ذلك رغبةً منهما، فما أكثر المؤمنين الذي ارتدوا بعد ذلك وبدلوا، كيف وقد ثبت عندنا غصب المذكورَين للخلافة من أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي أوصى به النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) في عدَّة مواضع آخرها كان يوم الغدير الأغر.

هذا، مع أنَّ الملاحَظ في الرواية المتقدِّمة أنَّ أبا بكر كان مجرَّد وسيطٍ في الشراء وليس متبرِّعاً بالمال كما قيل في السؤال، وهذا الأمر يُمكن أنْ يصدر من أيِّ شخص آنذاك. وعليه، فلا يُمكن عدُّه منقبة وفضيلة له، كما هو واضح.

والنتيجة النهائيّة من كلِّ ذلك، أنَّ الرواية ـ مع ضعفها ـ واردةٌ من طرق القوم وليست من روايات الشيعة، فضلاً عن كونها مُخالِفةً لما رواه الأصحاب، ومع التسليم والتنزُّل عن كلِّ ذلك فلا دلالة فيها على الفضل والمدح، لاحتمال صدور ذلك لمصلحة دنيوية أو غيرها، كما بيَّناه تفصيلاً .. والحمد لله ربِّ العالمين.