هل يفسر العلم وقوع الكوارث من عدمها؟

السؤال: كلما ضربت الزلازلُ أو اجتاحت الفيضاناتُ بقعةً، تعالت أصواتٌ تزعم أنها "عقوبةٌ إلهيّةٌ"، وكأنَّ الصفائحَ التكتونيّةَ تتبعُ نهجاً أخلاقيّاً في حركتها؛ الأمرُ الذي يراهُ العلمُ سخريةً مريرةً، إذ تُختزلُ فيزياءُ الأرضِ في "غضبٍ إلهيّ"، بدلاً من سبرِ أغوارِ الطبيعةِ وتطويرِ أنظمةِ إنذارٍ مبكرٍ.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

خلطَ المستشكل بين نوعين مختلفين من التفسير: بين سؤال كيف تحدث الزلازل؟ وبين سؤال لماذا تحدث؟ ثم عاد ليسخر من هذا الخلط الذي صنعه بيده!

وهذا الأسلوب لا يناقش الفكرة كما هي، بل يعيد تقديمها في صورةٍ مبسطةٍ ومشوّهةٍ، ليبدو نقدها سهلاً ومقنعاً، والحال أنّ الخطاب الدينيّ الجاد لا يتبنّى القول بأن الصفائح التكتونيّة «تغضب» أو «ترضى»، ولا يفترض أنَّ قوانين الفيزياء تتحول إلى كائناتٍ أخلاقيّةٍ تتصرف بدافع الثواب والعقاب، ومن هنا فإن الإشكال لا يطعن في الفكرة ذاتها، بقدر ما يطعن في صورةٍ مشوّهةٍ اصطنعها المستشكل بنفسه ليحاكم بها غيره.

فالعلم -على سبيل المثال -يفسر الاحتراق بالأكسدة، لكنَّه لا يقول لنا لماذا أُحرق البيت عمداً أو خطأً، ولا يحدّد المسؤولية ولا المعنى.

تفسير «الكيف» هنا لا يلغي سؤال «لماذا»، ولا يجيب عن سؤال «ما الذي يترتب» على الفعل، وهكذا الحال في الزلازل؛ العلم يشرح كيف تتحرك الصفائح، وكيف تتراكم الضغوط، وكيف يقع الزلزال، وهذا محل اتفاقٍ ولا نزاع فيه.

لكن السؤال الذي يتجاهله الخطاب الساخر عمداً هو: هل تفسير الآليّة ينفي بالضرورة أي بعدٍ قيميٍّ أو غائيٍّ لما يحدث؟

حين يتحدث بعض المتدينين عن «عقوبةٍ» فهم لا يقدمون آليّةً فيزيائيّةً بديلةً، بل قراءةً أخلاقيّةً للواقع، قد تصيب وقد تخطئ. والخطأ ليس في الاعتقاد بإمكان وجود بعدٍ أخلاقيٍّ أو غائيٍّ للأحداث، بل في التسرّع في الجزم، وربط كل كارثةٍ مباشرةً بذنبٍ محددٍ أو بجماعةٍ بعينها، وهذا التسرّع مرفوضٌ دينيّاً قبل أن يكون مرفوضاً علميّاً.

أما الادعاء بأن الإيمان يمنع الاستعداد، أو أنَّ الحديث عن الله يلغي أنظمة الإنذار المبكر، فهو مغالطةٌ واضحةٌ، فاليابان -وهي من أكثر الدول استعداداً للزلازل-لم تُلغِ الإيمان من ثقافتها، ولم ترَ في الاستعداد العلميّ «نكتةً».

المشكلة ليست في الدين، بل في العقل الكسول الذي يبحث عن تفسيرٍ جاهزٍ ليعفي نفسه من المسؤوليّة، فالدين لا يقول: «لا تبنوا أنظمة إنذارٍ لأن الله يعاقب»، بل يقول: تحمّلوا مسؤوليّتكم، وخذوا بالأسباب، ثم تأملوا في المعنى.

وفي المقابل، العلم لا يقول: «لا معنى لما يحدث»، بل يقول: «هذا ما نعرفه عن الآليّة»، ومن هنا فإن تحويل العلم إلى أداةٍ لنفي المعنى ليس علماً، بل أيديولوجيا.

وباختصار: نَسبُ الكارثة إلى «غضبٍ إلهيّ» بوصفه تفسيراً علميّاً خطأٌ، ونفيُ أي بعدٍ أخلاقيٍّ أو غائيٍّ بحجة الفيزياء خطأٌ آخر، والعقل السليم لا يختار بين العلم والمعنى، بل يضع كلاً منهما في مجاله الصحيح، دون سخريةٍ ولا تهويلٍ.