هل يعاني الإسلام من كهنوت ديني؟
السؤال: يربط بعض الناس بين علماءِ الدينِ في الإسلام، وبين الكهنوت في بعض الديانات القديمة أو في المسيحيّة، ويقارن بين المؤسستينِ وأنَّ فشل الكهنوت هناك أتاح للعلم أنْ يصعد، بينما فشل العربُ والمسلمونَ عموماً بالحدِّ من كهنوتِهم، وهذا سبب تأخرهم.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الكلام يقوم على خلطٍ تاريخيّ ومفاهيميّ كبيرٍ؛ إذ ينطلق من افتراض وجود «كهنوتٍ» في الإسلام بالمعنى الذي عرفته بعض الديانات القديمة أو التجربة الكنسيّة في أوروبا، ثم يبني على هذا الافتراض حكماً تفسيريّاً لتأخر المسلمين وتقدّم الغرب، والحال أنَّ هذا البناء كلّه يقوم على إسقاطٍ تعسّفيّ، يستعير نموذجاً تاريخيّاً نشأ في سياقٍ حضاريّ مختلفٍ، ثم يفرضه قسراً على بنيةٍ دينيّةٍ وثقافيّةٍ لا تشترك معه لا في الجذور، ولا في الوظيفة، ولا في طبيعة العلاقة بين الدين والمعرفة والسلطة.
فالكهنوت- بالمعنى الدقيق للكلمة- هو تشكّلٌ طبقيٌّ دينيٌّ يحتكر السلطة المقدّسة، ويغلق باب تفسير النص، ويتحوّل إلى وسيطٍ حصريّ في مسألة الخلاص، يمنح الغفران أو يحجبه، ويُخضع المعرفة الدينيّة لنظامٍ هرميّ صارمٍ يجعل علاقة الإنسان بالله علاقةً غير مباشرةٍ تمرّ إجباراً عبر هذه الطبقة.
وهذا النموذج، بهذه الخصائص تحديداً، لم يعرفه الإسلام لا في نصوصه المؤسسة، ولا في تاريخه الفقهيّ، ولا في بنيته الدينيّة العامة، فلا يوجد في الإسلام رجل دينٍ يملك حق منح صكوك الغفران، ولا طبقة تتقمّص دور الوسيط الوجوديّ بين العبد وربه، ولا مؤسسة دينيّة تمتلك سلطة إلزامية فوق المجتمع بزعم تفويضٍ إلهيّ مغلقٍ.
أمّا ما يُسمّى اليوم بـ«علماء الدين»، فهم – في أصل المفهوم – حملة معرفةٍ لا حملة سلطةٍ، ومهمتهم البيان لا الإكراه، والإرشاد لا الوصاية.
نعم، قد تتحوّل المعرفة في بعض السياقات التاريخيّة إلى أداة نفوذٍ، وقد يتحالف بعض العلماء مع السلطة السياسيّة أو الاجتماعيّة، وقد تُوظَّف الفتوى لتكريس واقعٍ معيّنٍ، غير أنَّ هذه الممارسات تبقى حالات انحرافٍ عن الدور الحقيقيّ للعلم الدينيّ، ولا تمثّل الإسلام في جوهره، ولا تعبّر عن الوعي الدينيّ العام لدى المسلمين.
والمفارقة الكبرى أنَّ الكنيسة، في مرحلةٍ تاريخيّةٍ معروفةٍ، شكّلت عائقاً حقيقيّاً أمام العلم والعلماء، إذ دخلت في صدامٍ مباشرٍ مع الاكتشافات العلميّة، فأنشأت محاكم التفتيش، ولاحقت المفكرين، وجرّمت البحث الحر، وحوّلت الاختلاف العلميّ إلى تهمةٍ دينيّةٍ. أمّا الإسلام، في نصوصه المؤسسة وفي مساره التاريخيّ العام، فلم يكن يوماً خصماً للعلم، بل جعل طلبه فريضةً على كل مسلمٍ ومسلمةٍ، وفتح المجال للاجتهاد والتفكير والتجربة، من دون أن يؤسّس مؤسسةً دينيّةً مغلقةً تمنع التقدّم أو تصادر البحث.
ومن هنا تبدو المقارنة بين التجربتين غير منصفةٍ؛ لأنها تتجاهل الفارق الجوهريّ بين دينٍ اصطدم بالعلم في مرحلةٍ من تاريخه، ودينٍ لم يقف نصّه ولا بنيته عائقاً أمام أي مشروعٍ معرفيّ أو تقدّميّ، الأمر الذي يفرض البحث عن أسبابٍ أخرى لتأخُّر المسلمين بعيداً عن تحميل الدين أو العلماء مسؤوليّة ذلك.
وعليه، فإن استنساخ السردية الأوروبيّة، والقول إنَّ الخلاص يكمن في «تحجيم علماء الدين» على غرار ما جرى مع الكنيسة، لا يمثّل حلاً بقدر ما هو هروبٌ من التشخيص العميق للمشكلة. فالمجتمع الإسلاميّ، بجميع مكوّناته، شريكٌ في صناعة الواقع الذي يعيشه، والنهوض الحضاريّ لا تصنعه فئةٌ بعينها، ولا يُختزل في صراعٍ مع الدين أو مع العلماء، بل هو مشروعٌ جماعيّ تتكامل فيه أدوار الفكر والعلم والاقتصاد والسياسة والتربية، وتتحمّل فيه الأمة بمختلف تخصصاتها مسؤوليّة البناء والتغيير.
اترك تعليق