هل تكفي المعجزة لضمان ثبات الإيمان؟

السؤال: أنا لا أدري كيف يصدِّق الذين آمنوا من مسيحيين ومسلمين أكذوبةَ أنَّ قوم موسى الذين أنجاهم الله من فرعون وجنده لأنهم آمنوا بموسى وربّ موسى، وشقَّ لهم البحر للنجاة والهروب والخلاص من العبودية عادوا لعبادة العجل بدلاً من أنْ يزدادوا إيماناً وتمسكاً بدين موسى وربّ موسى بعد أن شاهدوا معجزة شقّ البحر؟!

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا السؤال يبدو في ظاهره استغراباً عقلياً مفهوماً، لكنَّه في حقيقته يقوم على تصوّرٍ مثاليٍّ لطبيعة الإيمان لا ينسجم مع الواقع النفسيّ، ولا مع التجربة التاريخيّة للإنسان.

فالإشكال ليس في إمكان أنْ يرتدّ بعض قوم موسى (ع) بعد معجزة شقّ البحر، بل في الافتراض المسبق أنَّ رؤية المعجزة كافيةٌ لإنتاج إيمانٍ ثابتٍ لا يتزعزع، وهو افتراضٌ لا تؤيّده النصوص الدينيّة ولا التجربة الإنسانيّة.

الإيمان - في الرؤية القرآنيّة - ليس مجرد تصديقٍ لحدثٍ خارقٍ، بل هو مسارٌ داخليٌّ طويلٌ، يتكوّن من وعيٍ وتزكيةٍ وتدرّجٍ وتحرّرٍ بطيءٍ من أنماطٍ راسخةٍ في النفس.

المعجزة قد تُلزم العقل بالاعتراف بقدرةٍ خارقةٍ، لكنّها لا تُغيّر تلقائيّاً البنية النفسيّة والاجتماعيّة للإنسان، وكثيرون يخلطون بين الاقتناع العقليّ والتحوّل الداخليّ العميق، بينما الواقع يبيّن أنَّ بينهما مسافةً كبيرةً.

فقوم موسى (ع) لم يكونوا جماعةً حرّةً ناضجةً تربّت على المسؤوليّة والاستقلال، بل كانوا شعباً عاش قروناً من القهر تحت نظامٍ فرعونيٍّ قائمٍ على كسر الإرادة، والعبوديّة لا تقيّد الجسد فقط، بل تعيد تشكيل النفس، وتقتل المبادرة، وتربط الشعور بالأمان بما هو محسوسٌ وقريبٌ؛ لذلك فإنَّ الخروج من العبوديّة لا يتمّ دفعةً واحدةً، فالإنسان قد يخرج من السجن، لكن السجن لا يخرج من داخله بسهولةٍ.

من هنا، يمكن فهم أنَّ شقّ البحر كان معجزة خلاصٍ، لا معجزة بناء وعيٍ. أنقذهم من فرعون، لكنه لم يُنتج فوراً إنساناً مؤمناً ناضجاً؛ ولهذا نراهم بعد النجاة مباشرةً يطلبون إلهاً ماديّاً مألوفاً، لا لأنَّهم أنكروا ما رأوه، بل لأنَّ نفوسهم لم تكن مستعدّةً بعد لتحمّل فكرة الإله الغيبيّ المتعالي الذي يتطلب ثقةً وصبراً ومسؤوليّةً.

والقرآن نفسه يؤكّد هذه الحقيقة بوضوحٍ؛ إذ يقرّر أنَّ المعجزة، مهما بلغت قوّتها، لا تضمن ثبات الإيمان، ولا تحوّله بالضرورة إلى وعيٍ راسخٍ. فالمشكلة قد لا تكون في غياب الدليل، بل في موقف النفس منه، كما يقول تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].

وفي السياق نفسه، يبيّن القرآن أنَّ بني إسرائيل، بعد أنْ آمنوا بموسى (ع) وتجاوزوا البحر بمعجزةٍ ظاهرةٍ، لم يلبثوا أنْ قالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138]، في دلالةٍ واضحةٍ على أنَّ الإيمان إذا لم يتحوّل إلى نضجٍ نفسيٍّ، واستعدادٍ داخليٍّ لتحمّل تبعاته، فإنَّ المعجزة لا تمنع الارتداد ولا تحصّن من الانحراف؛ ولهذا يضع القرآن قاعدةً عامةً في هذا الباب حين يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحشرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: 111]، مؤكّداً أنَّ جوهر المشكلة ليس في قلّة الدليل، بل في قابليّة النفس للالتزام بما تراه حقاً.

وهنا نقطةٌ أساسيّةٌ يغفل عنها كثيرون: عبادة العجل لم تكن إنكاراً لله تعالى، بل تشويهاً لفكرة الإله، لم يقولوا: لا إله، بل قالوا: هذا إلهكم وإله موسى.

أي أنَّهم حاولوا اختزال الإله في صورةٍ محسوسةٍ يمكن السيطرة عليها. وهذا النمط من الانحراف لم ينتهِ مع بني إسرائيل، بل يتكرَّر في كلِّ عصرٍ بأشكالٍ مختلفةٍ؛ مرةً في صنمٍ، ومرةً في شخصٍ، ومرةً في مالٍ أو سلطةٍ أو فكرةٍ مطلقةٍ.

والتاريخ الحديث يقدّم أمثلةً واضحةً على ذلك، كم من شعوبٍ تحرّرت بعد تضحياتٍ كبيرةٍ، ثم عادت طوعاً إلى أنماطٍ جديدةٍ من التبعيّة؟

وكم من إنسانٍ مرّ بتجربةٍ هزّت قناعاته، ثم عاد بعد زمنٍ إلى السلوك نفسه؟

لو كانت الصدمة أو المعجزة كافيةً لتغيير الإنسان نهائيّاً، لما احتجنا إلى تربيةٍ وتشريعٍ وأخلاقٍ ومسارٍ طويلٍ للنمو.

من هنا فإن قصة العجل ليست قصةً غير معقولةٍ، بل وصفٌ دقيقٌ لطبيعة الإنسان، إنها تقول: إنَّ الإيمان لا يُختصر في لحظة انبهارٍ، ولا يُفرض بالمعجزات، بل يُبنى بالتدرّج، ويُختبر بالصبر، ويترسّخ بتحمّل المسؤوليّة، وهي في الوقت نفسه تحذيرٌ دائمٌ من وهم الاعتقاد بأنَّ رؤية الحق تكفي للثبات عليه، ولهذا، فهذه القصة ليست موضع استغرابٍ، بل مرآةٌ صادقةٌ للإنسان في كل زمانٍ، إنسانٌ قد يرى الحقيقة بوضوحٍ، لكنَّه يحتاج زمناً طويلاً ليحتملها في داخله، ويعيشها في سلوكه، ويتحرّر فعلاً من أصنامه القديمة، سواء كانت من ذهبٍ… أو من أفكارٍ.