كيف يثبت الشخص نبوته؟
السؤال: لنفترض اتّفاقنا معاً على أنّ هناك إلهاً وخالقاً وموجداً ومفيضاً للوجود، لكنّ كيف نثبت أنّ فلاناً قد تواصل معه، وأنّ فلاناً رسولاً منه، وأنّ غيرهما متوهّمٌ أو كاذبٌ؟! مدّعى المسلم: أنّ مجرّد إنشاد سورة المسد أو البقرة أو العصر أو الأحزاب كافٍ في إثبات تواصله، وبالتّالي: فحيث عجز المخاطب عن الإتيان بمماثلٍ لبعضها أو لكلّها مثلاً، فيجب عليه الالتزام بأوامر منشدها في الغزو، والقتل، والذّبح، والسّبي، والنّهب، والسّلب، والاسترقاق، والاغتنام...إلخ، ومن يشكّ في ذلك يُقطع عنقه!! ومدّعى المتنوّر: إنّ إنشاد هذه الأصوات القرآنيّة حتّى لو ثبت عجز الجميع عن الإتيان بمماثلٍ لها غير كافٍ لإثبات نبوّة الشّخص بمعنى اتّصاله بمفيض الوجود وواهبه، ومن ثمّ: فلا حجيّة لأوامره ونواهيه من هذا الحيث، وعلى مفيض الوجود إذا ما أراد أمراً أو نهياً أنْ يزوّد رسوله بآليّةٍ حاسمةٍ متجانسةٍ ومتسانخةٍ مع وجوده، بحيث تخرس الألسن أمامها وينقطع الشّكّ، ومن غير ذلك فأصل البراءة العقليّ حاكمٌ. هذه خلاصةٌ بسيطةٌ عن المدّعيات الّتي لا تستسيغها وتتنفّر منها، وهي تلامس القلوب قبل العقول، ومن يرفضها يضحك على نفسه فقط، فتدبّر فيها، ودع عنك كلّ التّلقينات الولاديّة الّتي تربيت عليها؛ إذ يشترك معك فيها جميع الأديان الّتي تقف بالضدّ منك تماماً.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
النصّ الذي بين أيدينا لا يقدّم في حقيقته تفكيراً حرّاً، ولا بحثاً جادّاً، بقدر ما يقوم على سلسلةٍ من المغالطات المركّبة التي صيغت لتبدو وكأنها نقدٌ عقلانيّ خارج السياق. فهو يبدأ باعترافٍ نظريّ بوجود الخالق، ثم يقفز قفزةً غير مبرّرةٍ ليصوّر طريق إثبات النبوّة على أنَّه محصورٌ بين خيارين مختلَقين: إمّا «إنشاد أصوات»، أو «آليةٌ قاهرةٌ تُسكت كلَّ شكّ». ثم يُبنى على هذا التصوير حكمٌ أخلاقيٌّ وسياسيٌّ مُسبقٌ عن الغزو والذبح والسبي وقطع الأعناق. وبهذا الأسلوب، لا يجري تأسيس أيّ حجّةٍ حقيقيةٍ، بل يُعَدّ مسرح اتهامٍ كاملٍ يُراد منه إدانة النبوّة قبل إخضاعها للفحص والنقاش، لا الوصول إلى الحقيقة ولا اختبارها اختباراً منصفاً.
إثبات النبوّة بمقتضى العقل ليس لغزاً ولا حالةً مزاجيةً، بل هو من جنس القضايا الكثيرة التي تُثبت بالقرائن المتضافرة حتى تبلغ حدّ الاطمئنان الملزم للباحث المنصف. فنحن لا نُثبت أنَّ «فلاناً تواصل مع الله» لأننا رأينا سلكاً ينزل من السماء إلى أذنه، بل لأننا نرى أمامنا إنساناً يَدّعي أخطر دعوى يمكن لإنسانٍ أنْ يَدّعيها، ثم تأتي حياته وسيرته ومضمون دعوته وآثارها وتحدّيه وصدقه الداخليّ والخارجيّ لتصنع «بصمةً» لا يقدر الكاذب على اصطناعها، ولا يطيقها المتوهِّم. فالكاذب قد يخدع يوماً أو مرحلةً، لكنه لا يستطيع أنْ يبني تاريخاً كاملاً من الاتساق، ولا أنْ يحمل مشروعاً أخلاقياً وتشريعياً وروحياً بهذا الحجم، ولا أنْ يُنتج أمةً، ولا أنْ يصمد أمام كلِّ ضغوط الإغراء والتهديد، ولا أنْ يخرج من التجربة أكثر صفاءً وأقلّ مكسباً شخصياً.
ومن هنا، فإنَّ تصوير المسلم وكأنَّه يقول: من عجز عن الإتيان بسورةٍ فقد ثبت اتصال النبيّ بالله، وإذا ثبت الاتصال وجب الذبح والقتل ومن شكّ يُقطع رأسه… ليس سوى تشويهٍ متعمّدٍ للفكرة قبل مناقشتها. فالقرآن لم يُطرح في التاريخ كنصٍّ صوتيٍّ معزولٍ، بل هو رسالةٌ متكاملةٌ: نصَّاً ومعنى، وتشريعاً وأخلاقاً، وهو تحويلٌ إنسانيٌّ وحضاريٌّ. ولم يكن التحدّي يوماً: «هاتوا أصواتاً تشبه أصواته»، بل: هاتوا مشروعاً بهذه القدرة على صناعة المعنى، وبناء الإنسان، وإخراج أمةٍ حيّةٍ من بيئةٍ مفككةٍ، مع بقاء النص محفوظاً ومؤثّراً رغم كلِّ محاولات الإلغاء.
ثم حتى لو قال قائلٌ إنَّ الإعجاز البيانيّ وحده لا يكفيه، فإنَّ المسلم الجادَّ لا يحصر الدليل فيه أصلاً. فالدليل هو مجموع القرائن: صدق المدّعي، واستقامة سيرته، ومضمون دعوته، وطبيعة تشريعه، وأثره الواقعيّ، وشهادة التاريخ القريب من الحدث. وحين تتراكم هذه العناصر، يصبح الإنكار عناداً لا بحثاً، ولهذا لم يكن الإيمان في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) انفعالاً عاطفياً، بل بصيرةً واعيةً؛ ولذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً»، أي أنَّ الدليل بلغ حدّاً لا يحتاج معه إلى صدمةٍ حسّيةٍ.
أما مطالبة «المتنوّر» بـ«آليةٍ حاسمةٍ متجانسةٍ مع وجوده بحيث تخرس الألسن وينقطع الشك»، فهي في حقيقتها طلبٌ لإلغاء طبيعة الاختبار الإنسانيّ نفسها. لأنَّ «الآلية القاهرة» التي تمنع الشك منعاً مطلقاً ليست دليلاً، بل قسراً نفسياً يقتل معنى الاختيار والابتلاء، ويحوّل الإنسان إلى آلة استجابةٍ. ثم إنَّ التجربة البشرية نفسها تشهد بأنَّ اليقين الحسّيّ القاهر لا يمنع الجحود؛ فكم من إنسانٍ يرى الحقائق البيّنة ثم يلتف عليها لمصلحةٍ أو كبرياء. فالمشكلة ليست دائماً في نقص الدليل، بل في فساد الإرادة أو تحيّز النفس؛ ولهذا جاء الدين بما يكفي لهداية طالب الحق من دون أنْ يسلب الإنسان إنسانيته. والدليل الذي «يُخرس كلَّ الألسن» بالمفهوم الذي يُراد له، لا يوجد حتى في العلوم الطبيعية التي تُرفع شعاراً؛ إذ ما من نظريةٍ «راسخةٍ» إلا ويحيط بها جدلٌ فلسفيٌّ ومنهجيٌّ، ولا من حقيقةٍ حسّيةٍ إلا وتُؤوَّل أو يُكابر عليها.
وأما التلويح بما يُسمّى بـ«أصل البراءة العقليَّة»، فليس في محلّه، بل هو توظيفٌ مغلوطٌ لمبدأٍ عقليٍّ في غير موضعه. فالبراءة إنَّما تُبحث بعد ثبوت الرسالة، ووقوع الشك في تكليفٍ من التكاليف، إذ إنَّ قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» تأتي في مرتبةٍ متأخرةٍ، بعد افتراض وجود صاحب البيان، وهو الرسول، أما في أصل دعوى الرسالة نفسها، فالعقل لا يحكم بالبراءة ولا بالإعراض، بل يحكم بضرورة الاستماع إلى الدعوى وتفحّص حجّتها. والسؤال العقليّ الصحيح هنا ليس: هل أنا مبرّأ من التكليف؟ بل: هل قامت الحجّة على صدق هذا الرسول أم لا؟ فإن قامت الحجّة بدليلٍ عقلائيٍّ معتبرٍ، كان ردّها رفضاً للحق، لا حياداً فكرياً ولا موقفاً عقلانياً مشروعاً.
ثم تأتي القفزة الأخلاقية المكشوفة بربط إثبات النبوّة فوراً بالغزو والقتل والذبح والسبي والنهب وقطع الأعناق. وهذه ليست مناقشةً للنبوة، بل محاولةً لصناعة نفورٍ نفسيٍّ عبر أسوأ صور التاريخ والصراعات، ثم إلصاقها بالدين ككلٍّ.
في الفقه الإسلاميّ ليس القتل والذبح هو الأصل، بل الأصل حرمة الدم والعدوان، والقتال له شروطه وسياقاته السياسيَّة والاجتماعيَّة. وأما «قطع العنق لمجرّد الشك» فافتراءٌ فاضحٌ؛ فالشك ليس جريمةً في القرآن، بل القرآن نفسه يفتح باب السؤال والمحاججة، ويأمر بالنظر والتفكّر، ويذمّ التقليد الأعمى، ويقرّر أنَّ الإيمان لا قيمة له إن لم ينبنِ على بصيرةٍ. نعم، قد استُعمل الدين في بعض التجارب التاريخية أداةً سياسيةً لقمع المعارضين، لكن ذلك يطعن في السياسة لا في أصل حجّية النبوّة، ومن الخديعة تحميل الرسالة أخطاء السلطان.
وفي المحصلة، النبوّة تُثبت بالبيّنة العقلائيَّة التي تكفي طالب الحق وتفضح طالب المراوغة.
ومن لم يُرد الدليل أصلاً، فمهما نزلت عليه «آليةٌ حاسمةٌ» سيحوّلها إلى سؤالٍ جديدٍ؛ لأنَّ مشكلته ليست في البرهان، بل في الموقف النفسيّ من الالتزام.
اترك تعليق