تاريخ فرض الإمامة على المسلمين

السؤال: كلُّ الفرائض التي فرضها الله على المسلمين من توحيد الله، وإيمانٍ بالأنبياء والرسل، والصلاة والصيام والزكاة والحج فرضت على المسلمين في حياة النبيّ، والسؤال في أي عامٍ هجريٍّ فُرضت الإمامة على المسلمين؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: 

بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية لا بأس بإشارةٍ سريعةٍ إلى مقام الإمامة عند أتباع أهل البيت وعظيم شأنها، إذْ هي من أصول الدين وأركانه، كما دلَّت على ذلك الآيات والروايات وكلمات الفحول من العلماء، كما هو بيِّنٌ وواضح.

قال الله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾[المائدة:67]. المفسَّر في الروايات الشريفة بالإمامة.

فالملاحَظ في الآية المباركة أنَّ الله تعالى جعل جميع ما بلَّغه النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) في كفَّة، وجعل الإمامة في كفَّة أُخرى، بل جعل عدم تبليغ الإمامة مساوق لعدم تبليغ الدين كلِّه، كما هو واضح من لفظ الآية المباركة. 

وروى شيخنا الكليني (طاب ثراه) بسنده عن عبد العزيز بن مُسلم عن الإمام الرضا (عليه السلام) وفيه قوله: «إنَّ الإمامة أجلُّ قدراً وأعظم شأناً وأعلا مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أنْ يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم. إنَّ الإمامة خص الله (عزَّ وجلَّ) بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوَّة والخلَّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرَّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال:﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾، فقال الخليل (عليه السلام) سروراً بها:﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾، قال الله تبارك وتعالى:﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾. فأبطلت هذه الآية إمامة كلِّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة...» [الكافي ج1 ص198 وما بعدها].

وقال الشيخ المظفَّر (طاب ثراه): (نعتقد أنَّ الإمامة أصلٌ من أصول الدين، لا يتم الإيمان إلَّا بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربين مهما عظموا وكبروا، بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوَّة... إلى قوله: كما نعتقد أنَّها كالنبوة لطف من الله تعالى، فلابدَّ أنْ يكون في كلِّ عصر إمام هادٍ يخلف النبيّ في وظائفه، من هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامة على الناس لتدبير شؤونهم ومصالحهم وإقامة العدل بينهم ورفع الظلم والعدوان من بينهم. وعلى هذا، فالإمامة استمرار للنبوة. والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب أيضاً نصب الإمام بعد الرسول) [عقائد الإمامية ص65].

إذا تبيَّن هذا التمهيد فنقول: 

نعتقد أنَّ أوَّل إعلانٍ لفرض الإمامة على الناس كان في حادثة الدار التي فرض الله تعالى بها الإمامة على جمعٍ من الناس خاصَّة، ثمَّ تدرَّجت البيانات النبوية في تأكيد أمر الإمامة طيلة عمره الشريف حتَّى أمره الله تعالى بالإعلان بها للناس كافَّة في حادثة الغدير المباركة.

وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ إعلان فرض الإمامة مرَّ بعدَّة مراحل، إذْ بدأ أوَّلاً ببني عبد المطَّلب في حادثة الدار، ثمَّ استمرَّ الحال على هذا النحو من التبليغ التدريجي في عدَّة مناسبات حتَّى خُتم بالإعلان العام في يوم الغدير الأغر، كما دلَّ عليه الجمُّ الغفير من الأخبار الشريفة، نذكر جملة منها رغبة في الاختصار، منها:

1ـ ما رواه أبو جعفر الطبريّ بسنده إلى علي بن أبي طالب قال: «لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:214]، دعاني رسول الله فقال لي: يا علي، إنَّ الله أمرني أنْ أنذر عشيرتي الأقربين ... إلى قوله: ثمَّ تكلَّم رسول الله، فقال: يا بني عبد المطَّلب، إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممَّا قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أنْ أدعوكم إليه، فأيُّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أنْ يكون أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلتُ ... أنا يا نبي الله، أكونُ وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثمَّ قال: إنَّ هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أنْ تسمع لابنك وتطيع» [تاريخ الطبريّ ج2 ص319، بتصرُّف].

2ـ وما رواه الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده إلى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «لما نزلت﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴾ورهطك المخلصين، دعا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بني عبد المطَّلب وهم إذْ ذاك أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً فقال: أيُّكم يكون أخي ووصيي ووارثي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي؟ فعرض عليهم ذلك رجلاً رجلاً، كلُّهم يأبى ذلك حتَّى أتى عليٌّ، فقلت: أنا يا رسول الله، فقال يا بني عبد المطَّلب، هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي. فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أنْ تسمع وتطيع لهذا الغلام» [علل الشرائع ج1 ص170].

3ـ وما رواه ابن أبي شيبة بسنده إلى البراء، قال: «كنَّا مع رسول الله في سفر قال: فنزلنا بغدير خم، قال: فنودي: الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) تحت شجرة فصلَّى الظهر فأخذ بيد عليٍّ فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أنَّي أولى بكل مؤمنٍ من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فأخذ بيد علي فقال: اللَّهمَّ من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللَّهمَّ والِ من والاه وعادِ من عاداه. قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال: هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلِّ مؤمن ومؤمنة) [المصنف ج6 ص372].

4ـ وما رواه أحمد بسند صحيح لغيره عن سعيد بن وهب وعن زيد بن يثيع، قالا: «نشد عليٌّ الناس في الرحبة من سمع رسول الله يقول يوم غدير خم إلَّا قام، قال: فقام من قبل سعيد ستة، ومن قبل زيد ستة، فشهدوا أنَّهم سمعوا رسول الله يقول لعلي يوم غدير خم: أليس الله أولى بالمؤمنين؟ قالوا: بلى. قال: ‌اللَّهمَّ ‌من ‌كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللَّهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه» [المسند ج2 ص262 تحقيق الأرنؤوط].

5ـ وما رواه عبد الله بن جعفر الحِمْيري (طاب ثراه) بسنده إلى صفوان الجمال قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لمّا نزلت هذه الآية في الولاية، أمر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالدوحات في غدير خم فقمن، ثمَّ نودي: الصلاة جامعة، ثمَّ قال: أيها الناس... ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، ربِّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه. ثمَّ أمر الناس يبايعون علياً، فبايعه لا يجئ أحد إلَّا بايعه، لا يتكلَّم منهم أحد ... الحديث» [قرب الإسناد ص57].

والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، أنَّ الإمامة كانت قرينة النبوَّة في جميع وجودها، وأنَّ أوَّل إعلانٍ لها كان في حادثة الدار الذي أنذر فيه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عشيرته الأقربين، ثمَّ تدرَّجت البيانات النبويَّة في ذلك حتَّى كان آخرها الإعلان الرسمي العام لجميع الناس في يوم الغدير المبارك.. والحمد لله ربِّ العالمين.