معنى: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ}
السؤال: ما معنى قوله تعالى: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ}؟
الجواب: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اعلم – أيّدك اللهُ – أنّ هذه الآية الشريفة واقعةٌ في سياق الامتنان الإلهيّ بذكر صفوةٍ من أنبيائه الكرام: إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام)، بعد أنْ وصفهم بكونهم {أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ}، وهي كنايةٌ عن كمال القوَّة في مقام الطاعة، ونفاذ البصيرة في إدراك الحقّ والاهتداء إليه.
قال عليّ بن إبراهيم القمّيّ: (وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) في قوله: {أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ} يعني أولي القوَّة في العبادة والصبر فيها، وقوله: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ}، يقول: إنَّ الله اصطفاهم بذكر الآخرة واختصّهم بها) [تفسير القمّيّ ج2 ص242]
وقال السيّد الطباطبائيّ: (قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، مدحهم بتوصيفهم بأنَّ لهم الأيدي والأبصار، ويد الإنسان وبصره إنَّما يمدحان إذا كانا يد إنسانٍ وبصر إنسانٍ واستعملا فيما خُلِقا له وخدما الإنسان في إنسانيَّته فتكتسب اليد صالح العمل، ويجري منها الخير على الخلق، ويميز البصر طرق العافية والسلامة من موارد الهلكة، ويصيب الحقَّ ولا يلتبس عليه الباطل؛ فيكون كونهم أولي الأيد والأبصار كنايةً عن قوَّتهم في الطاعة وإيصال الخير وتبصّرهم في إصابة الحقِّ في الاعتقاد والعمل، وقد جمع المعنيين في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} الأنبياء: 73، فجعلهم أئمَّةً والأمر والوحي لأبصارهم وفعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لأيديهم وإليه يؤول ما في الرواية من تفسير ذلك بأولي القوَّة في العبادة والبصر فيها) [تفسير الميزان ج17 ص107] .
ثمَّ عقّب سبحانه ذلك بقوله: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ}، وهو – بلحاظ البناء للمفعول – ظاهرٌ في كون الإخلاص فعلاً إلهيَّاً محضاً، لا مجرّد اكتسابٍ بشريٍّ؛ بمعنى أنَّه تعالى اصطفاهم واختصَّهم بعنايةٍ ربَّانيَّة، فجرّد نفوسهم عن شوائب التعلّق بغيره، وصيّرها خالصةً له سبحانه، لا يشوبها هوىً، ولا يداخلها ميلٌ إلى غير وجهه الكريم. وهذا بعينه هو لبّ العصمة وحقيقتها.
وأمَّا قوله: {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ}، فالمراد به أنَّ هذه الخصوصيَّة الإلهيَّة قد تجلّت في جعل ذكرى الدار الآخرة وصفاً لازماً لهم على نحو الخلوص والانقطاع؛ أي أنَّهم بلغوا مرتبةً من استحضار الآخرة، بحيث صارت حاضرةً في وجدانهم حضوراً ملكوتيَّاً دائماً، لا يعرض عليه نسيانٌ ولا غفلةٌ.
ومن الواضح أنَّ من استغرق في شهود العاقبة، وانكشف له وجه الحقيقة الأخرويَّة على نحو الرسوخ، يمتنع عليه – بحسب الملكة الراسخة – الانجذاب إلى زخارف الدنيا أو الوقوع في مهاوي المعصية؛ إذ لا يجتمع كمال الالتفات إلى الجزاء مع الإقدام على ما يوجب الهلكة، ومن هنا كانت هذه «الخالصة» علَّةً في وصفهم السابق، وكاشفةً عن منشأ قوَّتهم في الطاعة وبصيرتهم في الدين.
وعليه، فالمتحصّل: أنَّ مفاد الآية ليس مجرّد المدح بذكر الآخرة، بل الإشارة إلى مقامٍ اصطفائيٍّ رفيع، قوامه جعلُ النفوس الإنسانيَّة في دائرة الإخلاص الإلهيّ، بحيث تنقطع عمَّا سوى الله، وتتوجّه بكليَّتها إلى الدار الآخرة، وهو ما يستبطن أعلى مراتب العصمة والتنزيه.
والحاصل: أنَّ قوله تعالى: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} يدلّ على اختصاص هؤلاء الأنبياء بعنايةٍ إلهيَّة أوجبت خلوص ذواتهم لله، وتجذّر ذكر الآخرة في نفوسهم على نحوٍ يمنع من صدور الزلل، ويؤسّس لمقام العصمة بأتمّ وجوهها.
نكتفي بهذا القدر والحمد لله أوَّلاً وآخراً
اترك تعليق