هل انتهت السببية فعلاً أم أن الكون لا يستغني عن سبب أول؟

السؤال: السببيَّة إلى انتهاءٍ، يجادل الربيُّون والمؤمنون بحجة السببيَّة، ووجوب المسبِّب الأول لإثبات الخالق، وببساطةٍ يشبهون سلسلة السببيَّة في كوننا بجنديٍّ ينتظر من قائده أمر الضغط على الزناد لإطلاق الرصاصة، والقائد ينتظر الأمر من قائده، وهكذا رجوعاً في سلسلة القادة، فإنْ كانت السلسلة غير منتهيةٍ لن يصل الأمر للجنديّ ولن يُطلق الرصاصة، لا بدَّ من قائدٍ أعلى (إله) تقف عنده السلسلة حتى يصدر الأمر وبالتالي تنطلق الرصاصة. حجةٌ مقنعةٌ، أليس كذلك؟ ليس تماماً. إذ لدينا - نحن الملحدين - تصورٌ آخرٌ لكوننا، هو الكون العنقاء (أو طائر الفينيق) الذي يولد من رماده بعد احتراقه ليعيش دورةً جديدةً، دوراتٌ لا نهائيَّةٌ، يمكن تشبيهها بمهرجٍ يقفز مرةً على قدميه، وأخرى على يديه وهكذا دواليك، لا أحد يأمر ولا قائد أعلى. فإنْ كانت سلسلة القادة في نموذج المؤمنين تُمثّل بخطٍّ مستقيمٍ له بدايةٌ (خالقٌ إلهٌ)، فنموذجنا نحن الملحدين يُمثّل بدائرةٍ أو ثعبانٍ يأكل ذيله (الأوربوروس).. وطبعاً هنا "مادة/طاقة" هذا الكون العنقاء أو الأوربوروس هي محفوظةٌ (حسب قانون الحفظ: الطاقة/المادة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم، وإنَّما تتغير من شكلٍ إلى آخرٍ) وبالتالي فهي أزليَّةٌ.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

قبل الدخول في تفكيك هذا الطرح، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذا السؤال – بصيغته ومفرداته – قد وُجّه إلينا - كما هو - من مواقع معروفةٍ بخطابها الإلحاديّ، كـ «الحوار المتمدن» و«شبكة الإلحاد العربيّ»، والناشر نفسه يقدّم ذاته باسمٍ لافتٍ: «يهوذا الأسخريوطيّ عميد اللادينيين العرب»، وهذه الإشارة ليست للتشنيع، بل للتنبيه إلى أنَّ الطرح هنا ليس حياديَّاً، بل صادرٌ عن موقفٍ فكريٍّ مسبقٍ، وهو ما يفسّر طبيعة المعالجة التي تميل إلى السخرية أكثر من التحليل، وإلى التشبيه أكثر من البرهان.

أمّا من حيث المضمون، فإنَّ هذا الكلام – رغم زخرفته – لا يقدّم بديلاً حقيقيَّاً لحجة السببيَّة، بل يبدّل صورة السؤال دون أنْ يجيب عنه. فحجة السببيَّة لا تقول: إنَّ الكون يشبه سلسلة قادة، بل تقول: إنَّ كلَّ ما له بدايةٌ أو كلَّ ما هو ممكن الوجود يحتاج إلى تفسيرٍ خارجٍ عنه، وهذه ليست استعارةً عسكريَّةً، بل مبدأٌ عقليٌّ بسيطٌ: لا شيء يبدأ من لا شيءٍ، ولا شيء يفسّر نفسه بنفسه إذا كان وجوده غير ضروريٍّ.

أما ما سُمّي بـ «نموذج الكون العنقاء» أو «الأوربوروس» (الدائرة التي تأكل نفسها)، فهو في الحقيقة ليس جواباً، بل إعادة صياغةٍ للمشكلة، فبدلاً من القول بوجود بدايةٍ، يُفترض وجود دوراتٍ لا نهائيَّةٍ، لكنَّ السؤال يبقى كما هو: ما الذي يفسّر وجود هذه الدورات نفسها؟ ما الذي يفسّر وجود «النظام» الذي يسمح بهذا التكرار؟ مجرَّد القول بأنَّها «دوراتٌ لا نهائيَّةٌ» لا يقدّم تفسيراً، بل يؤجّل السؤال إلى ما لا نهايةٍ.

فالتسلسل – سواءٌ كان خطاً مستقيماً كما في المثال الأوّل، أو دائريّاً كما في مثال «الثعبان الذي يأكل ذيله» – يظلّ مجموعةً من حلقاتٍ تحتاج إلى تفسيرٍ، فالدائرة لا تفسّر نفسها لمجرَّد أنَّها مغلقةٌ، كما أنَّ الخط لا يُفسَّر لمجرَّد أنَّه ممتدٌّ. السؤال العقليّ البسيط يبقى قائماً: لماذا يوجد هذا الشيء أصلاً بدلاً من ألَّا يكون؟

أما الاستشهاد بقانون حفظ الطاقة «الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم»، فهو في غير محلّه تماماً؛ لأنَّ هذا القانون يتحدّث عن تحوّلاتٍ داخل نظامٍ موجودٍ بالفعل، لا عن أصل وجود النظام نفسه.

هو يجيب عن سؤال: ماذا يحدث للطاقة داخل الكون؟ لكنَّه لا يجيب عن سؤال: من أين جاء الكون أصلاً؟ أو لماذا توجد هذه الطاقة من الأساس؟

ثم إنَّ القول بأزليَّة المادّة أو الطاقة ليس نتيجةً علميَّةً قاطعةً، بل افتراضٌ فلسفيٌّ يُطرح لتفادي سؤال البداية، بل إنَّ كثيراً من النماذج العلميَّة الحديثة تشير إلى أنَّ الكون له بدايةٌ زمنيَّةٌ، لكن حتى لو افترضنا – جدلاً – أزليَّة الكون، فإنَّ هذا لا يلغي الحاجة إلى تفسيرٍ؛ لأنَّ الأزليَّة الزمنيَّة لا تعني الاستقلال الذاتيَّ، ولا تعني أنَّ الشيء يفسّر نفسه بنفسه.

والأهم من ذلك أنَّ هذا الطرح يقوم على خلطٍ شائعٍ بين مستويين مختلفين: مستوى «وصف كيف يعمل الكون»، ومستوى «تفسير لماذا يوجد الكون»، فحتى لو قُدّمت نماذج فيزيائيَّة تصف دوراتٍ أو تحولاتٍ، فإنَّها تظل ضمن إطار «كيف»، ولا تمس السؤال الأعمق: لماذا يوجد هذا النظام من الأساس؟ ولماذا هذه القوانين بالذات؟

أمّا من الناحية المنهجيَّة، فإنَّ هذا الطرح يكشف عن نزعةٍ واضحةٍ إلى استبدال البرهان بالتشبيه، فبدلاً من تقديم دليلٍ عقليٍّ أو علميٍّ، يتم اللجوء إلى صورٍ ذهنيَّةٍ: «عنقاء»، «مهرج»، «ثعبان يأكل ذيله»... وهذه قد تكون مفيدةً في التوضيح، لكنَّها لا تصلح أنْ تكون بديلاً عن الحجّة؛ لأنَّ المشكلة ليست في شكل الكون، بل في تفسير وجوده.

وفي المحصّلة، ما يُقدَّم هنا ليس نقضاً لحجّة السببيَّة، بل التفافاً عليها. فبدلاً من الإجابة عن السؤال: لماذا يوجد الكون؟ يتم تغيير صورته من «خط» إلى «دائرة»، وكأنَّ الشكل يغيّر جوهر المشكلة.

بينما الحقيقة أنَّ السؤال يبقى قائماً في كلتا الحالتين: ما الذي يفسّر وجود هذه السلسلة – أيَّاً كان شكلها – ولماذا هي موجودةٌ أصلاً؟

وهنا يتبيّن أنَّ الإشكال ليس في حجّة السببيّة، بل في محاولة الهروب من مقتضاها؛ لأنَّ الإقرار بأنَّ كلَّ ما له وجودٌ ممكنٌ يحتاج إلى تفسيرٍ، يقود بالضرورة إلى الإقرار بوجود سببٍ أوّلٍ لا يعتمد على غيره. وكلُّ ما عدا ذلك ليس تفسيراً، بل تأجيلٌ للسؤال أو إعادة صياغته بلغةٍ مختلفةٍ.