هل يصح إسناد لفظ (الهزيمة) إلى المعصوم؟
السؤال: هل يصحُّ استعمال لفظة الهزيمة في توصيف ما حصل مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) أو بعض الأئمة (عليهم السلام) من انكسارات في بعض الحروب والمواقف؟ كأن يقال: هُزم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أحد، أو هُزم الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
محصّل الكلام في مقامين:
المقام الأول: في مراعاة الأدب مع المعصوم (عليهم السلام):
للمعصومين من المقامات السّامية والمراتب العالية والقداسة ما لا يمكن للمدح أنْ يبلغ كنهه أو للوصف أنْ يحيط بقدره، وإطلالة ولو سريعة على الزيارة الجامعة الكبيرة الواردة عنهم (عليهم السلام) تكفي لاستشعار تلك القداسة الخاصة التي تمتع بها أهل البيت (عليهم السلام).
من هنا ينبغي أنْ يكون الإنسان في غاية اللباقة والتأدب فيما يخص التعامل مع المعصوم، سواء في زيارته، أم في التوسل به، أم في الحديث عنه وتوصيف أحواله، وأنْ يكون في جميع ذلك مثالاً لما جاء في الزيارة الجامعة: «طأطأ كل شريف لشرفكم».
فإذا وقفت على ذلك نقول: من جهات التأدب مع المعصوم التأدب في مقام الحديث عنه وتوصيف أحواله؛ كذكره مصحوباً بألفاظ الاحترام وعبارات التبجيل.
يقول المرجع الشيخ الوحيد الخراسانيّ (دام ظله) - في سياق حديثه عن التأدب عند ذكر اسم سيد الشهداء (عليه السلام) -: (تأدّبوا واعرفوا بماذا تتفوهون، وأيّ اسم هذا الذي يجري على ألسنتكم، على الرغم من غسل الفم ألف مرّة بالعطر وماء الورد فإن جريان اسمك على لساني هو غاية في سوء الأدب. إذا أردتم ذكره فقولوا: سيّد الشهداء، إمام الأولياء، أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)) [مقتطفات ولائية ص25].
ومن الآداب المرعية في مقام الحديث عنه وتوصيف أحواله، هو تخيّر الألفاظ اللبقة، التي لا تحمل طابعاً سلبياً في متفاهم العرف، ممّا من شأنِهِ أنْ يخدش من قداسة المعصوم وعصمته، أو يحطّ من شأنه في النفوس، أو يوهم المخاطبين ويوقعهم في اللبس.
وفي حال اضطر المرء ولا بدّ من استعمال بعض الألفاظ التي تنطوي في بعض إطلاقاتها على ما هو سلبي في معناها؛ أي التي يمكن بحدّ ذاتها أنْ تنطبق عند الإطلاق على معنىً سلبيّ ومعنىً آخر إيجابيّ على حدّ سواء، ولم يجد لقصور المفردات مرادفاً أبعد عن الإيحاءات السلبيّة، لزمه في هذه الحال أنْ يعتني بتوجيه الكلام بالقرائن الدافعة لما قد يتوهّم من معانٍ سلبيةٍ، والمانعة من حصول اللبس لدى المخاطبين.
المقام الثاني: في إطلاق لفظة الهزيمة على المعصوم:
الهزيمة في الحرب أو القتال تعني الانكسار والفلَلْ [لسان العرب ص4665]. بقطع النظر عن سبب الانكسار أو نوعه؛ فكما تطلق الهزيمة على الانكسار لقلة الحول والناصر وكثرة الأعداء وتواترهم، تطلق أيضاً على الانكسار نتيجة الجبن وضعف القلب وعدم الثبات والفرار، أو الغفلة والكسل، أو قلة الدراية بشؤون الحرب وما شاكل ذلك من الأسباب السلبية. وكما تطلق على الانكسار على المستوى المادي والعسكري، أيضاً تطلق على الانكسار المعنوي والنفسي والعقائدي، إلى غير ذلك من الأنواع السلبية.
فهذه المفردة تطلق على الانكسار بشكل عام وبقطع النظر عن سببه ونوعه.
وبما أنَّ هذه الكلمة تنطوي على بعض المعاني السلبيّة التي تقدّم ذكرها، كما أنّها صارت عرفاً تحمل إيحاءات لتلك المعاني، فإنّه يلزم تحرّي المرادف اللائق الخالي من هذه الإيحاءات السلبيّة عند الإسناد للمعصوم.
وفي حال الاضطرار لاستعمالها بالذات لقصور في المفردات، فإنَّه يلزم التحفّظ بتقييدها بالقيود اللازمة؛ احترازاً عن نسبة أيّ معنىً سلبيّ إلى المعصوم أو الخدش بمقامه القدسيّ، فيُسند لغيره، كالجيش مثلاً.
فمن غير السليم نسبتها إلى المعصوم على إطلاقها دون تقييدها بالقرائن المناسبة، فلا يقال هكذا وبشكل مطلق: «هزم النبيّ (صلى الله عليه وآله) يوم أحد»، أو «هزم سيد الشهداء (عليه السلام) يوم كربلاء»، بل لابد من اكتناف الكلام بالقرائن اللازمة، ولا يترك هكذا على إطلاقه.
مع الأخذ بنظر الاعتبار، أنّ الذي حصل في معركة أحد هو غلبة المسلمين في أوّل المعركة، ثمّ غلبة المشركين بسبب عصيان بعض المسلمين أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ثمّ غلبة المسلمين في آخره، فالمقصود هو الانكسار الحاصل في وسط المعركة ممّا تسبّب باستشهاد الحمزة بن عبد المطلب (عليه السلام) وغيره من شهداء أحد، وللمركز جواب سابق منشور بعنوان: (انتصار المسلمين في معركة أحد).
كما أنّ الذي حصل في كربلاء هو غلبة جيش يزيد عسكريّاً على جيش سيد الشهداء (عليه السلام)، وقد خيّر (عليه السلام) بين النصر ولقاء الله تعالى، فاختار لقاء الله تعالى، وبذلك تحقّق الفتح الذي خرج لتحقيقه، ولمّا سُئل الإمام السجّاد (عليه السلام): «مَن غلب؟»، قال: «إذا أردت أن تعلم مَن غلب، ودخل وقت الصلاة، فأَذِّنْ ثمّ أَقِمْ» [الأمالي للطوسيّ ص677].
على كلٍّ، الملاحظ أنّ القرآن الكريم عندما تعرّض لمعركة أحد، لم يستعمل لفظ (الهزيمة) لوصف موقف النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل استعمل لفظاً آخر، فقال: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم} [آل عمران: 152]، فأسند الفشل لبعض مَن خالف الأمر لا إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله).
وهكذا الحال بالنسبة لسائر الألفاظ التي تنطوي في بعض إطلاقاتها على معان سلبية، فالأمر في الجميع واحد.
وفي النهاية من المناسب أنْ نشير هنا إلى أنَّ الانكسارات المادية التي تبتلى بها جبهة الحق على صعيد الأرواح والأموال والعتاد، ما دامت غير ناتجةٍ عن تقصير، فهي بلا ريبٍ انتصاراتٌ في حقيقتها وواقعها وفقاً للموازين الإلهيَّة والأخرويَّة؛ لأنَّها تنطوي على أداء التكليف، وهو غاية العارفين، وأمّا النتائج فهي على الله سبحانه ما دام الإنسان غير مقصّر في رعاية التكليف والتحفظ على مقدّماته.
من هنا، فإنّه وإنْ أصيب سيد الشهداء (عليه السلام) يوم كربلاء، إلَّا أنَّ ذلك وبالقياس إلى الموازين الإلهيّة كان انتصاراً وفتحاً له؛ لأنّه فاز بأداء ما عليه من تكليف دون أيّ تهاونٍ أو توانٍ، يقول تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة 52].
اترك تعليق