شبهات حول تعامل الأئمة (ع) مع الجواري والإماء.

أورد أحدهم إشكالاتٍ شأنها الطعن في أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في مسألة الإماء وكذلك اليمين، منها رواية في الاستبصار أنّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان عندما يريد شراء الجارية يكشف عن ساقيها، فما هو الردّ المناسب عليها؟

: سيد عبدالهادي

الجوابُ:

السلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه،

ينبغي بدايةً استعراضُ الرّواية، ثمّ التعقيبُ عليها بما ينبغي لدفعِ هذهِ الإشكالات..

أمّا الروايةُ فهيَ ما رواها الشيخُ الجليلُ عبدُ الله بنُ جعفرٍ الحميريّ في كتابِه [قربُ الإسناد ص103 ح344] عن الحسنِ بنِ ظريف، عن الحسينِ بنِ علوان، عن جعفرٍ، عن أبيه، « عن عليّ (عليهِ السلام)، أنّه كانَ إذا أرادَ أن يبتاعَ الجاريةَ يكشفُ عن ساقيها، فينظرُ إليها ».

ونقلَها عنه المتأخّرونَ في مدوّناتِهم الحديثيّةِ والفقهيّة، كالشيخِ الحُرِّ العامليّ في وسائلِ الشيعة، والعلّامةِ المجلسيّ في بحارِ الأنوار، وغيرِهم.

فالمصدرُ الأساسُ لهذهِ الروايةِ هوَ كتابُ قُربِ الإسنادِ للحِميريّ، ويعنى هذا الكتابُ بإيرادِ الأحاديثِ ذاتِ الأسانيدِ القريبةِ والعالية، ولهذا نجدُ أنَّ هذهِ الروايةَ تمتازُ بهذهِ الخصوصيّة، فيرويها الحِميريّ بواسطتينِ عن الإمامِ الصّادقِ (عليهِ السلام). ولم يُروَ مِن طريقٍ آخر؛ إذ انفردَ به الحُسينُ بنُ علوان، وانفردَ بهِ عنهُ الحسنُ بنُ طريف، وانفردَ بهِ عنهُ الشيخُ الحِميريّ.

وقد يقالُ: لماذا يكشفُ الإمامُ (عليهِ السلام) عن ساقَي الجارية؟ أليسَ ذلكَ حراماً أو غيرَ مُناسبٍ؟ خصوصاً أن يصدرَ ذلكَ عن الإمامِ المعصوم.

ويقعُ الكلامُ في جوابِ هذا السؤالِ تعقيباً على هذهِ الرواية، في ثلاثِ نقاط:

النقطةُ الأولى:

إنَّ الروايةَ يرويها الشيخُ الحِميريّ ـ وهوَ مِن عيونِ الطائفةِ وأجلّائها ـ، عن الحسنِ بنِ ظريف ـ وهوَ منَ الثقات ـ، عن الحُسينِ بنِ علوان الكلبيّ، عن الإمامِ الصّادق (عليهِ السلام).

وقد وقعَ كلامٌ بينَ الأصحابِ في العملِ برواياتِ الحُسينِ بنِ علوان الكلبيّ؛ فقد ذكرَ الشيخانِ الكشيّ والنجاشيّ أنّه مِن رجالِ العامّة، ويظهرُ مِن كلماتِ الشيخِ الطوسيّ أنّه كانَ زيديّاً، فالرّجلُ ليسَ مِن أهلِ الإيمانِ الشيعةِ الإماميّة، ويومئُ لذلكَ أنَّ ديدنَ الإماميّةِ أن يعبّروا عن الإمامِ الصّادقِ (عليهِ السلام) بـ« أبي عبدِ الله (عليهِ السلام) »، بينَما ديدنُ العامّةِ أن يعبّروا عن الإمامِ باسمِه « جعفر ».

وقد ذكرَ الشيخُ الطوسيّ في [الاستبصارِ ج1 ص66 ح196] روايةً مِن طريقِ الحُسينِ بنِ علوان، وعلّقَ عليها بقولِه: « رواةُ هذا الخبرِ كلّهم عامّةٌ ورجالُ الزيديّة، وما يختصّونَ بروايتِه لا يُعمل به »، وقالَ المُحقّقُ الحلّيُّ في [المُعتبر ج1 ص326] بعدَما ساقَ روايةً مِن طريقِ ابنِ علوان: « والحديثُ الثاني رجالهُ زيديّةٌ، وحديثُهم مطرحٌ بينَ الأصحاب ».

وقد ذكَرنا ـ مِن قبلُ ـ أنَّ هذا الحديثَ انفردَ بروايتِه الحسينُ بنُ علوان، ولم يُروَ لنا مِن طريقٍ غيرِه ووجهٍ آخر، كما لم يروِه غيرُ الحِميريّ بكتابِه (قربُ الإسناد) الذي يهتمُّ بإيرادِ الأحاديثِ ذاتِ الأسانيدِ العالية، فقد خلَت عن ذكرِه المجاميعُ الحديثيّةُ التي عليها المدارُ في الفقهِ والفتوى، كالكافي الشريفِ للشيخِ الكُلينيّ، والفقيهِ للشيخِ الصّدوق، والتهذيبينِ للشيخِ الطوسيّ.

ثمَّ لو سلّمنا أنّهُ منَ الإماميّةِ أو أنَّ حديثَ غيرِ الإماميّ مقبولٌ، فقَد وقعَ كلامٌ بينَ الأعلامِ في الوثاقة؛ فقد ذكرَه الشيخُ النجاشيّ في [رجالِه ص52] بقولِه: « الحسينُ بنُ علوان الكلبيّ مولاهم، كوفيٌّ، عامّيٌّ، وأخوهُ الحسنُ يُكنّى أبا مُحمّد، ثقةٌ، رويا عن أبي عبدِ الله (عليهِ السلام)، وليسَ للحسنِ كتابٌ، والحسنُ أخصُّ بنا وأولى »، والكلامُ هوَ أنَّ قولَه « ثقةٌ » يقصدُ بهُ الحسينَ بنَ علوان أم أخاهُ الحسنَ بنَ علوان؟

استظهرَ بعضُ الأعلام ـ كالسيّدِ الخُوئيّ في [مُعجمِ رجالِ الحديث ج4 ص394] ـ أنَّ التوثيقَ يرجعُ إلى الحُسينِ بنِ علوان؛ لأنّه صاحبُ الترجمةِ، وجملةُ « وأخوهُ الحسنُ يُكنّى أبا محمّدٍ » جملةٌ مُعترضة.

بينَما استظهرَ بعضُ الأعلام ـ كالمُحقّقِ المامقانيّ في [تنقيحِ المقال ج22 ص255]، والمُحقّقُ التستريّ في [قاموسِ الرّجال ج3 ص192]، والسيّدُ مُحمّد رضا السيستانيّ في [القبساتِ ج1 ص228] ـ أنّ التوثيقَ يرجعُ إلى أخيهِ الحسنِ بنِ علوان؛ إذ لو كانَ التوثيقُ راجعاً إلى الحُسينِ لكان َالأنسبُ ذكرُه بعدَ قولِه: « عامّيٌّ »، لا إقحامَهُ بينَ جُملتين، أولاهُما تتعلّقُ بأخيهِ الحسن والثانيةُ تتعلّقُ بهما جميعاً وهيَ قولهُ: « رويا عن أبي عبدِ الله (عليهِ السلام) ». فإذا لم يكُن هذا ـ أعني رجوعَ التوثيقِ لأخيهِ الحسن ـ ظاهراً منَ العبارة، فلا أقلَّ مِن عدمِ ظهورِها في رجوعِ التوثيقِ إلى الحُسين.

الحاصلُ: إنَّ ما يُستفادُ مِنه توثيقُ الحُسينِ بنِ علوان مِن كلامِ الشيخِ النجاشيّ غيرُ واضحٍ؛ إذ التوثيقُ مُردّدٌ بينَ كونِه للحُسينِ وبينَ كونِه لأخيهِ الحسن، وحينئذٍ لا يمكنُ إحرازُ كونِ التوثيقِ للحُسين.

نعَم، ذكرَ العلّامةُ الحِلّيّ في [خُلاصةِ الأقوال ص338] عن ابنِ عُقدة ـ وهوَ مِن كبارِ الزيديّةِ ـ « إنَّ الحسنَ كانَ أوثقَ مِن أخيهِ وأحمد عندَ أصحابنا »، فقد يدلُّ ذلكَ على أنَّ الحُسينَ ثقةٌ ومحمود وإن كانَ أخوهُ الحسن أوثقُ وأحمد.

ولكِن ناقشَ فيهِ السيّدُ الخُوئيّ في [مُعجمِ رجالِ الحديث ج4 ص394] بأنَّ طريقَ العلّامةِ الحلّيّ إلى ابنِ عُقدة مجهول، فلا يُعوَّلُ على الكلامِ المنقولِ عنه. كما ناقشَ فيه السيّدُ رِضا السيستانيّ في [القبساتِ ج1 ص228] بأنَّ هذا الكلامَ يدلُّ على وثاقةِ الحُسينِ عندَ الزيديّةِ لا عندَ الإماميّة.

الحاصلُ: إنَّ الحديثَ انفردَ بهِ الحسينُ بنُ علوان، وهوَ العامّةُ أو الزيديّة، والأصحابُ لا يعملونَ بما يختصّونَ بروايتِه وينفردونَ به، ولو تنزّلنا عَن ذلكَ فهوَ مختلفٌ في وثاقتِه، وعمدةُ ما يُستدلُّ بهِ على وثاقتِه هوَ كلامُ النجاشيّ، ولكنَّ كلامَ النجاشيّ غيرُ ظاهرٍ في كونِ التوثيقِ للحُسين؛ إذ إنَّ الظاهرَ أنَّ المرادَ بهِ هوَ أخوهُ الحسن، أو لا أقلَّ منَ التردّدِ والشكِّ في كونِ المرادِ هوَ الحُسين أو أخوهُ الحسن، وحينئذٍ لا يمكنُ إحرازُ وثاقةِ الحُسين.

 

النّقطةُ الثانية:

لو سلّمنا أنَّ الحُسينَ بنَ علوان الكَلبيّ موثّقٌ، وأنَّ الروايةَ مُعتبرةٌ ـ كما بنى عليهِ السيّدُ الخوئيّ ـ، فهيَ حُجّةٌ شرعيّةٌ، فنقول:

إنَّ الروايةَ يستفادُ منها أمران: أحدُهما: حكمٌ شرعيٌّ، وهوَ جوازُ الكشفِ عن ساقِ الجاريةِ التي يُرادُ ابتياعُها والنظرُ إليها، وهوَ ما يستفادُ مِن فعلِ الإمام (عليهِ السلام). والآخرُ: أمرٌ تكوينيّ، وهوَ أنَّ الإمامَ عليّ (عليهِ السلام) كانَ يكشفُ عن ساقي الجاريةِ التي يريدُ ابتياعَها وينظرُ إليها.

وقد وقعَ كلامٌ بينَ الأعلامِ في المرادِ منَ (الحُجّيّة) عندَما نقولُ إنّ الروايةَ حُجّةٌ شرعيّة، هل المرادُ بها المنجّزيّةُ والمعذّريّة؟ بمعنى أنّها تنجّزُ التكليفَ على ذمّةِ المُكلّف، وتعذّرُه فيما لو لم تُصِب الواقعَ، أو المراد بها الطريقيّة؟ بمعنى أنّها تحرزُ الواقعَ ببركةِ التعبّدِ الشرعيّ، أم ماذا؟

لو قُلنا أنَّ المُرادَ بالحُجّيّةِ هيَ المُنجّزيّةُ والمعذّريّة، فمنَ الواضحِ أنّها تشملُ الأحكامَ الشرعيّةَ فقط؛ إذ لا يُعقلُ إلّا فيما إذا كانَ لمؤدّاهُ أثرٌ شرعيّ، وهذا مُنتفٍ في الأمورِ التكوينيّةِ والتاريخيّة، بأنَّ هذا الأمرَ حصلَ هكذا أو لا، ونحو ذلك؛ إذ لا يكونُ لهُ أثرٌ شرعيّ، فالأمورُ غيرُ الشرعيّةِ تحتاجُ لليقينِ أو الاطمئنان، ويتحقّقُ بتظافرِ الأخبارِ أو احتفافِها بقرائنَ توجبُ القطعَ أو الاطمئنان. نعَم، يجوزُ الإخبارُ عَنها بأنّهُ رُويَ كذا، ووردَ في كتابِ كذا، ونحو ذلك. [ينظر: مصباحُ الأصول ج2 ص278].

وحينئذٍ، ينبغي التفكيكُ فيما يُستفادُ منَ الرواية، فهيَ حُجّةٌ في الأمورِ الشرعيّةِ فقط، دونَ غيرِها منَ الأمورِ التكوينيّةِ والتاريخيّة، فيقعُ التبعيضُ في الأخذِ بالرواية، فيُؤخذُ بالأمرِ الأوّل ـ وهوَ الحُكم الشرعيّ ـ، ولا يُؤخذُ بالأمرِ الثاني ـ وهوَ الأمرُ التكوينيّ ـ.

والتفكيكُ فيما يُستفادُ منَ الخبرِ ليسَ أمراً غريباً، بل هوَ واقعٌ لا محالة، ولنضرِب لذلكَ مثالين:

المثالُ الأوّل: لو وردَت روايةٌ معتبرةٌ تتضمّنُ حُكمين، أحدُهما: حكمٌ عقديٌّ أصليّ، والآخرُ: حكمٌ فقهيٌّ فرعيّ، فهذهِ الروايةُ تكونُ حُجّةً في الحُكمِ الفقهيّ الفرعيّ لأنَّ الخبرَ الواحدَ المُعتبرَ حُجّةٌ فيه، بينَما لا تكونُ حجّةٌ في الحُكمِ العقديّ الأصليّ؛ لأنَّ المسائلَ العقديّةَ الأصليّةَ تعتازُ لأدلّةٍ يقينيّةٍ قطعيّة، ولا يكفي فيها الخبرُ الواحد.

المثالُ الثاني: لو وردَت روايةٌ ضعيفةٌ تتضمّنُ الحُكمَ باستحبابِ فعلٍ ما، فهيَ تشتملُ على أمرين، أحدُهما: أنَّ هذا الفعلَ راجحٌ، والآخرُ: أنَّ المعصومَ قالَ هذا الكلام، أو أنّه فعلَ هذا الفعل، وإذ إنَّ غيرَ الإلزاميّاتِ ـ وهيَ المُستحبّاتُ والمكروهات ـ لا يشترطُ فيها اعتبارُ الرواية، بل يكفي فيها ورودُ الروايةِ وإن كانَت غيرَ مُعتبرة، فحينئذٍ يؤخَذُ بهذهِ الروايةِ الضعيفة ويُعملُ بمضمونِها الدالِّ على استحبابِ الفعلِ أو كراهتِه، بينَما لا يمكنُ البناءُ على أنَّ هذهِ الروايةَ صدرَت عن المعصوم؛ لأنّها غيرُ مُعتبرةِ الإسناد.

إذن: لو سلّمنا اعتبارَ الروايةِ وقُلنا بحُجّيّتها، فهيَ حُجّةٌ فيما تضمّنَ مِن حُكمٍ شرعيٍّ فحسب على مبنى جُملةٍ منَ الأعلام، دونَ غيرِه منَ الأمورِ التكوينيّةِ والتاريخيّةِ، بل البناءُ عليها يعتازُ لأدلّةٍ تفيدُ اليقينَ أو الاطمئنان.

 

النّقطةُ الثالثة:

لو سلّمنا أنَّ الروايةَ مُعتبرةُ الإسناد، وأنّها حُجّةٌ في الأحكامِ الفقهيّةِ والأمورِ التكوينيّةِ، كما عليهِ بعضُ الأعلام، فنقول:

إنّ حُكمَ نظرِ الرّجلِ إلى المرأةِ منَ المسائلِ الفقهيّةِ الشرعيّة، فينبغي أخذُ الحُكمِ منَ الشارعِ المُقدّس، ولا مجالَ للرّأي والذوقِ والاستحسان؛ إذ مسألةُ نظرِ الإنسانِ لغيرِ مُماثلِه لهُ تفريعاتٌ واستثناءاتٌ وردَت عن الشارعِ الحكيم، وليسَ الحُكمُ هوَ الجوازُ مُطلقاً أو الحرمةُ مُطلقاً، ففي حينِ يجوزُ النظرُ إلى المحارم، فإنّه يُستثنى منه: النظرُ إلى العورةِ فإنّه مُحرّم، والنظرُ بريبةٍ وتلذّذٍ فإنّهُ مُحرّم.

وكذلكَ في حينِ يحرمُ النظرَ إلى الأجنبيّة ـ مُطلقاً أو ما عدا الوجِه والكفّين ـ، فإنّه يُستثنى منه موارد: مِنها: الضرورةُ كالمُعالجةِ والإنقاذِ والشهادةِ ونحو ذلك، ومِنها: القواعدُ منَ النساءِ اللاتي لا يرجونَ نكاحاً بالنّسبةِ إلى ما هوَ المُعتادُ له مِن كشفِ بعضِ الشعرِ والذراع، ومِنها: المرأةُ التي يُرادُ الزواجُ مِنها، ومِنها: الأمةُ في مقامِ شرائِها، وغير ذلك.

والشارعُ المُقدّسُ هوَ الذي بيدِه الترخيصُ والتحريم، فلَه أن يُرخّصَ في موردٍ ولا يرخّصَ في موردٍ آخر، ولا يجوزُ الاعتراضُ على حُكمِ الشارع، فالشارعُ في حينِ لم يُرخّص النظرَ إلى المرأةِ الأجنبيّةِ فقد رخّصَ في موارد ـ تقدّمَت الإشارةُ لبعضِها ـ، ومِن جُملتها: النظرُ إلى محاسنِ المرأةِ التي يُرادُ الزواجُ مِنها، فللخاطبِ أن ينظرَ إلى شعرِها وساقِها ونحو ذلك مِن محاسنِها ـ عدا العورةِ المُغلّظة ـ، كذلكَ للمُشتري أن ينظرَ إلى شعرِ الأمةِ وساقِها ونحوِ ذلك مِن محاسنِها، فإنَّ كلّاً مِن خُطبةِ المرأةِ وشراءِ الأمةِ مِن بابٍ واحد، ولا يجوزُ الاعتراضُ والاستنكارُ على حُكمِ الشارع.

وفعلُ الإمامِ (عليهِ السلام) ـ كما في روايةِ ابنِ علوان ـ مستندٌ لحُكمٍ شرعيّ، وهوَ جوازُ النظرِ إلى الأمةِ في مقامِ الشراء، فليسَ في الفعلِ أيُّ حُرمة؛ لكونِه جائزاً شرعاً. بل وليسَ فيهِ أيُّ حزازة؛ إذ العُرفُ بذاكَ الزمانِ لم يكُن يُرى في مثلِ هذا الفعلِ أيّ حزازةٍ، فقد كانَ شراءُ الإماءِ والعبيدِ أمراً مُتعارفاً آنذاك، وكانَ النظرُ لمحاسنهنَّ منَ الأمورِ المُتعارفةِ الطبيعيّةِ أيضاً، وهناكَ شواهدُ كثيرةٌ على ذلكَ لا يسعُ المجالُ لذكرِها.  

 

النقطةُ الرّابعة:

لو سلّمنا جدلاً أنَّ النظرَ للإماءِ في مقامِ الشراءِ مُحرّمٌ، فنقول:

لقد ثبتَ بالأدلّةِ اليقينيّةِ أنَّ الإمامَ (عليهِ السلام) معصومٌ مُطهَّر، لا تصدرُ منهُ المعصية، وغايةُ ما تفيدُه هذهِ الروايةُ هوَ الظنُّ بصدورِ هذا الفعل، ولا يمكنُ رفعُ اليدِ عن الأدلّةِ اليقينيّةِ لوجودِ روايةٍ واحدةٍ ظنيّة، فإنَّ الظنيَّ لا يعارضُ اليقينيَّ ولا يكافئه، وحينئذٍ لا يمكنُ الأخذ بظاهرِ الرواية، فيجبُ ردُّ علمِها إلى أهلِها أو تأويلُها وتوجيهُها بما ينسجمُ معَ القولِ بعصمةِ الإمام (عليهِ السلام)، كالقولِ بأنَّ مَن نظرَ إليهنَّ الإمامُ (عليهِ السلام) هنَّ مُلكُه حقيقةً وواقعاً لكونهنَّ مِن غنائمِ حربٍ لم يأذَن فيه، أو القول إنّ هذه الرواية صدرت في مقام التقيةِ باعتبار أنّ الراوي عن الإمام ليس إماميّاً.

 

الحاصلُ: إنَّ روايةَ ابنِ علوان التي قد يُتمسّكُ بها للطعنِ بعصمةِ الإمامِ (عليهِ السلام) يلاحظُ عليها:

1ـ أنَّ الروايةَ غيرُ مُعتبرةِ الإسناد.

2ـ لو سلّمنا أنّها مُعتبرةٌ، فهيَ غيرُ مُعتبرةٍ في الأمورِ التكوينيّة.

3ـ لو سلّمنا أنّها معتبرةٌ في الأمورِ التكوينيّة، فالصّادرُ منَ الإمامِ هوَ فعلٌ جائز، فهوَ ليسَ مُحرّماً شرعاً، ولا فيهِ غضاضةٌ عرفيّة.

4ـ لو سلّمنا أنَّ الفعلَ مُحرّمٌ فهوَ خبرٌ واحدٌ ظنّيّ، لا يعارضُ الأدلّةَ اليقينيّةَ الدالّةَ على عصمةِ الإمام، فينبغي حملُها على التقيّةِ أو توجيهُها وتأويلُها بما يتناسبُ معَ عصمةِ الإمامِ الثابتةِ بالقطعِ واليقين.