ولولا فاطمة لما خلقتكما ... !!

هل ورد حديث قدسي: يا محمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما؟ ما هو مصدر الحديث؟ وما تفسيره؟

: سيد حسن العلوي

الجواب:

يقع الكلام في هذا الحديث الشريف في مقامات:

المقام الأول: ورد في الأحاديث الكثيرة أنّه لولا النبي (ص) وأهل بيته الكرام (ع) لما خلق الله الخلق، وهذا المضمون مما يُقطعُ به.

وهو إشارة إلى العلة الغائية من الخلق، كما أنّ الفلاح يزرع الأشجار، ويتعهدها بالسقاية والرعاية والإهتمام، لأجل ثمرتها الحلوة، فالغاية من زراعة الشجرة هي الثمرة.

والغاية من خلق الخلق هو النبي وأهل بيته الكرام (صلوات الله عليهم أجمعين)، بإعتبار أنهم أفضل ثمار الوجود، فلولاهم لكان الخلق ناقصاً، لأنّ معرفة ما عداهم وعبادتهم لا تصل إلى مستوى أن يخلق الله هذا الخلق، فبخلق الله النبي وأهل بيته تحققت الغاية، ووصف فعله بالكمال والتمام.

باعتبار أنّ الغاية من الخلق هو المعرفة والعبادة، والمعرفة والعبادة الكاملة لا تصدر إلا منهم (ع)، ولا تصدر من غيرهم إلا بهم. (لاحظ: مرآة العقول للمجلسي: 2 / 117)

المقام الثاني: ما يرتبط بسند الحديث ومصدره:

لم يروَ هذا الحديث في المجاميع الحديثية المتقدمة لعلمائنا، ولا المتأخرة، وإنما نقله بعض المعاصرين، وهو العالم الجليل السيد محمد حسن الميرجهاني الطباطبائي، في كتابه جنة العاصمة، عن نسخة خطية من كتاب "كشف اللئالي" للشيخ صالح بن عبد الوهاب بن العرندس ( ت 840 هـ )، وجدها في مكتبة العالم الجليل المرحوم الشيخ محمد السماوي، ونقل منها الحديث بهذا السند: عن الشيخ إبراهيم بن الحسن الذرّاق، عن الشيخ عليّ بن هلال الجزائريّ، عن الشيخ أحمد بن فهد الحلّيّ، عن الشيخ زين الدين عليّ بن الحسن الخازن الحائريّ، عن الشيخ أبي عبد اللّه محمّد بن مكّيّ الشهيد بطرقه المتّصلة إلى أبي جعفر محمد بن على بن موسى بن بابويه القمّيّ بطريقه إلى جابر بن يزيد الجعفيّ، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، عن اللّه تبارك و تعالى إنّه قال: يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما. (جنة العاصمة للميرجهاني، ص 301 – 302، وعنه الشيخ أحمد الرحماني الهمداني في كتاب فاطمة بهجة قلب المصطفى، ص 9 ، ومجمع النورين للمرندي، ص 14 عن كتاب بحر المعارف).

هذا ما يرتبط بسند الحديث.

المقام الثالث: معنى الحديث:

ليس معنى الحديث أفضلية أمير المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام)، على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهذا لا يتفوه به مسلم، فنبينا محمد (صلى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء وأفضلهم وأكملهم وأعلاهم مقاماً وأقربهم منزلة من الله تعالى. هذا مما لا يشك فيه مسلم له عقل.

فما قد يتوهم من ظاهر الحديث غير مراد قطعاً، شأنه شأن الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الكثيرة، المصروفة عن ظاهرها، لقيام القرائن القطعية على أنّ الظاهر غير مراد.

فمجرد عدم إمكان الحمل على الظاهر لا يسوّغ التسرّع بالحكم على الحديث بالوضع، فالنبي (ص) وأهل البيت (ع) سادة البلغاء وأئمة الفصحاء، ينبغي البحث عن معاريض كلامهم، وهذا باب واسع لفهم الأحاديث الشريفة.

وعليه: فإذا تمّ دفعُ توهم إرادة الظاهر بالقطع، فنبحث عما يحتمل من معاني الحديث، فنقول:

يحتمل في المراد من الحديث:

أن يكون إشارة إلى الأدوار التي اُنيطت إلى كل واحد منهم، وأن دور اللاحق مكمّل لدور السابق، وحافظ له، فلولا اللاحق لما تحقق الغرض من السابق، فهي كالسلسلة مرتبطة ومترابطة فيما بينها.

فالدور الذي اُنيطَ إلى أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء (عليهما السلام)، من حفظ الدين، وهداية الخلق، وفضح الظالمين، لولاه لما تحقق الغرض من بعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ولانسدّ باب الهداية، وطُمِس الدين، ومُحِيَ أثره.

فالنبي (ص) قد بلّغ الرسالة، وهي تحتاج إلى الحافظ والهادي والقيّم والطارد للأغيار، قال تعالى: { إنما أنت منذر ولكل قومٍ هاد } والهادي علي بن أبي طالب عليه السلام كما في الروايات.

وقال تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته، والله يعصمك من الناس } حيث نلاحظ أنّ الله يؤكد على نبيه (ص) بأن يبلّغ ولاية علي بن أبي طالب (ع) للناس، وإن لم يبلّغ فما بلّغ الرسالة الإلهية، ولذا نجد أنه بعد التبليغ بتنصيب أمير المؤمنين (ع) خليفة من بعده، يقول: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينا } .

فالرسالة التي بلّغها النبي (ص) لن تأخذ دورها بلا ولاية وإمامة، ولن يتحقق الغرض من البعثة بلا ولاية، وسيكون الدين ناقصاً، مبتوراً، غير مرضيّ لله تعالى، بلا ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). وهذا معنى: ( ولولا علي لما خلقتك ) وهو على وزان: ( وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته ) ووزان : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) فالرسالة بلا ولاية ناقصة، لا يتحقق الغرض منها بلا ولاية.

ولا يتحقق الغرض من الولاية بلا براءة، والبراءة قد حققتها السيدة الزهراء (عليها السلام)، عندما وقفت بقوة في وجه مشروع السقيفة، الرامي إلى طمس الدين والتلاعب به.

وهذا معنى ( ولولا فاطمة لما خلقتكما )، فلولا الدور الفاطمي بعد شهادة رسول الله (ص) لما تحقق الغرض من بعثة النبي (ص) وولاية الوصي (ع).

وعليه:

فالغاية من خلق العالم لن يتحقق إلا بخلق النبي (ص) ووجوده وبعثته، ( لولاك لما خلقت الأفلاك).

والغاية من بعثة النبي (ص) لن تتحقق إلا بخلق أمير المؤمنين (ع) وولايته، والدور الذي اُنيط إليه، (ولولا عليّ لما خلقتك ).

والغاية من بعثة النبي (ص) وولاية أمير المؤمنين (ع) لن تتحقق إلا بجهاد فاطمة (ع) لأعداء الله تعالى، ( ولولا فاطمة لما خلقتكما )

ومن هنا يتبين خطورة الدور الفاطمي في إحياء الدين وإبقاءه، وبركة وجودها سلام الله عليها على الدين، فلولاها لكان الدين في خبر كان، ولكنّ الله تعالى اقتضت حكمته أن يعطي هذا الدور العظيم لسيدتنا فاطمة عليها السلام، كما أعطى دور فضح بني إسرائيل للسيدة مريم عليها السلام.

ذكر كلمات بعض علمائنا:

قال السيد كاظم الحائري: فلو صحّت هذه فليس معناها: أنّ عليّاً (ع) أفضل من رسول الله (ع)، فإنّ رسول الله أفضل من عليّ، ولا أنّ فاطمة (ع) أفضل منهما، فإنّهما أفضل من فاطمة، بل معناها: أ نّه لولا عليٌّ لذهبت جهود رسول الله (ص) من بعد فوته أدراج الرياح، وانمحى الدين نهائيّاً، ولولا فاطمة لذهبت جهودهما أدراج الرياح; لأنّ عليّاً (ع) لم يستطع أخذ الحقّ وإحقاقه بالسيف، في حين أنّ ذاك الحقّ من صلب الإسلام الحقيقيّ، واضطرّ إلى الصلح، فكانت تبقى الحقيقة مخفيّة إلى الأبد، والذي أدرك الموقف وأوضح الأمر هو الوجود العاطفيّ لفاطمة (ع) في نفوس الاُمّة ممّا أمكنها في خطبتها الغرّاء، وغير ذلك أن تقف المواقف التي سبّبت انتشار الحقّ ولو بعد حين. (مفاهيم تربوية في قصة يوسف، للسيد كاظم الحائري، ص 68).

وقال الشيخ محمد السند: وليس هنا معنى الحديث - كما قد يتوهّم في باديء النظر - هو أفضلية علي أو فاطمة ( عليهما السلام ) ، بل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أفضل الكائنات وسيد البرايا ( فدنى فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى ) دنواً واقتراباً من العليّ الأعلى ... وهو يحتمل أوجه من المعاني منها : انّ الغرض والغاية من خلق بدن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في النشأة الدنيوية وابتعاثه لا يكتمل إلا بالدور الذي يقوم به عليّ وفاطمة ( عليهما السلام ) من أعباء إقامة الدين وايضاح طريق الهداية. (مقامات فاطمة الزهراء للشيخ محمد السند: 1 / 87).

وقد أشار الشيخ محمد السند إلى معاني أخرى للحديث فراجع.

والحمد لله رب العالمين.