(ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض) هل يقرّ الكافر بكون الله هو الخالق؟

سؤال: السلام عليكم: يقول تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماواتِ والأرضَ ليقولنّ الله قل أفرأيتم..) كيف يقرّ الكافرُ بكون الله خالق السماواتِ والأرض؟ ممكن شرح مفصّل لهذه الآية الكريمة حسب تفاسيرنا؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

إذا رجعنا للآيةِ بتمامها وهي قولهُ تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَل هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَو أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَل هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)، نجدُ أنّ المخاطبَ ليس هو الكافرُ المنكرُ لوجود الله تعالى، وإنما هو المشرك الذي يعبدُ الاصنام أو يتخذ أولياءَ من دون الله تعالى؛ وذلك لأنّ السببّ في انحرافِ المشركين هو اعتقادهم بأنّ عبادة الأصنام هي التي تقرّبهم إلى الله زلفى كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ).

وبذلكَ نكتشفُ الفرقَ بين الكافر المنكر لوجودِ الله وبين المشركِ المقرّ بوجودهِ ولكنه يصرفُ العبادةَ لغيره، وقد تناولت آياتٌ أخرى هذا المعنى مثل قولهِ تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ)، وقوله تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)

يقولُ صاحبُ تفسير الميزان في قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ): «شروعٌ في إقامة الحجّة، وقد قَدَّم لها مقدّمةً تبتني الحجة عليها، وهي مسلَّمة عند الخصم، وهي أنّ خالق العالم هو الله سبحانه؛ فإنّ الخصم لا نزاع له في أنّ الخالق هو الله وحدهُ لا شريك له، وإنّما يدّعي لشركائه التدبير دون الخلق» (الميزان: ج17، ص266)

وعليه فإنّ الاعتقاد على مستوى الخالقيةِ أمرٌ اعترفَ به المشركون، ولكنّهم ابتُلوا بالانحراف فيما يتعلّق بالاعتقاد في كون الخالق هو أيضاً الربّ الذي بيده تدبيرُ كلّ شيء، فمن يصرفُ العبادة لأيّ شيء دونَ الله يقعُ في الشرك حتماً حتى لو اعتقد بكون الله وحدهُ هو الخالق.

يقولُ الشيخ السبحاني: «يستفادُ بجلاء من مطالعة عقائد الوثنية في كتب الملل والنحل أنّ مسألة التوحيد في الخالقية كانت موضعَ اتفاق، وأنّ الانحراف كان في مسألة التدبير أوّلاً، والعبادة ثانياً. فكان الوثنيون موحِّدين في أمر الخلقة، مشركين في الربوبية، ثمّ في العبادة. وكان الشركُ في العبادة عاماً، بخلاف الشرك في التدبير، فلم يكن مثلهُ في السعة والشمول...» (الإلهيات: ص65)

أمّا بخصوص التفسير التفصيلي لهذه الآية كما طلب السائل فإننا اخترنا ما جاء في تفسير الأمثل للشيخ مكارم الشيرازي، حيث جاء فيه: "في البداية تقول الآية: ولئن سألتهم من خلق السماواتِ والأرض ليقولنّ الله. العقلُ والوجدانُ لا يقبلان أن يكون هذا العالم الكبير الواسع بكلّ هذه العظمة مخلوق من قبل بعض الكائنات الأرضية، فكيف يمكن للعقل أن يقبل أنّ الأصنام التي لا روح فيها ولا عقل ولا شعور هي التي خلقت هذا العالم، وبهذا الشكل فإنّ القران يحاكم أولئك إلى عقولهم وشعورهم وفطرتهم، كي يثبت أول أسس التوحيد في قلوبهم، وهي مسألة خلق السماوات والأرض.

وفي المرحلة التالية تتحدثُ الآيات عن مسألة الربح والخسارة، وعن مدى تأثيرها على نفع أو ضرر الإنسان، كي تثبت لهم أنّ الأصنام لا دور لها في هذا المجال، وتضيف قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هنّ كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هنّ ممسكات رحمته.

والآن بعد أن اتضحَ أنّ الأصنام ليس بإمكانها أن تخلق شيئاً ولا باستطاعتها أن تتدخلَ في ربح الإنسان وخسارته، إذن فلم نعبدها ونترك الخالق الأصلي لهذا الكون، والذي له اليدُ الطولى في كلّ ربح وخسارة، ونمدّ أيدينا إلى هذه الموجودات الجامدة التي لا قيمة لها ولا شعور؟ وحتى إذا كانت الآلهة ممّن يمتلك الشعور كالجنّ أو الملائكة التي تعبد من قبل بعض المشركين، فإنّ مثل هذا الإله ليس بخالق ولا يمكنهُ أن يتدخل في ربح الإنسان وخسارته، وكنتيجة نهائية وشاملة يقول البارئ عزّ وجل قل حسبي الله وعليه يتوكلُ المتوكلون.

آياتُ القرآن المجيد أكدت - ولعدة مرات - على أنّ المشركين يعتقدون بأنّ الله سبحانه وتعالى هو خالق السماوات والأرض. وهذا الأمر يبين أنّ الموضوع كان بالنسبة للمشركين من المسلمات، وهذا أفضل دليل على بطلان الشرك، لأنّ توحيد خالق الكون والاعتراف بمالكيته وربوبيته أفضل دليل على (توحيد المعبود) ومن كلّ هذا نخلص إلى أنّ التوكل لا يكون إلا على الله مع صرف النظر عن عبادة غيره...." (الأمثل ج 15، ص 96)