سليمان بن صرد الخزاعي (ت 65هـ) وموقفه من الإمام الحسين (ع)

هل سليمان بن صرد الخزاعي صحابي؟ وما حقيقة ما يشاع من خذلناه للإمام الحسين(ع) في كربلاء ؟

: الشيخ مروان خليفات

الجواب:

في بادئ الأمر ينبغي التأكيد على أنّ سليمان بن صرد صحابي جليل من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، التقى بالنبي وأسلم، وأكد صحبته مجموعة من أعلام الجمهور، إذ له ترجم له ابن حبان قائلاً: (سليمان بن صرد الخزاعي أبو مطرف، أتاهم النبي (ص) فأقام عندهم ثلاثاً ...). (الثقات، ج3 ص 160 ـ 161).

وترجم له ابن عبد البر في كتابه الذي خصّصه لتراجم الصحابة، إذ قال عنه: (سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم الخزاعي، من ولد كعب بن عمرو بن ربيعة... يكنى أبا مطرف، كان خيّرا فاضلا، له دين وعبادة، كان اسمه في الجاهلية يسارا فسمّاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم سليمان، سكن الكوفة، وابتنى بها دارا في خزاعة، وكان نزوله بها في أول ما نزلها المسلمون، وكان له سنّ عالية، وشرف وقدر، وكلمة في قومه، شهد مع عليّ صفّين). الأستيعاب، (ج 2 ص 650).

وقال الذهبي: (سليمان بن صرد أبو مطرف الخزاعي الكوفي صحابي). الكاشف في معرفة من له رواية في كتب السُنّة، (ج 1، ص 460).

وقال ابن حجر: (وقد روى عن النبي (ص) وعن علي وأبي الحسن وجبير بن مطعم روى عنه أبو إسحاق السبيعي ويحيى بن يعمر وعبد الله بن يسار وأبو الضحى وكان خيرا فاضلا شهد صفين مع علي وقتل حوشبا مبارزة ... وكان لسليمان يوم قتل ثلاث وتسعون سنة وكان الذي قتل سليمان يزيد بن الحصين بن نمير رماه بسهم فمات وحمل رأسه ورأس المسيب إلى مروان). الإصابة، (ج3 ص 144 ـ 145).

وقال في موضع آخر: (سليمان بن صرد (بضم المهملة وفتح الراء) بن الجون الخزاعي أبو مطرف الكوفي صحابي قتل بعين الوردة سنة خمس وستين). تقريب التهذيب، (ج 1، ص 387).

وعده الشيخ الطوسي ( ت 460هـ) من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) . (رجال الطوسي، ص 40).

قال السيد الخوئي في ترجمته: (لا ينبغي الاشكال في جلالة سليمان بن صرد، وعظمته، لشهادة الفضل بن شاذان بذلك، وأما تخلفه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وقعة الجمل، فهو ثابت، ولعل ذلك كان لعذر أو بأمر من أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإن ما روي عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم، عن أبي عبد الله سيف بن عمر، عن إسماعيل بن أبي عمرة، عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود، من عتاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعذله سليمان بن صرد في قعوده عن نصرته بعد رجوعه (عليه السلام) من حرب الجمل، لا يمكن تصديقه لأنّ عدة من رواته لم تثبت وثاقتهم، على أنه لم يثبت كون هذا الكتاب عن نصر بن مزاحم، بطريق معتبر، فلعل القصة مكذوبة عليه كما احتمله الشيخ - قدس سره -) معجم رجال الحديث - السيد الخوئي – (ج 9، ص 283 – 284).

وقد كان سليمان بن صرد من شيعة أهل البيت (ع) الكبار المخلصين، إذْ قبض عليه الامويون وأودعوه السجن مع الكثير من شيعة امير المؤمنين (ع)، لهذا لم يتمكن من نصرة الإمام الحسين (ع) في كربلاء.

قال السيد ابن طاووس (ت 664 هـ) نقلا عن كتاب أبي مخنف : ( قال أبو مخنف (ره) ... وفى ذلك الوقت كانت ولاية المصرين البصرة والكوفة بيد عبيد الله بن زياد الملعون الفاجر، وكان يزيد الملعون أوصاه أن يقيم بالبصرة ستة أشهر وبالكوفة ستة أشهر. فلما هلك ( لع ) كان ابن زياد الملعون بالبصرة وكان في حبسه أربعة آلاف وخمسمائة رجل من التوابين من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وأبطاله ، وجاهدوا معه وكانوا في حبس ابن زياد الملعون من أيام معاوية ولم يكن لهم سبيل إلى نصرة الحسين عليه السلام لأنهم كانوا مقيدين مغلولين بالحبس وكانوا يطعمون يوما ، ويوما لا يطعمون وهم بالكوفة فلما جاء البريد إلى الكوفة بخبر هلال يزيد لعنه الله وكان ابن زياد الملعون في ذلك الوقت بالبصرة . فلما شاع هلاك يزيد (لع) وثبوا على دار ابن زياد ونهبوا أمواله وخيله وقتلوا غلمانه وكسروا حبسه وأخرجوا منه الأربعة آلاف وخمسمائة رجل من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام منهم سليمان بن صرد الخزاعي وإبراهيم بن مالك الأشتر ...). [اللهوف في قتلى الطفوف، ص 153].

إذنْ: هذه وثيقة تاريخية مهمة تبين أنّ سليمان كان في سجن ابن زياد من أيام معاوية حتى هلاك يزيد، نقلها السيد ابن طاووس عن كتاب أبي مخنف، وأبو مخنف مؤرخ ثقة. قال الشيخ النجاشي في ترجمته: (لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سالم الأزدي الغامدي، أبو مخنف، شيخ أصحاب الاخبار بالكوفة ووجههم، وكان يسكن إلى ما يرويه ...). (فهرست اسماء مصنفي الشيعة، ص 320).

وطريق السيد ابن طاووس إلى أبي مخنف يمر عبر جده الشيخ الطوسي، وطريق الشيخ الطوسي إليه صحيح. قال السيد الخوئي: (وكيف كان فهو ثقة مسكون إلى روايته على ما عرفت من النجاشي، وطريق الشيخ إليه صحيح). معجم رجال الحديث، (ج15 ص 142).

ثمَّ إنّ هناك رأياً يخالف ما ذهب إليه كثير من المؤرخين، وهو أن سليمان راسل الإمام الحسين (ع) مع من راسلوه، لكنه أكد على أصحاب الرسائل عدم الغدر به، وهو ما يؤكد استقامة الرجل وعدم خذلانه.

قال الشيخ المفيد: (فمن مختصر الأخبار التي جاءت بسبب دعوته عليه السلام وما أخذه على الناس في الجهاد من بيعته، وذكر جملة من أمره وخروجه ومقتله ما رواه الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السيرة إذ قالوا: ( ... فاجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان ابن صرد ، فذكروا هلاك معاوية فحمدوا الله عليه ، فقال سليمان : إن معاوية قد هلك ، وإن حسينا قد تقبض على القوم ببيعته ، وقد خرج إلى مكة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فأعلموه ، وإن خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه ، قالوا : لا ، بل نقاتل عدوه ، ونقتل أنفسنا دونه ، قال : فكتبوا : بسم الله الرحمن الرحيم ...).

وعبارة سليمان التي ذكرها الشيخ المفيد نقلا عن أرباب السير ذكرها: الطبري وابن أعثم وغيرهما من أهل التاريخ. [ينظر: تاريخ الطبري، (ج4 ص 261)، الفتوح، (ج 5 ص 27)].

أضف إلى ذلك أنّ الشيخ علي الشاهروي يرى أن سليمان بن صرد قد تم اعتقاله قبل واقعة كربلاء، وذلك لـمّا قال: ( وابن زياد لما اطلع على مكاتبة أهل الكوفة إلى الحسين (عليه السلام)، حبس أربعة آلاف وخمسمائة من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وأبطاله، منهم سليمان هذا وإبراهيم الأشتر وصعصعة وأمثالهم، ولم يكن لهم سبيل إلى نصر الحسين (عليه السلام)، لأنهم كانوا مقيدين مغلولين في الحبس، إلى أن سقط يزيد في الهاوية وشاع ذلك، وكان ابن زياد في البصرة، وثبت الشيعة على دار ابن زياد ونهبوا أمواله وقتلوا غلمانه وكسروا حبسه وأخرجوهم من الحبس وتهيأو المطلب الثار...). مستدركات علم رجال الحديث، (ج 4، ص 137 – 138).

وقد أكد هذا الرأي الشيخ المامقاني لـمّا قال: ( إنّ ممّا اتّفقت عليه كتب السير والتواريخ أنّ ابن زياد لمّا اطلع على مكاتبة أهل الكوفة الحسين عليه السّلام حبس أربعة آلاف وخمسمائة رجل من التوّابين من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام وأبطاله ، الذين جاهدوا معه ، منهم: سليمان ...) تنقيح المقال، (ج 33 ص 189).

وكذلك ممّن ذكر قصة اعتقال ابن زياد لسليمان وأصحابه أحمد بن الحسن الحر العاملي، وهو أخو صاحب الوسائل. انظر ذلك في كتاب حياة الإمام الحسين للشيخ باقر شريف القرشي، (ج2، ص416). نقلاً عن كتاب الدر المسلوك في أحوال الأنبياء والأوصياء، لأخي الحر العاملي، وهو كتاب مخطوط.

وهذا الذي ذهب إليه المشايخ الثلاثة غير مستبعد، فيكون حبس ابن زياد لسليمان وأصحابه قبل مجيء الإمام الحسين ع، ولذا لم يتمكنوا من نصرته عليه السلام، إذ خرج سليمان بن صرد مع أصحابه من السجن وتوجهوا لمحاربة ابن زياد والثأر منه. قال البلاذري (ت 279هـ) : (ولمّا انتهى سليمان وأصحابه إلى قبر الحسين، صرخوا صرخة واحدة، وبكوا، وقال سليمان: اللهمّ ارحم الشهيد ابن الشهيد. ونادوا: يا لثأرات الحسين). أنساب الأشراف، (ج 6، ص 370).

قال الذهبي: (وقد كان سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري وهما من شيعة عليّ ومن كبار أصحابه، خرجا في ربيع الآخر يطلبون بدم الحسين بظاهر الكوفة في أربعة آلاف، ونادوا: ((يا لثارات الحسين)). تاريخ الإسلام، (ج 5، ص 46).

إذ التقى سليمان واصحابه مع جيش ابن زياد في عين الوردة وكان تعداد جيش ابن زياد حوالي ثلاثمائة ألف مقاتل، استمر القتال أياما عديدة. وكان ذلك في اليوم الثاني والعشرين من جمادى الأولى من سنة ٦٥ للهجرة. قال أبو مخنف: ( فلما كان في اليوم الثامن أصبح سليمان (ره) وقد بقي من أصحابه سبعة وعشرون رجلا وقد أثخنوا بالجراح ، وحجزوا عن القتال وفى جسد كل واحد منهم مائة طعنة ومائة ضربة وسهام نافذة وقد أحصى سليمان ما وصل إلى جسده مائة وعشرين طعنة وضربة غير السهام فعند ذلك عبروا الفرات وقطعوا الجسر ونزلوا عن خيولهم وهم لا يطيقون الكلام ولا يستطيعون النهوض من التعب وكثرة الجراح وثقل الحديد وخيولهم قريبة الهلاك من الجوع وكثرة العطش وكثرة الطرد فاضطجعوا على ظهورهم وهم يتلون القران ويكبرون الله ويصلون على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ...

ولم يزل سليمان راكعا وساجدا إلى أن طلع الفجر ثم صلى بأصحابه وأمرهم أن يعبروا الفرات فشدوا على خيولهم وحملوا على ابن زياد وقاتلوا إلى قرب الزوال فداروا عليهم القوم من كل جانب فقتلوهم عن آخر هم رحمهم الله ثم أمر ابن زياد الملعون أن يقطعوا رؤوسهم ويحملوها إلى دمشق إلى مروان بن الحكم لعنه الله ). اللهوف في قتلى الطفوف، (ص 161).

فرحم الله سليمان وأصحابه، وهو الذي قال له الإمام علي (ع): {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا }. وأنت ممن ينتظر وممن لم يبدل) بحار الأنوار، (ج 32، ص 545).