هل حبُّ عليٍّ (عليه السَّلام) رافعٌ للنَّار؟
هل ثبت عن النَّبيِّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: "لو اجتمع النَّاس على حبِّ عليٍّ (عليه السَّلام) لما خلق الله النَّار"، وما معنى ذلك؟
الجواب
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
روى الخوارزميُّ الحنفيُّ وأبو شجاعٍ الدَّيلميُّ عن ابن عبَّاسٍ قوله: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «لو اجتمع النَّاس على حبِّ عليِّ بن أبي طالبٍ لَما خلق الله (عزَّ وجلَّ) النَّار» [المناقب، ص67؛ مقتل الحسين (عليه السَّلام)، ج1، ص69؛ الفردوس، ج3، ص373].
ونقله أيضًا جملةٌ من علمائنا، كالمحدِّث محمَّد بن أبي القاسم الطَّبريِّ في [بشارة المصطفى، ص126]، والعَلَّامة الحِلِّيِّ في كتاب [كشف اليقين، ص225]، والدَّيلميِّ في كتاب [إرشاد القلوب، ج2، ص234]، والأحسائيِّ في كتاب [عوالي اللَّئالي، ج4، ص86]، وغيرهم من الأعلام.
وممَّن رواه أيضًا وعلَّق عليه المحدِّث الإربليُّ (طاب ثراه)، فقال: (أقول: ربَّما وقف على هذا الحديث بعضُ من يميل إلى العناد طبعُه، ويتَّسع في الخلاف والنَّصب ذرعُه، فيردُّ عليه منه ما يضيق عنه وسعُه، فيجزم بخفض مناره عندما يعييه دفعُه، ويسارع إلى القدح في راويه ومعتقدِهِ، وينكر على ناقله بلسانه وقلبه ويدِهِ، وهو لا يعلم أنَّه إنَّما أُصيب من قِبَل طبعه الذَّميم، وأُتِيَ من قِبَل تصوُّره السَّقيم)
[كشف الغمَّة، ج1، ص98]، وسوف تأتي تتمَّة كلامه - إنْ شاء الله تعالى -.
صحَّة أحاديث المناقب:
هذا، وللشَّيخ محمَّد حسن المُظَفَّر (طاب ثراه) كلامٌ حول صحَّة الأحاديث التي يرويها العامَّة في فضائل ومناقب أهل البيت (عليهم السَّلام) ومثالب أعدائهم، فإليكه بنصّه:
(نَّ كلَّ روايةٍ لهم في مناقب أهل البيت ومثالب أعدائهم محكومةٌ بوثاقة رجال سندها وصدقهم في تلك الرِّواية، وإنْ لم يكونوا ثقاتٍ في أنفسهم، ضرورة أنَّ من جملة ما تُعرف به وثاقة الرَّجل وصدقه في روايته التي يرويها عدم اغتراره بالجاه والمال، وعدم مبالاته – في سبيلها – بالخطر الواقع عليه، فإنَّ غير الصَّادق لا يتحمَّل المضارَّ بأنواعها لأجل كذبةٍ يكذبها لا يعود عليه فيها نفعٌ، ولا يجد في سبيلها إلَّا الضَّرر! ومن المعلوم أنَّ من يروي في تلك العصور السَّالفة فضيلةً لأمير المؤمنين (عليه السَّلام) أو منقصةً لأعدائه فقد غرَّر بنفسه، وجلب البلاء إليه).
ثمَّ ذكر (طاب ثراه) قصَّة قتلهم الحافظ ابن السَّقَّاء لروايته حديث الطَّير فقط! وقصَّة قتلهم النَّسائيِّ الذي رفض مدح معاوية وحسب! وقصَّة جلدهم نصر بن عليِّ بن صهبان ألف سوطٍ بأمر المتوكِّل لروايته في فضل الحسن والحسين (عليهما السَّلام)! وغيرها.
ثمَّ قال (طاب ثراه):
(فظهر – ممَّا ذكرنا – لكلِّ متدبِّر: أنَّ جميع ما رُوي في مناقب آل محمَّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وكذا مثالب أعدائهم، حقٌّ لا مِرية فيه، ولا سيَّما مع روايته عندنا، وتواتر الكثير منه، فيكون ممَّا اتَّفق عليه الفريقان، وقام به الإسنادان) [دلائل الصِّدق، ج1، ص7-25].
معنى الحديث الشَّريف:
الظَّاهر أنَّ المراد من الحبِّ في الحديث هو الولاية والاتِّباع لنهج أمير المؤمنين وسائر الأئمَّة (عليهم السَّلام)، وإنْ كان الحبُّ – بما هو حبٌّ – نافعًا أيضًا، ولكنَّ الأثر الحقيقيَّ المترتِّب على ذلك الحبِّ هو الاتِّباع، نظير ما يُنسب إلى الإمام الباقر (عليه السَّلام) من الشِّعر، وفيه قوله:
"لو كان حبُّك صادقًا لأطعته .. إنَّ المحبَّ لمن أحبَّ مطيعُ" [تحف العقول، ص294].
إذ قرن (عليه السَّلام) الحبَّ بالاتِّباع والطَّاعة.
تفسير الحديث وفق المعنى العقائديّ:
وبعبارةٍ أخرى: لو كان النَّاس من أتباع أمير المؤمنين (عليه السَّلام)، الذي أوصى به النَّبيُّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، لكانوا من أهل الجِنان. ومن المنطقيِّ – حينئذٍ – أنْ لا نحتاج إلى النَّار بعدها، وذلك لفرض كون النَّاس على الجادَّة الصَّحيحة والطَّريقة المستقيمة، كما هو واضحٌ لمن طالع الأخبار والآثار.
قال المحدِّث الإربليُّ (طاب ثراه) في بيان الحديث:
(إنَّ محبَّة عليٍّ (عليه السَّلام) فرعٌ على محبَّة النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وتصديقه في جميع ما جاء به، ومحبَّة النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وتصديقه فرعٌ على معرفة الله تعالى ووحدانيَّته، والعمل بأوامره، واجتناب نواهيه، والأخذ بكتابه وسُنَّة نبيِّه (صلَّى الله عليه وآله)، ومن المعلوم أنَّ النَّاس كافَّةً لو خُلقوا على هذه الفطرة لم يخلق الله النَّار) [كشف الغمَّة، ج1، ص98].
رواياتٌ أخرى تؤكِّد المعنى نفسه:
ما يُؤيِّد هذا المعنى: ما رواه أبو القاسم الطَّبريُّ (طاب ثراه) بسنده عن جابر الجُعفيّ، عن جعفر بن محمَّد (عليه السَّلام) قال:
"بينا عليُّ بن أبي طالبٍ (عليه السَّلام) على منبر الكوفة يخطب، إذ أقبل ثعبانٌ من آخر المسجد، فوثب إليه النَّاس بنعالهم، فقال لهم عليٌّ (عليه السَّلام): مهلًا يرحمكم الله، فإنَّها مأمورة، فكفَّ النَّاس عنها، فأقبل الثُّعبان إلى عليٍّ (عليه السَّلام) حتَّى وضع فاه على أُذن عليٍّ، فقال له ما شاء الله أنْ يقول.
ثمَّ إنَّ الثُّعبان نزل وتبعه عليٌّ، فقال النَّاس: يا أمير المؤمنين! ألا تخبرنا بمقالة هذا الثُّعبان؟!
فقال: نعم، إنَّه رسول الجنِّ، قال لي: أنا وصيُّ الجنِّ ورسولهم إليك، يقول الجنُّ: لو أنَّ الإنس أحبُّوك كحبِّنا إيَّاك وأطاعوك كطاعتنا، لَما عذَّب الله أحدًا من الإنس بالنَّار" [بشارة المصطفى، ص260].
وقال الحرُّ العامليُّ (طاب ثراه) ما نصُّه:
(أقول: توجيه الحديث الشَّريف: أنَّ ولايته من شرط صحَّتها وقبولها الإقرار بالوحدانيَّة والعدل والنبوَّة والمعاد... فلو كان جميع النَّاس مقرِّين بذلك، لَما احتيج إلى خلق النَّار) [الجواهر السَّنيَّة، ص237].
الخاتمة:
والنتيجة من كلِّ ذلك، أنَّ هذه الرِّواية الشَّريفة قد وردت في جملةٍ من المصادر المهمَّة، وأنَّ معناها مطابقٌ لمفاهيم الدِّين الحنيف... والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق