هل السيِّدة الزهراء (ع) شهيدة؟

كيف تكون السيِّدة الزهراءُ (عليها السلام) شهيدةً، والحال أنَّها لم تُقتل في المعركة؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

بدايةً لابدَّ أنْ نُبيِّن المقصود من مصطلح (الشهادة) في لسان الشرع، وبعدها نلاحظ مدى انطباقه على الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام)، ولأجل بيان ذلك وتوضيحه، ينتظم الكلام في ذكر أمورٍ ثلاثة:

الأمر الأوَّل: في معنى الشهيد:

إنَّ المستقرئ للتراث الإسلامي يجدُ أنَّ مصطلح الشهادة الحقيقية يتمحور حول معنيين أساسيين تقريباً:

المعنى الأوَّل: هو أنْ يُقتل الإنسان في سبيل الله تعالى، كمن يُقتل في المعارك دفاعاً عن الدين والعقيدة، كما في شهداء معركة بدر، وصفِّين، والطف وما أشبه، وهذا النوع من الشهداء له أحكامٌ تخصُّه في الفقه، كالدفن في ثيابه، وغيره.

قال الشهيد الثاني (طاب ثراه): (الشهيد: وهو المسلم ـ ومن بحكمه ـ الميت في معركةِ قتالٍ أمر به النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أو الإمام، أو نائبهما الخاص، وهو في حزبهما بسببه، أو قُتل في جهادٍ مأمورٍ به في حال الغيبة، كما لو دهم على المسلمين من يُخاف منه على بيضة الإسلام، فاضطروا إلى جهادهم بدون الإمام أو نائبه، على خلاف في هذا القسم...لا يُغسَّل ولا يُكفَّن بل يُصلَّى عليه ويدفن بثيابه ودمائه) [الروضة البهيَّة ج1 ص64].

المعنى الآخر: هو أنْ يُقتل الإنسان في سبيل الله تعالى في غير المعارك، كما في شهادة أغلب المعصومين (عليهم السلام)، كشهادة الزهراء (عليها السلام) في الهجوم الغاشم، وقتل النبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) بالسُّم، وهكذا سائر الأئمَّة (عليهم السلام) ـ غير الإمام الحسين (عليه السلام) ـ كما لا يخفى.

الأمر الثاني: التوسُّع في لفظ الشهيد:

توسَّع الشارع في مصطلح (الشهيد) إلى عدَّة أصناف، منها الغريق، والمبطون، والنفساء، وغير ذلك، وهي ما يُصطلح عليها بالشهادة التنزيليَّة.

قال الشهيد الثاني (طاب ثراه) - بعد تعريف مصطلح الشهيد -: (ومن خرج عمَّا ذكرناه يجب تغسيله وتكفينه، وإنْ أُطلق عليه اسم الشهيد في بعض الأخبار، كالمطعون، والمبطون، والغريق، والمهدوم عليه، والنفساء، والمقتول دون ماله وأهله من قُطَّاع الطريق وغيرهم) [الروضة البهيَّة ج1 ص64].

وقال السيِّد محمَّد كاظم اليزديّ (طاب ثراه): (من أُطلق عليه الشهيد في الأخبار - مِن المطعون، والمبطون، والغريق، والمهدوم عليه، ومن ماتت عند الطلق، والمدافِع عن أهله وماله - لا يجري عليه حكم الشهيد، إذ المراد التنزيل في الثواب) [العروة الوثقى والتعليقات عليها ج2 ص44].

بل يظهر من بعض الأخبار الشريفة أنَّ كلَّ مؤمنٍ يُعدُّ شهيداً ولو مات على فراشه، فقد روي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كلُّ مؤمنٍ شهيد وإنْ مات على فراشه، فهو شهيد» [أمالي الطوسيّ ص ٦٧٦]، وروي عن مولانا عليِّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدِّه أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم) قال: «المؤمن على أيِّ حالٍ مات وفي أيِّ ساعةٍ قبض، فهو شهيد» [تأويل الآيات ج1 ص141]، وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «وأيُّ مؤمنٍ مات مريضاً مات شهيداً، وكلُّ مؤمنٍ شهيد، وكلُّ مؤمنةٍ حوراء، وأيُّ ميتةٍ مات بها المؤمن فهو شهيد» [دعائم الإسلام ج1 ص217].

الأمر الثالث: شهادة الزهراء (عليها السلام):

بعدما تبيَّن أنَّ شهادة الزهراء (عليها السلام) من قبيل الشهادة الحقيقية (المعنى الثاني) نذكر عدَّة أدلَّة على استشهادها وقتلها في سبيل الله تعالى:

الدليل الأوَّل: الروايات العامَّة:

وهي ما روي مستفيضاً عنهم (عليهم السلام) بأنَّهم ما بين مقتول أو مسموم، من ذلك: ما رواه الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسندٍ معتبر عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعتُ الرضا (عليه السلام) يقول: «والله ما منا إلَّا مقتولٌ شهيد» [عيون أخبار الرضا ج2 ص287]. وقد ذكرنا تفصيل ذلك في جواب منفرد بعنوان: (ما منَّا إلَّا مقتولٌ أو مسمومٌ)، فيمكن مراجعته.

الدليل الثاني: الروايات الخاصَّة:

وهي ما روي عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) بشكلٍ متضافرٍ وكبيرٍ في أنَّ الصدِّيقة الكبرى (عليها السلام) شهيدة:

من ذلك: ما رواه شيخنا الكلينيُّ (طاب ثراه) بسندٍ صحيحٍ عن أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) قال: «إنَّ فاطمة (عليها السلام) صدِّيقة شهيدة» [الكافي ج1 ص458].

ومنها: ما رواه شيخنا أبو القاسم جعفر ابن قولويه (طاب ثراه) بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما أُسري بالنبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى السماء قيل له: إنَّ الله تبارك وتعالى يختبرك في ثلاث...إلى قوله (عليه السلام): وأمَّا ابنتك، فتُظلم وتُحرم، ويؤخذ حقُّها غصباً الذي تجعله لها، وتُضرب وهي حامل، ويدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذنٍ، ثمَّ يمسُّها هوانٌ وذلٌّ، ثمَّ لا تجد مانعاً، وتطرح ما في بطنها من الضرب، وتموت من ذلك الضرب» [كامل الزيارات ص548].

ومنها: ما رواه شيخنا أبو جعفر الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال -في حقِّ الزهراء (عليها السلام) -: «وإني لما رأيتُها ذكرتُ ما يُصنع بها بعدي، كأنَّي بها وقد دخل الذلُّ بيتها، وانتُهِكت حرمتُها، وغُصِبت حقها، ومُنعت إرثُها، وكُسِر جنبُها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي: يا محمداه، فلا تُجاب، وتستغيث فلا تُغاث، فلا تزال بعدي محزونةً مكروبةً باكيةً...ثمَّ يبتدئ بها الوجع فتمرض، فيبعث الله (عزَّ وجلَّ) إليها مريم بنت عمران، تمرُّضها وتؤنسُها في علَّتها، فتقول عند ذلك: يا ربِّ، إنّي قد سئمتُ الحياة، وتبرَّمتُ بأهل الدنيا، فألحقني بأبي، فيلحقها الله (عزَّ وجلَّ) بي، فتكون أوَّلَ من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم عليَّ محزونةً مكروبةً مغمومةً مغصوبةً مقتولةً» [الأمالي ص176].

ومنها: ما رواه شيخنا أبو جعفر الطبري (طاب ثراه) بسندٍ معتبرٍ عن مولانا أبي عبد الله جعفر بن محمَّد (عليه السلام) قال: «ولدت فاطمة (عليها السلام) في جمادى الآخرة يوم العشرين منه - إلى قوله (عليه السلام) - وكان سببُ وفاتها أنَّ قنفذاً - مولى عمر - لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطتْ محسناً» [دلائل الإمامة ص134].

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الناصَّة على شهادتها (عليها السلام) وقتْلِها في سبيل الله تعالى من قبل القوم آنذاك.

الدليل الثالث: كلمات الأعلام:

المعروف عند علماء الإماميَّة (أنار الله برهانهم) أنَّ الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) رحلتْ عن الدنيا شهيدةً مقتولةً، نذكر بعضاً منها:

1ـ قال الشيخ محمَّد تقي المجلسيُّ (طاب ثراه): (وفي الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إنَّ فاطمة صدِّيقة شهيدة» - إلى أنْ قال - وشهادتها (صلوات الله عليها) كانت من ضرب عمر الباب على بطنها عند إرادة أمير المؤمنين لبيعة أبي بكر، وضرب قنفذ - غلام عمر - السوط عليها بإذنه، والحكاية مشهورةٌ عند العامَّة والخاصَّة) [روضة المتقين ج9 ص271].

2ـ وقال العلَّامة الشيخ محمَّد باقر المجلسيُّ (طاب ثراه) -تعليقاً على رواية الكافي المتقدِّمة-: (إنَّ هذا الخبر يدلُّ على أنَّ فاطمة (صلوات الله عليها) كانت شهيدة، وهو من المتواترات، وكان سبب ذلك أنَّهم لما غصبوا الخلافة...فمنعتهم فاطمة عند الباب، فضرب قنفذ - غلام عمر - الباب على بطن فاطمة (عليها ‌السلام) فكسر جنبيها، وأسقطت لذلك جنيناً كان سمَّاه رسول الله (صلَّى‌ الله ‌عليه ‌وآله) محسناً، فمرضت لذلك وتوفيت (صلوات الله عليها) في ذلك المرض) [مرآة العقول ج4 ص415].

3ـ وقال العلَّامة الشيخ محمَّد صالح المازندراني (طاب ثراه) - تعليقاً عليه أيضاً -: (قوله: «إنَّ فاطمة (عليها السلام) صدِّيقة شهيدة»: الصدِّيقة فعيلة للمبالغة، سُمّيت بها لشدَّة تصديقها بما جاء به أبوها، ولتصديق قولها بالفعل والعمل. والشهيد من قتل من المسلمين في معركة القتال المأمور به شرعاً، ثمَّ اتسع فأُطلق على كلِّ من قتل منهم ظلماً، كفاطمة (عليها السلام)، إذ قتلوها بضرب الباب على بطنها وهي حامل، فسقط حملها فماتت لذلك) [شرح أصول الكافي ج7 ص213].

4ـ وقال السيِّد حسن الصدر الكاظميُّ (طاب ثراه): (وسنة الوفاة: عاشر سنة الهجرة، وقيل: حادي عشرها، وسببُ الوفاة عصرها بين الحائط والباب، حتَّى قتل حملها المحسن، فصارت صاحبة فراش. ولما حضرها الأجل أوصتْ إلى زوجها أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) بأنْ تدفن ليلاً، وأنْ لا يحضرا جنازتها، وأنْ لا يصلِّيا عليها، وماتت وهي ساخطة عليهما) [الدرر الموسويَّة ص442].

5ـ وقال المرجع التبريزيُّ (طاب ثراه) -في جواب سؤالٍ وجِّه إليه -: (كفى في ثبوت ظلاماتها وصحَّة ما نقل من مصائبها وما جرى عليها خفاء قبرها ووصيتها بأنْ تدفن ليلاً، إظهاراً لمظلوميَّتها (عليها السلام)، مضافاً إلى ما نقل عن عليٍّ (عليه السلام) من الكلمات في الكافي عند دفنها...وفي الجزء الثاني من نفس الباب بسندٍ معتبرٍ عن الكاظم (عليه السلام) قال: «إنَّها صدِّيقة شهيدة»، وهو ظاهر في مظلوميَّتها وشهادتها) [الأنوار الإلهيَّة ص153].

إلى غيرها من كلمات الأعلام في هذا المجال، كما لا يخفى على المتتبع.

والنتيجة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ الصدِّيقة الزهراء (عليه السلام) تُعدُّ من الشهداء ولو لم تكن في المعركة، كما صار واضحاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.