دعوى إهمال الأحاديث النبويَّة في التُراث الشيعيّ

السؤال: هل صحيحٌ أنَّ الشيعة يُهملون الأحاديث النبويَّة ويعتمدون بشكلٍ حصريٍّ على روايات الأئمة مثل الباقر والصادق (عليهما السلام)؟

: الشيخ أحمد الكعبي

الجواب:

يدور في الأوساط الاسلاميَّة سؤالٌ عن مدى اهتمام الشيعة بروايات النبيّ (صلى الله عليه وآله)، حيث يُتداول أنَّهم يعتمدون بشكلٍ رئيسٍ على روايات الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، خاصة الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، ويُتهمون بإهمال الأحاديث النبويَّة المباشرة.

لكن هذه الدعوى لا تصمد أمام التحقيق العلميّ؛ إذ يكفي الرجوع إلى المصادر الشيعيَّة المعتمدة لملاحظة حضور الأحاديث النبويَّة فيها حضوراً قوياً، سواء من خلال الأسانيد المتصلة بالنبيّ (صلى الله عليه وآله)، أو عبر نقل الأئمة المعصومين (عليهم السلام) الذين ورثوا علمه وبيّنوا سنته.

ولتوضيح هذه القضية، نستعرض عدة نقاط تُظهر بطلان هذه الدعوى وتكشف عن عمق الارتباط الشيعيّ بأحاديث النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله).

أولاً: حضور الأحاديث النبويَّة في المصادر الشيعيَّة:

لا يُنكر مُطَّلِع على الكتب الحديثية الشيعيَّة كـ(الكافي) للكُلينيّ و(من لا يحضره الفقيه) للصدوق و(التهذيب) و(الاستبصار) للطوسيّ وجودَ مئات الأحاديث المروية عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) بأسانيد متصلةٍ إليه.

والصورة الأبرز لاهتمام الشيعة بحديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) تكمن في نقل الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لأقواله وأفعاله وتقريراته، حيث يُعدّ كلامهم امتداداً لسنته الشريفة، ففي كتاب (الكافي) - أحد أهم المصادر الحديثيَّة الشيعيَّة - نجد في الباب الأول (العقل والجهل) خمسة أحاديث مرفوعةً مباشرةً إلى النبيّ (ص)، منها قوله (صلى الله عليه وآله): «إن الله (عزَّ وجلَّ) يقول: تذاكر العلم بين عبادي مما تحيا عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه إلى أمري» [الكافي ج 1 ص 41]. كما روى الكُلينيّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) حديثاً يصف فيه تفاصيل المعراج النبويّ، فقال: «لما عرج برسول الله (ص) انتهى به جبرئيل إلى مكان فخلى عنه، فقال له: يا جبرئيل، تخليني على هذه الحالة؟ فقال: امضه فو الله لقد وطئت مكانا ما وطئه بشرٌ، و ما مشى فيه بشرٌ قبلك» [الكافي ج ١ ص 4٤3]. مما يدل على اطّلاع الأئمة (عليهم السلام) على أدق تفاصيل سيرة النبيّ، نقلاً عن آبائهم المعصومين الذين تلقوا العلم عن رسول الله مباشرةً.

ثانياً: الأئمة هم ورثة علم النبيّ، وهم الواسطة الموثوقة في نقل السُنَّة النبويَّة:

إذْ يعتقد الشيعة أنَّ الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) هم العدلُ الثاني للقرآن الكريم بموجب حديث الثقلين المتواتر، والذي أوصى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيه بالتمسك بالكتاب والعترة معاً، وهذا التلازم يفرض أن يكون الأئمةُ حُفَّاظا لسنته وشارحين لها؛ إذ لا يفترق القرآن عن العترة حتى الورود على الحوض.

ومن هنا، فإن روايات الأئمة عن النبيّ (عليه وعليهم السلام) ليست اجتهاداتٍ شخصية، بل هي نقلٌ أمينٌ لعلمٍ مُودَعٍ عندهم، كما صرّح الإمام الصادق (عليه السلام): «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين (ع)، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (ص)، وحديث رسول الله قول الله (عزّ وجلَّ)» [الكافي ج١ ص53]. فالأئمة (عليهم السلام) سلسلةٌ ذهبيَّةٌ تنقل العلم النبويَّ بلا تحريف، مما يجعل أحاديثهم مرآةً صافيةً لسُنَّة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله).

ولم يكتف الأئمة (عليهم السلام) بنقل الأحاديث، بل قاموا بدورٍ محوريٍّ في تصحيح المسار الحديثي عبر:

1ــ تمييز الصحيح من الموضوع:

ففي عصر كثرت فيه الأحاديث المختلقة، تصدّى الأئمة (عليهم السلام) لتكذيب المزوّر منها، كالحديث الذي ادعى إباحة الغناء، فقد روي عن عبد الأعلى قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغناء، وقلت: إنّهم يزعمون أنَّ رسول الله رخَّص في أن يُقال: جئناكم جئناكم، حيُّونا حيُّونا نحيّكم! فقال: كذبوا، إنَّ الله عز وجل يقول: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}، ثم قال: ويل لفلان مما يصف رجل لم يحضر المجلس» [الكافي ج6 ص433]. فنفى الإمام الصادق (ع) صحةَ تلك الرواية مؤكداً أنّها من الأحاديث المرفوضة.

2ــ تفسير النصوص وتوضيح مقاصدها:

ورد عن الحسين بن خالد قال: «قلت للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول الله، إنَّ الناس يروون أنّ رسول الله قال: إن الله خلق آدم على صورته، فقال: قاتلهم الله! لقد حذفوا أول الحديث، إنَّ رسول الله مر برجلين يتسابَّان، فسمع أحدَهما يقول لصاحبه: قبَّح الله وجهك ووجه من يشبهك، فقال (صلى الله عليه وآله): يا عبد الله! لا تقل هذا لأخيك، فإنَّ الله (عزَّ و جلَّ) خلق آدم على صورته» [التوحيد للصدوق ج1 ص153]، فهذا الحديث الذي أساء البعض فهمه، قد بيَّن الإمام الرضا (عليه السلام) أن المقصود به هو النهي عن سبّ الإنسان؛ لأنَّ الله كرَّمه بصورته، لا التشبيه الذاتي الذي ينزهون الله تعالى عنه.

3ــ تطبيق السُنَّة في الواقع العمليّ:

كتوجيه الإمام الباقر (عليه السلام) بضرورة المحافظة على القنوت في الصلاة، معتبراً تركه إعراضاً عن سُنَّة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، مما يظهر حرص الأئمة على ربط الأمة بالمنهج النبويّ عمليَّاً.

ثالثاً: الاهتمام الحقيقيّ هو العمل بالحديث لا مجرد روايته:

لا يُقاس الاهتمام بحديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) بمجرد كثرة الرواية، بل بالعمل بمضمونه واتّباع هديه، وهنا يبرز الفارق الجوهريُّ بين منهج الشيعة وغيرهم؛ فالشيعة يرون أنَّ التمسك بأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً هو عين العمل بحديث الثقلين، الذي أوصى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيه بالتمسك بالعترة الطاهرة مع القرآن، بينما نجد من ترك هذه الوصية مع تواترها فقد انقطع عن أحد الثقلين، فضعف ارتباطه بالسُنَّة النبويَّة الحقيقية.

كما أنَّ الأئمة (عليهم السلام) لم يقتصروا على نقل الحديث، بل رسَّخوا قواعد فهمه، كالقاعدة المرويَّة عن الصادق (عليه السلام): «حديثٌ تدريه خيرٌ من ألف ترويه» [معاني الأخبار ج1 ص2]، التي تحثُّ على استيعاب مقاصد الشريعة بدل تكديس الروايات، وهذا ما يفسر تركيز المدرسة الشيعيَّة على الجمع بين النقل والعقل، والربط بين الفروع والأصول، انطلاقاً من روايات الأئمة (عليهم السلام) التي تضمنت منهجيةً متكاملة لفهم السُنَّة.

فالادعاء بإهمال الشيعة حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) يتهاوى أمام الشواهد التاريخيَّة والعلميَّة التي تؤكّد أنَّ منهجهم قائمٌ على التلازم بين اتباع النبيّ واتباع أهل بيته (عليهم السلام)، وفق الرؤية التي أرساها حديث الثقلين، فما ينقله الأئمةُ من أحاديث ليس إلَّا انعكاساً أميناً لسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل إنَّ دورهم باعتبارهم مراجع علميَّةً معصومةً يضمن نقاءَ السُنَّة من التحريف وسلامةَ تطبيقها، ومن هنا، فإنَّ الاهتمام الشيعيّ بحديث أهل البيت هو في حقيقته اهتمامٌ بحديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) نفسه، عبر القنوات التي أرادها هو لتوصيل رسالته الخالدة.

الخلاصة:

يعتمد الشيعة على أحاديث النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله) بشكلٍ أساس، سواءٌ المروية مباشرةً عبر أسانيد موثوقة، أو المنقولة عبر الأئمة المعصومين من أهل البيت (عليهم السلام)، الذين يُعتبرون ورثة علم النبيّ وحُفَّاظ سنته.

وتظهر المصادر الشيعيَّة الرئيسة (كالكافي والفقيه والتهذيبين) حضورا قويّا للأحاديث النبويَّة، خاصة في الأحداث العقائديَّة، كما قام الأئمة بتصحيح الأحاديث المزوَّرة وتفسيرها وتطبيقها عملياً، انطلاقاً من دورهم كامتداد لرسالة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وفق حديث الثقلين؛ لذا، فإنَّ الاهتمام الشيعيّ بحديث الأئمة (عليهم السلام) ليس إهمالا للسنة النبويَّة، بل ضماناً لسلامتها عبر قنوات نقلٍ معصومة، تجسيداً للتلازم بين القرآن والعترة في المنهج الإماميّ.

والحمد لله ربّ العالمين.